العنوان آفة المتدينين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1993
مشاهدات 17
نشر في العدد 1051
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 25-مايو-1993
آفة
المتدينين
بقلم: عبد الله بن علي بصفر
إمام وخطيب جامع الشعيبي
جدة - السعودية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين. قد
يكون من العجيب جدًا أن يخرج الإنسان من الظلمات ليعود إلى الظلمات مرة أخرى مع
أنه كان من الطبيعي أن يخرج من الظلمات إلى النور ومن العذاب إلى الرحمة ومن
المعصية إلى الطاعة.
فنحن نرى أناسًا كثيرين أصبحوا في حال لا يحسدون عليها من المعصية لله
تعالى والمجاهرة بالذنوب، ولكن رحمة الله تنتشلهم من الظلمات إلى النور. إذًا فهي
نعمة كبيرة تستحق من الإنسان الشكر الدائم حتى الموت والصبر على الطاعة وعن
المعصية حتى لقاء المولى جل وعلا.
ولكن ما الذي يحدث وما الذي يجعل بعض الناس يخرجون من الظلمات ليعودوا
فيها ومن المعاصي ليقعوا فيها ومن الذنوب ليعيثوا فيها.
إن الذي أقصده من هذا هو أن الكثير من المتدينين المتمسكين بسنة رسوله
الأمين يغتاب بعضهم بعضًا، والأدهى والأمر من ذلك أن يغتابوا علماء المسلمين
وأولياء الله الذين قال الله تعالى عنهم في الحديث القدسي: "من آذى لي وليًا
فقد بارزته بالمحاربة". وهذا هو القرآن الكريم يخبرنا عن أذية المؤمنين،
فيقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا
وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 58).
نعم أيها الإخوة الكرام الأحبة إنه إثم مبين واضح لكل صاحب قلب مبصر ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى
الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 46). فإذا قال قائل: فما هي
الغيبة وما حدها؟ فنجيبه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكفل بالإجابة على هذا
السؤال حتى لا يكون هناك عذر لأحد من الناس حيث قال - صلى الله عليه وسلم - من
حديث أبي هريرة - رضى الله عنه -: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم،
قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما
تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته". فهو على كل حال آثم سواء
كانت الصفة التي ذكرها في غيابه من سجاياه أم لا. وهذا الحديث لم يترك مخرجًا لأحد
من الناس فيتطاول عليهم في غيابهم بحجة الإصلاح والإرشاد.
وهناك حديث آخر يبين لنا كيف نتعرف على الغيبة فلنستمع ولنَعِ ولنطبق
بعد ذلك. قال - عليه الصلاة والسلام -: "ما كرهت أن تواجه به أخاك فهو
غيبة". ما أدق هذا التعبير وما أروعه! فإنك أخي المسلم لو وزنت الكلمة التي
قلتها في عرض أخيك المسلم فرأيت أنك لن تستطيع ذكرها أمامه فإن هذه هي الغيبة
بعينها. وبالغ العلماء رحمهم الله في حد الغيبة حتى قالوا: (الغيبة هي أن تذكر
أخاك المسلم بما يكرهه لو بلغه، سواء ذكرته بنقص في بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله
أو في دينه أو دنياه حتى في ثوبه ودابته، وكذلك التعريض مثل التصريح والإشارة
والإيماء والغمز بالعين والكتابة ومثل ذلك المحاكاة والتمثيل). عافانا الله من كل
ذلك.
ثم ها هو عليه الصلاة والسلام يحذر كافة المسلمين والمنافقين
والمرائين ويوبخهم أعنف توبيخ فيقول - صلى الله عليه وسلم -: "يا معشر من
أسلم بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تذموا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن
من يطلب عورة أخيه المسلم هتك الله ستره وأبدى عورته ولو كان في ستر بيته".
فلا يدعي مدعٍ بعد ذلك المحافظة على الصيام والزكاة والحج ثم هو يغتاب عباد الله
خاصة الصالحين منهم، وحقيقة الصلاح لا يعلمها إلا الله تعالى. وقال بعضهم: أدركنا
السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة ولكن في الكف عن أعراض الناس.
رحم الله أقوامًا فهموا الإسلام حق الفهم، وهدى الله أقوامًا لم يفهموا من الإسلام
إلا القشور بل لم يريدوا أن يفهموا من الإسلام إلا ذلك.
وأوجه صرختي هذه إلى كافة المتدينين الذين أرادوا طريق رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - طريقًا لهم، أصيح فيهم: أن اتركوا غيبة إخوانكم من العلماء
والصالحين والمتدينين كائنًا من كانوا ما لم يجاهروا بكفر فإن الله تعالي أعلم
بحالهم وحالكم. واحذرهم ذهاب الإيمان عند الاحتضار وخسارة الدنيا والآخرة. كيف
يكون ذلك بعد المحافظة على الصلاة جماعة في المسجد وبعد صيام رمضان والنوافل؟ وبعد
كل ذلك تذهب الأعمال سدى. نعم كل ذلك بجوار غيبة المؤمنين والوقوع في أعراضهم هلاك
وأي هلاك وخسران وأي خسران. والسبب في ذلك أن لحوم العلماء والصالحين والمتدينين
الصادقين عمومًا مسمومة، فإذا كانت الغيبة هي أكل لحم أخيك المسلم، فكيف تكون
نتيجة من يأكل لحم أخيه المسلم إذا كان مسمومًا!!!
استمع أخي المسلم إلى نصيحة عالم عارف بالله تعالى وهو يحذرني ويحذرك:
قال الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر - رحمه الله تعالى -:
"اعلم يا أخي - وفقنا الله وإياكم لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته
- أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة وأن من أطلق
لسانه في العلماء بالسلب ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب، فليحذر الذين
يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم".
كل ذلك حتى تبتعد عن الغيبة التي تزعم أنها نصحًا، ولو كانت نصيحة
لكانت في السر لا على رؤوس الملأ، وحتى تبتعد كذلك عن تخطئة العلماء وتجريحهم
والتنقيص من قدرهم وعلمهم بغير برهان من الله، وكذلك إخوانك المتدينين المحافظين
على دينهم وصلاتهم هم داخلون في ذلك كله.
ثم اعلم أخي المسلم رحمني الله وإياك أن من تدبر في نفسه فإنه لا شك
سوف يجد فيها عيوبًا، فهل من العقل أن يشتغل بعيوب غيره وينسى عيوب نفسه؟ وهل من
الدين أن تصلح غيرك وتنسى داء نفسك؟
يقول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -: "طوبى لمن شغله عيبه
عن عيوب الناس". ويقول الحسن البصري - رحمه الله تعالى -: "إذا رأيت
الرجل يشتغل بعيوب غيره ويترك عيوب نفسه فاعلم أنه قد مكر به". فلنتق الله
أيها الإخوة الصالحون ولنحافظ على أخوتنا التي ضيعها أعداؤنا ونضيعها نحن بغيبتنا
لبعضنا البعض وليكن قولنا دائمًا كما قال مولانا جل وعلا: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ
بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (النور: 12) و ﴿وَلَوْلَا
إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا
سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: 16).
الغيبة والنميمة وما يتعلق بهما من أحكام
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل