العنوان حشيش الفنانين يسقط الأقنعة
الكاتب أحمد راؤول
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1989
مشاهدات 66
نشر في العدد 913
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 18-أبريل-1989
أجهزة الأمن قبضت على عدد من الفنانين
الحشاشين بهدف شغل الجماهير على معاناتها اليومية فترة من الوقت
هالة الفنانين
ممثلين وممثلات ومغنين ومغنيات بالخصوص صنعتها وسائل الإعلام وفي مقدمتها الشاشة
الصغيرة، حيث تحتكر المسلسلات والأفلام والمنوعات مساحة كبيرة في البرامج
التلفزيونية، وإذا كانت التلفزيونات تعرض أعمال الفنانين وإنتاجهم، فإننا نلاحظ أن
الجرائد والمجلات تؤدي دورًا لا يقل أهمية في تركيز الأضواء عليهم وصنع مجدهم
وشهرتهم من خلال اللقاءات والتحقيقات الصحفية بمناسبة وبغير مناسبة، ومن خلال
متابعة أخبارهم الكبيرة والصغيرة وحتى التافهة الشيء الذي جعل تلك الأخبار مدار
حديث الناس ومناقشاتهم وحتى خناقاتهم، وصار الكثير منا يعرف عن هذا الممثل أو ذاك
أكثر مما يعرف عن علم من أعلام الدين أو الفكر أو النضال أو السياسة أو العلوم
الصحيحة، بل صرنا نجد من الشباب من يحفظ سيرة هذا الممثل أو ذاك بتفصيلاتها
وتفريعاتها ولا يحفظ سيرة أديب أو عالم يتعرض له منهجه الدراسي!
ولعل هذا ما جعل
البعض يصرح محذرًا: إن ثقافة الجيل يهيمن عليها نجوم التمثيل والكرة، وما علينا
إلا أن نفتح بعض المجلات الفنية وغير الفنية لنتأكد من مبررات هذا التحذير، فلماذا
هذه الهالة التي تنسج حول أولئك الفنانين؟ ولماذا هذا الاهتمام الزائد عن حده بهم؟
والسؤال الأخطر: ما الذي يقدمه هؤلاء الفنانون لمجتمعهم حتى ينالوا كل هذه الشهرة
علاوة على المبالغ الطائلة التي تدهشنا أرقامها؟
الفنانون
قدوة!
كل وسائل
الإعلام تسير على نهج واحد في إبراز الممثلين والممثلات والمغنين والمغنيات، ليس
على أنهم نجوم فقط، بل على أنهم عظماء عصرهم وعبقريات زمانهم جاد علينا بهم الدهر
وعلينا أن نحيطهم بكل رعاية، وأن ندفع من جهدنا وأموالنا من أجل المحافظة عليهم
باعتبارهم ثروة وطنية.. لا تقدر بثمن.. فهم الطبقة الأرقى وهم الصفوة وهم القدوة
ومناظر الشبان والشابات المتهافتين عليهم في الحفلات لحيازة توقيعاتهم لا تفرط في
التقاطها كاميرات المصورين الصحفيين.
وإذا كان هؤلاء
الفنانون على هذه الدرجة من الأهمية، فلماذا لا تفرد لهم صفحات الجرائد والمجلات
وتخصص لهم ساعات بث إذاعي وتلفزيوني طويلة ليعبروا من خلالها عن آرائهم في كل
كبيرة وصغيرة، ويدلوا بدلوهم ليس في شؤون الفن وحسب، بل في شؤون الأمة المختلفة
وشؤون الحياة عامة، وتراهم دائمًا يزينون الكلام ويحرصون على التواضع الكاذب
ويدعون خدمة الجماهير والدفاع عن قضايا الشعب، ومن يسمع عن حفلاتهم التي تصرف
عليها عشرات الآلاف من الدنانير أو الجنيهات وتراق فيها قناني الخمر أنهارًا وتعقد
فيها الصفقات المريبة يدرك كيف يخدم هؤلاء قضايا الجماهير ويعانون معاناته!
