; مذكرات اعتماد خورشيد شهادة أخرى على انحرافات الوسط الفني | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات اعتماد خورشيد شهادة أخرى على انحرافات الوسط الفني

الكاتب المهدي المغربي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1988

مشاهدات 84

نشر في العدد 883

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 20-سبتمبر-1988

  • الصحوة الإسلامية تحاصر الحركة الفنية المبنية على أسس فاسدة وقيم مرفوضة.
  • مسلسل فضائح الجنس والمخدرات وجرائم القتل يعري الوسط الفني على حقيقته.
  • ظاهرة توبة الفنانات والفنانين تزعزع الحركة الفنية من الداخل.

مصريون كثيرون ممن اطلعوا على مذكرات اعتماد خورشيد أو بعض منها والتي صدرت أخيرًا كتاب بعنوان: «شاهدة على انحرافات صلاح نصر» يقولون لك لم تأت اعتماد خورشيد بجديد فإن معظم ما ذكرته لا يختلف في كثير أو قليل عما يعرفه الشعب المصري من قبل وحتى ما ساقته من وقائع لم تكن معلومة إنما أتى ليؤكد الفكرة التي يحملها المصريون والعرب عمومًا عن الوسط الفني وعلاقاته المشبوهة ببعض الرجال الأقوياء والأثرياء أو أصحاب النفوذ لا سيما أولئك الذين كانوا يشكلون بطانة الرئيس عبد الناصر قبل النكسة وليرسخ قناعة الناس بفساد هذا الوسط. ويعلق أحدهم على مذكرات اعتماد خورشيد فيقول: ربما يكون الجديد الذي أتت به هو أنها نشرت الغسيل المصري كما لم ينشره أحد، أي بصورة مثيرة ومقززة... 

ولكننا نتساءل ما دامت اعتماد خورشيد لم تأت بجديد هل يكفي تبريرًا للضجة الكبيرة التي أحدثتها مذكراتها الطريفة المثيرة التي قدمتها بها، أم أن هنالك أسبابًا أخرى وراء هذه الضجة التي أقامت الوسط الفني والوسط السياسي في مصر ولم تقعدهما وأن هنالك دوافع أهم وأخطر جعلت القضاء المصري يصادر كتاب اعتماد خورشيد ويمنع تداوله؟

ضجة كبرى وردود عنيفة أثارتها مذكرات اعتماد خورشيد لماذا؟؟

مضت الآن أكثر من أربعة شهور على ظهور مذكرات اعتماد خورشيد ولا زال اللغط كبيرًا والجدال مريرًا حول هذا الكتاب ولا زالت الصحف والمجلات المصرية تطلع علينا حتى الآن بالمقالات الطويلة التي تتضمن الردود العنيفة والانتقادات الحادة لا لكتاب صحافيين فقط بل لشخصيات بارزة في عالم الفن أو عالم السياسة.

فقد نشرت مجلة «روز اليوسف» القاهرية الأسبوعية عدة حلقات حول هذه القضية تحت عنوان «القصة الحقيقية لاعتماد خورشيد» يكتبها الصحافي المعروف عبد الله إمام ليؤكد أن ما تضمنه كتاب اعتماد خورشيد يختلف عما ذكرته أمام المحققين في قضية انحراف المخابرات، وليستنتج في النهاية أن هدف المؤلفة تشويه صورة المخابرات المصرية، في الوقت الذي يتحدث العالم عن دورها في غرس عيونها داخل الكيان الإسرائيلي من خلال قصة «رأفت الهجان».

ولكن الذي انبروا بحماس للرد على اعتماد خورشيد وتكذيبها هم بالخصوص أولئك الذين وردت أسماؤهم في مذكراتها مثل أمين هويدي الذي تولى مسؤولية المخابرات المصرية بعد محاكمة صلاح نصر وعباس رضوان نائب مدير المخابرات حينئذ وبعض الفنانات اللاتي فضحهن كتاب اعتماد خورشيد وفي مقدمتهن سعاد حسني..

بل إن المتتبع لما تكتبه الصحافة المصرية يلفت نظره كثرة المقالات التي تدافع عن النظام المصري أيام عبد الناصر وتبرئ رجالاته دون إشارة واضحة إلى مذكرات اعتماد خورشيد، ولكن هذه الكتابات تكاد تفضح نفسها بنفسها لشدة تأثر كاتبيها بما ورد في تلك المذكرات والرغبة المقنعة لتفنيدها بتلميع صورة المخابرات المصرية والدفاع عن النظام الناصري وإبراز منجزاته، ولم يقف الأمر عند الردود على أعمدة الجرائد والمجلات بل قدمت بلاغات إلى النيابة العامة ورفعت قضايا إلى المحاكم كتلك التي رفعها المهندس حسب الله الكفراوي وزير الإسكان والتعمير الذي اتهم مؤلفة الكتاب بخدش الحياء العام والمساس بالآداب العامة.