نعم، هؤلاء يراد
لهم أن يكونوا قدوتنا وأن يفيدونا بآرائهم «القيمة»!
في السياسة
والحرب والاجتماع وحتى الدين هؤلاء من أمثال سمير صبري الذي يقيم الحفلات الحمراء
حتى الصباح، والمهرج سمير غانم الذي يعترف بأن له حوالي 300 فيلم هايف، وماجدة
الخطيب المتهمة بالتحشيش والقتل، ومن لف لفهم يراد لهم أن يكونوا مثلًا أعلى
لشبابنا تعلق «بوستراتهم» (صورهم الضخمة) في بيوتهم وتطبع على قمصانهم.
سقطت
الأقنعة
رغم الهالة التي
تحدثنا عنها، سقطت الأقنعة من على الكثير من وجوه الفنانين والفنانات، وباتت
مخازيهم وما زالت الأخبار تأتينا من حين لآخر بسقوط قناع جديد، فمنذ أيام ألقت
أجهزة الشرطة القبض على مجموعة من الفنانين المصريين، بعد أن تم ضبطهم يتعاطون
السموم البيضاء (الهيروين) في شقة أحدهم بحي العجوزة، وما زال التحقيق مستمرًا في
الوقائع والاتهامات التي حوتها أجهزة التسجيل للمكالمات الهاتفية للمتهمين التي
تمت بمعرفة النيابة على مدى شهرين كاملين.
وتضم هذه
المجموعة سيد زيان، وعماد عبدالحليم، وأحمد الكحلاوي (صاحب الشقة)، وراقصة مخمورة
تدعى «سالي».
وهذه هي القضية
الثالثة التي تم اكتشافها والتحقيق فيها خلال الفترة الأخيرة في أوساط الفنانين،
كانت الأولى منذ نحو عامين، وقد حكم على بطلتها وهي ممثلة معروفة بالسجن هي
وشقيقها كاتب السيناريو لمدة عام، والقضية الثانية لممثل ناشئ وحكم عليه بالسجن
لمدة عام أيضًا.
وقد شملت
التحقيقات في القضية الحالية عددًا من الفنانين، منهم الممثلة المسرحية سهير
المرشدي، والراقصة نجوى فؤاد، ومن المؤكد أن تكشف التحقيقات عن المزيد والمزيد من
المتورطين في هذه القضية؛ حيث عبرت إحدى الفنانات في تصريحات نشرت بصحف الحكومة عن
استنكارها لهذا السلوك، وتساءلت عن تام بأسماء كثيرين، ولكنهم لا يريدون أخذ
الرؤوس الكبيرة الآن؟! لماذا؟!
وقد أثارت
القضية الأخيرة ردود فعل واسعة النطاق، وتصدرت أخبارها الصحف اليومية واللقاءات
والجلسات الخاصة والعائلية، وبالطبع ليست هذه الظاهرة «إدمان الفنانين للمخدرات»
جديدة على هذا الوسط، ففي الماضي مات سيد درويش نتيجة إدمانه للهيروين، ويتردد أن
كثيرين وكثيرات من الفنانين لا يصعدون خشبة المسرح لأداء أدوارهم أو أغنياتهم إلا
بعد تناولهم للمخدرات، وفي حفل عام حضره رئيس الدولة، ظهرت إحدى الفنانات الشهيرات
وقد بدأت تترنح من جراء تناولها للسموم.
كما طغت قضية
إدمان فاروق الفيشاوي للهيروين على الموضوعات الصحفية فترة من الزمان، وفي الأيام
الأخيرة أيضًا ألقت أجهزة الشرطة القبض على الفنان المسرحي مجدي وهبة، ووجدت معه
ما يشير إلى إمكانية تعاطيه الهيروين.
أسباب
سياسية
ويتردد أن أسباب
القبض على هؤلاء الفنانين سياسية، حيث إن بعضهم يشارك في أعمال مسرحية تحتاج إلى
بعض التلميحات والإسقاطات «السر» في عدم محاكمة «الكبار» والإصرار على محاكمة
«الصغار» وحدهم!
وقالت بكل وضوح:
عمومًا نحن جميعًا نعرف أن المسؤولين على علم السياسية، وأن بعضهم تعرض صراحة
لسلوكيات وزير من الوزراء المشهورين في عالم إلقاء الاتهامات دون دليل وسوء
الألفاظ وانحطاط السلوكيات؛ ما استدعى أن تقوم أجهزة الأمن بالقبض على عدد منهم،
أولًا بهدف شغل الجماهير بهذه القضية فترة من الوقت حتى لا يفكروا فيما هم فيه من
معاناة يومية للحصول على المواد الغذائية والسلع التموينية، وثانيًا: حتى يدرك
هؤلاء الفنانون حدودهم ولا يتعدونها.
الكلام في
المستقبل من سيد زيان، ومجدي وهبة؛ لإعادة الأقنعة من جديد على الوجوه.
لا
بد من الرقابة الصارمة
إن سلوكيات أهل
الفن في بلادنا تحتاج إلى وقفات ووقفات، باعتبار أن تأثيرهم يصل إلى المجتمع ككل،
وبالتالي فلا بد من الرقابة الصارمة ومواجهة الخارجين على العرف والتقاليد -وهم
كثيرون- وعدم التساهل أو التسامح في الجرائم التي يرتكبونها، وأبسط ما نطالب به
الآن في هذه الظروف:
أولًا: محاكمة
كل من يرتكب جريمة من الجرائم الأخلاقية أو الاجتماعية والحزم في مواجهة الخارجين
على الشعور العام.
حاتم ذو الفقار
للصحافة نجده يقول كلامًا ناعمًا ودفاعًا مبررًا وحرصًا على التمسك بالأخلاق
والفضيلة وإظهار التدين ومداراة وتغطية على الحزازات في الوسط الفني، فماجدة
الخطيب تكرر في إحدى المقابلات الصحفية أكثر من مرة «اعتمادها على الله وعلى
القانون» لتبرئة ساحتها وإعادة اعتبارها، وحاتم ذو الفقار يقول: «الجانب الإيماني
راسخ بداخلي إلى أبعد حد»، في إشارة منه إلى أن دخوله السجن كان قضاء وقدرًا!
ويضيف قائلًا:
إن نجاحه هو الذي أثار الأحقاد، ولا نستغرب أن نسمع مثل هذا ثانيًا: شطب كل ممثل
أو مطرب أو فنان يتم الحكم عليه في قضية من القضايا من سجلات النقابات الفنية وعدم
السماح له مرة أخرى بالاشتغال بهذه المهنة، وعليه أن يبحث عن مجال آخر يعمل فيه.
ثالثًا: منع
أعمالهم من الإذاعة والتلفزيون والسينما سواء في مصر أو في سائر الدول العربية
والإسلامية حتى يرتدع غيرهم، ويفكروا مائة مرة قبل أن يقدموا على هذه الموبقات
والمهلكات.
لكن اللافت
للنظر أن تصرفات هؤلاء الفنانين شيء وأقوالهم وتصريحاتهم شيء آخر مخالف تمامًا،
فعندما نقرأ تصريحات ماجدة الخطيب، أو حاتم ذو الفقار والسؤال الذي يتبادر إلى
الأذهان لماذا يعامل هؤلاء الفنانون في مثل هذه القضايا الخطيرة بلطف وسرعان ما
يخرجون من السجن وتخفف عقوباتهم أو تلغى، ولو كان مكانهم أي شخص آخر لنال العقاب
الرادع الذي ينص عليه القانون الجنائي في مثل هذه القضايا، ولماذا تلمع صور هؤلاء
الفنانين المتهمين بسرعة وكأن شيئًا لم يكن؟ أليس هذا مدعاة للريبة والاستغراب؟