من الذي يقود الحملة ضد مذكرات اعتماد خورشيد؟

أول ما نلاحظه أن أهم ردود الفعل التي أثارها كتاب اعتماد خورشيد تركزت في الأوساط الثقافية والسياسية على ما أكدته المؤلفة من أنها تزوجت مدير المخابرات المصرية الأسبق صلاح نصر رغم إرادتها في الوقت الذي كانت متزوجة بآخر وحامل منه، إضافة إلى ما قالته عن مقابلتها للرئيس جمال عبد الناصر لمدة ست ساعات في منزله لإقناعها بالإدلاء بشهادتها ضد صلاح نصر في قضية التآمر عليه التي دبّرها عبد الحكيم عامر. 

أما بالنسبة لعامة الناس فقد تركز اهتمامهم على تعفن الوسط الفني وعلى معرفة الفنانات اللاتي أدخلن في الشبكة التي أقامها صلاح نصر، وقد أشارت المؤلفة إلى أسمائهن بالأحرف الأولى كما اهتم عامة الناس بما سمي «ليالي السمو الروحي» التي كان صلاح نصر يعقدها في إحدى الفيلات الخاصة بالمخابرات على طريق المريوطية في الهرم والتي كانت سهرات مريبة للفنانات المذكورات ولغيرهن من الفتيات تمارس خلالها كل أنواع الرذائل والفسق والفجور وفقًا لما أكدته الشاهدة على انحرافات صلاح نصر.

وإذا عرفنا أن هذه هي أهم القضايا التي أثارها كتاب اعتماد خورشيد فإننا نفهم لماذا كان وراء الحملة عليه ثلاث فئات:

الفئة الأولى: الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في المذكرات أو فضحتهم هذه المذكرات أو تمسهم هذه المذكرات مباشرة من سياسيين وصحافيين وغيرهم كابن صلاح نصر المهندس محمد نجيب صلاح نصر وعثمان أحمد عثمان الممول لعمليات صلاح نصر وعباس رضوان نائب مدير المخابرات حينئذ والفنانة سعاد حسني وغيرهم. 

الفئة الثانية هي فئة لا يعنيها الأشخاص إلا بقدر ما يمس الحركة الفنية بسببهم فهؤلاء لا تعنيهم سمعة صلاح نصر ولا سمعة الوزير الفلاني أو الشخصية الفلانية ولا سمعة اعتماد خورشيد ولا حتى سمعة عبد الناصر، إن كل ما يعنيهم أن يبقى بناء الحركة الفنية شامخًا وفق الأسس التي وضعوها والتنظير الذي نظروه لها. وأن لا يأتي ما يعرقل مسيرة هذه الحركة الفنية أو يعصف بها ويهدد كيانها ذلك أن هذه الحركة بدأت قبل عبد الناصر بل يعود تاريخها إلى عهد محمد علي وقد أرسيت دعائمها وفق معايير غربية تصطدم مع مبادئنا الإسلامية وقد بارك الغرب هذه الحركة منذ نشأتها لأنها تنشر ثقافته وقيمه التي لا تلتقي مع ثقافتنا وقيمنا، ولذلك نجد أن الحركة الفنية المصرية والعربية عمومًا قامت على أيدي نسبة كبيرة من اليهود والمسيحيين والماسونيين أمثال توجو مزراحي وراقية إبراهيم وليلى مراد وشقيقها منير مراد وعمر الشريف «اليهودي» وألفريد حداد وماري منيب ونجيب الريحاني وجورج أبيض وهنري بركات ورمسيس نجيب ونادية لطفي وغيرهم من المسيحيين، ثم دخل المجال الفني أبناء المسلمين من بنين وبنات ليواصلوا المسيرة ويتقدم بها، والملاحظ أن الفساد وأجواء الموبقات كان ملازمًا للحركة الفنية بل ربما كان هدفًا من أهدافها لتركيع المجتمعات الإسلامية وطمس قيمها وإحلال القيم الغربية بما فيها من تفسيخ وتحلل بدلها. إذن هذه الفئة الثانية هي حريصة كل الحرص على ما شيد وبني طوال عشرات السنين وهي خائفة من أن تتداعى أحجار ما بنته فتذهب تلك الجهود للرواد ولمن تبعهم سدى.

الفئة الثالثة: هي فئة الناصريين الذين يدافعون عن نظام عبد الناصر ويرون في مذكرات اعتماد خورشيد إدانة للعهد الناصري والمخابرات المصرية، ورغم أن اعتماد خورشيد قد تحدثت عن عبد الناصر بإعجاب وحرصت على الفصل بينه وبين بطانته وعلى رأسهم عبد الحكيم عامر وصلاح نصر وألقت مسؤولية الكوارث التي حلت بمصر في عهده على تلك البطانة فإن ذلك لم يكفي الناصريين ولم يمنعهم من مهاجمة هذه المذكرات فطفقوا يبرزون إيجابيات المخابرات المصرية والتي قامت بأدوار هامة للمحافظة على أمن مصر ويلمعون صورتها في نظر الرأي العام بعد ما كثرت سهام الاتهام الموجهة نحوها على أثر نكسة يونيو 1967م، وقد ركز هؤلاء على قضية رأفت الهجان الجاسوس الذي استطاعت المخابرات المصرية أن تزرعه في قلب الكيان الصهيوني وتحصل من خلاله على معلومات مهمَّة جِدًّا واعتبر ذلك انتصارًا واقتدارًا عظيمين للمخابرات المصرية، وهذه الفئة الناصرية تتساءل اليوم في تشكيك، لماذا ظهرت اليوم وبعد قضية رأفت الهجان بالخصوص هذه المذكرات المسيئة للمخابرات المصرية؟ موحية بذلك أن وراءها أهدافًا مشبوهة.

الحركة الفتية المتأزمة هل ينقصها كتاب اعتماد خورشيد؟

قد لا نتفق مع البعض القائل بأن مذكرات اعتماد خورشيد لم تأت بجديد، وذلك لأننا نعتبر أن هذه المذكرات قد هوت بأعمدة أخرى من أعمدة الفن من خلال الفضائح التي نشرتها ومن خلال قولها بالخصوص إن أربع فنانات فقط أفلتن من حبائل الشيطان «صلاح نصر» وهن فاتن حمامة وشادية ولبنى عبد العزيز والمذيعة ليلى رستم، وهذا يعني أن كل من تبقى في ذلك الوقت قد غاصوا في المستنقع الآسن؛ مما يؤكد أن الوسط الفني هو وسط موبوء قديمًا وحديثًا، ولكننا نتساءل هل نحن بحاجة إلى فضائح أخرى قديمة للتدليل على أن انحرافات الفنانين والفنانات والفضائح الجديدة تزكم الأنوف وتعري هذا الوسط على حقيقته. إن الحركة الفنية تعيش حقًّا أزمة متفاقمة وها هو كتاب اعتماد خورشيد يأتي ليضاف إلى ملف هذه الأزمة التي تجلت بالخصوص في المظاهر التالية:

1 - انفضاح الوسط الفني واكتشاف سيرة بعض الفنانين الكبار سواء من القدامى أو الجدد أمثال شكوكو وإسماعيل ياسين ونجوى فؤاد وأمثال ماجدة الخطيب وفاروق الفيشاوي وحاتم ذو الفقار والمجال يضيق عن ذكر كل الأسماء، وقد ترسخ في أذهان الناس في الآونة الأخيرة أن الفساد مستشر ومتغلغل في كل الوسط الفني بصورة رهيبة فيكاد يكون كل الفنانين قد مروا على محكمة الآداب في قضايا أخلاقية حتى لو أطلق سراحهم ولم يدانوا مثل يحيى الفخراني وسمية الألفي وعدوية وغيرهم، ورغم أن بعض ملفات الفنانين والفنانات تحفظ ويمنع الوصول إليها إلا أنه قد ظهرت في الآونة الأخيرة الكثير من قضايا الفجور والدعارة وتعاطي المخدرات والاتجار فيها وإعداد المصنفات الفنية المخلة بالأخلاق وتصوير أفلام الجنس الفاضحة وهنا تتردد أسماء فنانات كثيرات مثل زوزو شكيب وشريفة فاضل وزيزي البدراوي وماجدة الخطيب وقد تمكنت نيابة الآداب في أبريل الماضي من القبض على كل من روعة الكاتب وعزة جمال ضمن شبكة واسعة للدعارة وأعمال الفجور، أما بالنسبة للرجال فإنه إذا جرم فاروق الفيشاوي وحاتم ذو الفقار وثبتت عليهما تهمة الإدمان على المخدرات والاتجار فيها وأدخلوا السجن فإن فنانين آخرين اتهموا بنفس التهمة وكادوا أن يلقوا نفس المصير كعادل إمام وسعيد صالح وسناء شافع وسعيد عبد الغني.

وليست هذه القضايا وحدها هي التي ألقت بظلالها الداكنة على الوسط الفني وأحدثت في بنائه شروخًا هائلة بل هناك قضايا أشد خطورة منها ونعني بها جرائم القتل، ونذكر من ذلك بالخصوص جريمة قتل الفنانة المغربية الناشئة سميرة مليان والتي وجدت جثتها عارية في حديقة فيلا بليغ حمدي، وجريمة قتل شيخ المخرجين السينمائيين المصريين نيازي مصطفى والذي وجد مقتولًا خنقًا في غرفته، وقد حققت المباحث بعلاقته بالفتيات الصغيرات للبحث عن خيط يوصل للقاتل لا سيما بعد أن وجدت في مذكراته أنه كان يعيش علاقة حب مع ممثلة ناشئة يكبرها بحوالي خمسين سنة.

2 - هجوم التيار الديني على الوسط الفني: 

إذ كل ما ذكرناه سابقًا من فضائح وجرائم كان لا بد من أن يحرك رجال الدين ويدفع التيار الديني لاقتلاع جذور هذا الفساد أو الحد منه على الأقل في المرحلة الراهنة، وهكذا رأينا هجمة التيار الديني تشتد على هذا الوسط كلما ظهرت فضيحة جديدة، ونظرًا لوجود جماعات دينية مختلفة فقد تراوحت هذه الهجمة بين التوعية والتذكير والتحذير وبين استعمال العنف أحيانًا؛ ولذلك رأينا عادل إمام يذهب إلى الصعيد وسط آلاف الحراس ليقوم بدوره في مسرحية «الواد سيد الشغال».

3 - توبة الفنانين: أفرز الواقع الفني المر ظاهرة التوبة بين الفنانات والفنانين مما عمّق الأزمة وجعل أنصار الحركة الفنية يدقون نواقيس الخطر. 

إن أكبر مشكلة يواجهها أنصار الحركة الفنية هي الصحوة الإسلامية وانتشار الوعي الإسلامي في المجتمع ككل؛ لأن هذه الحركة ليست منفصلة عن المجتمع وفي صفوف الفنانين والفنانات، ويعتبر هؤلاء الأنصار أن الصحوة تشكل أكبر خطر على الحركة الفنية لأن هذه الحركة مقامة أساسًا على مجافاة القيم الإسلامية، بل والسخرية منها والتي تبرز من حين لآخر في الصورة الكاريكاتورية والتي تبعث على الاستهزاء برجال الدين. 

لذلك لما بدأت تتوالى توبة الفنانين والفنانات واعتزالهم للفن قال البعض إن هذه بداية النهاية وبدأ التحرك لتعطيل ظاهرة التوبة فأغريت شادية بالمال للرجوع إلى المسرح وعرض عليها مبلغ مالي ضخم للقيام بدور تمثيلي من جديد ولكنها رفضت فأشاعوا حولها الإشاعات مثل إشاعة موتها، كما أشاعوا بعد ذلك أن شمس البارودي قد رجعت عن توبتها وعندما لم تنفع هذه الشائعات لجأوا إلى التهديد والابتزاز فهددوا بإذاعة ونشر المصنفات السابقة للتائبات وبالخصوص أفلام شمس البارودي.

ومع ذلك تواصلت موجة التوبة وانضم عدد آخر من الفنانين والفنانات للتائبين مثل هناء ثروت وزوجها الممثل الشاب محمد العربي وميرفت الجندي ومحمود التوني، وهناك قائمة طويلة تسعى هي الأخرى إلى الخروج من دائرة الرجس الفني إلى قافلة التائبين ومنهم مجدي وهبة وزهرة العلا ومديحة يسري وحسني عابدين والمخرج عبد الغني زكي، وتعتبر هذه الظاهرة من أخطر الظواهر التي تهدد باقتلاع ما زرعته الحركة الفنية في العقل والشعور العربي.

ما الحركة الفنية التي نريدها؟

إن من ناقلة القول إن الدين لا يتعارض مع الفن والإبداع ولا يحرم الفنون الجميلة شريطة أن تلتزم هذه الفنون بالقيم الإسلامية والعادات والأسس الأخلاقية، وأن تراعى فيه الغايات السامية لمجتمعنا وأهدافنا ومصالحنا العليا. إن ما يحرمه الدين هو التحلل والتفسخ والخروج عن قواعد الآداب باسم الفن. إن ما يحرمه الدين هو إحلال قيم غريبة محل قيمنا وعاداتنا باسم التقدم الفني؛ فهل يستطيع أنصار الفن أن يطوروا الحركة الفنية وأن يغيروا اتجاهها لإنقاذها والخروج بها من أزمتها الحالية؟

الرابط المختصر :