; متى يجب الصمت؟ ومتى لا يجب؟ | مجلة المجتمع

العنوان متى يجب الصمت؟ ومتى لا يجب؟

الكاتب سليمان محمد سليمان

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1975

مشاهدات 105

نشر في العدد 249

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 13-مايو-1975

رأيت في هذا الوقت وفي الظروف الراهنة بالذات، أن أتطرق إلى هذا الموضوع؛ ألا وهو الصمت.

لا شك أن الموضوع بحد ذاته جميل، وله آفاق عديدة يستطيع المرء التحليق في أجوائها دون كلل.

ولا شك أن الصمت هو إمساك اللسان عن الكلام، فاللسان هو مقود الإنسان، وإن مضغتين في الجسد إن صلحتا صلح سائر الجسد، وإن فسدتا فسد سائر الجسد، هما القلب واللسان. 

وصون اللسان إما بتحريكه في خواص الخير، أو بالصمت، ولنا في قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خير معين ودليل: «رحم الله امرأ قال فغنم، أو سكت فسلم».

ولكن لا يكون الصمت في كل الأحوال محمودًا؛ فالمحارم تستباح في كل مكان، والمظالم منتشرة، والظالمون قد أمضوا أسلحتهم، وفتكوا بالأبرياء ويفتكون، والأرواح تزهق، والدم يملأ جوانب الحياة، فيصبغها بلون قاتم حزین، ودين الله -يا أخي- يستباح، وبكل قسوة وبكل نذالة ولؤم، ليس من أعدائه، بل أهله هم البلاء الأكبر، هم المعول الذي يهدم، ويهدم دون رحمة يا أخي..

ونضرة الحياة تخفق كالرايات في سماء بلد، والأطفال يمرحون بكل سعادة وبراءة، والسعادة، نعم.. السعادة يراها الجميع، على الجميع من أهل ذاك البلد، والمئذنة الكبيرة التي تعلن الحرية والشموخ للإنسان كل يوم، وخمس مرات كل يوم. 

ويأتي البغاة، القساة القلوب، ليسودوا وجه الحياة الجميل، ويحصدوا الأطفال كما يحصد المزارع القمح من حقله، ويقصموا ظهور الشيوخ، فتختفي البسمات البريئة، وتلك المئذنة -يا أخي- دنسوا طهرها، ألبسوها الذل والألم والحسرة، أجل، فإنها تحرض الإنسان على الحرية، على ألا يركع إلا لخالقه.. ونأتي ونقابل كل هذا بصمت مطبق!! لكن لماذا الصمت؟ أليس الصمت هنا أداة للتحطيم؟ أيحق للمسلم أن يصمت وديار للإسلام هناك منتهكة، مداسة، يغزوها عدو، ومسلم في مكان في الأرض يقتل، ومسلم في مكان تنتهك حريته فلا يرفع رأسه، ومسلم -يا أخي- ينطق بالحق فيكون الإحراق بالنار نصيبه، وفي الساحات العامة، وأمام شهود يرون ما يحدث؟!

أنقابل كل هذا بصمت؟ ألم يقل لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا»؟ ويقول لنا أيضًا: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه كما يحب لنفسه»، ولنستمع أيضًا إليه حين يقول: «ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا».

وإن استباحة شبر أرض يملكها مسلم في أقصى الشرق تعتبر ذلًّا لكل مسلم في الشرق والغرب على السواء، ألم يقل لنا رب العزة في كتابه العزيز: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (الحجرات: 10)؟ أيحق لنا أن نصمت بعد كل هذا؟!

تستباح المحارم في الشوارع، وتداس الأخلاق والقيم، وتلقى على جانب من الطريق، ونرى هذا بعيون مفتوحة، وقلوب وألسنة مربوطة بحبال الصمت؟! أيجوز هذا؟! ألم يقل لنا رسول الله عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»؟ ألم يقل الرسول أيضًا في حديث شريف آخر: «إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»؟ أین الصمت من هذه العظمة؟ أين هو من هذا الشموخ؟

من هذا نرى أن للصمت نوعين: منه ما يكون حلوًا، ومنه ما يكون كالعلقم، فهناك من يروج للمبدأ القائل: «بالصمت نحقق السلامة والسعادة»، فهل السعادة في الصمت حقيقة؟ ولكن من أين لنا أن نحصل على السعادة يا ترى؟ وكيف السبيل إليها؟

يخيل للقارئ بالنسبة لهذه النقطة أنني سأقف عند التساؤل دون أن أعطي أو أشير إلى طريق السعادة، ولربما يتخيل أيضًا أنني وجدت السعادة في الصمت.

صحيح أن السعادة ليست حوضًا يرده من هب ودب، إنها نبع صاف في مكان عال، تنبعث المياه منه منطلقة نحو الحياة، بعد أن ملت الانحباس في جوف الأرض، لتجري في مسلك جميل، وتستقر في جدول صغير، تنبت على جانبيه أزهار تملأ برائحتها جو المكان، جدول ماؤه رقراق، والحصى الذي غطاه الماء ذو لون أبيض جميل، فيا لعذوبة ذلك المنظر، ويا لدفء المكان، ويا لشذا بهيج قد ملأ المكان، ويا لخرير منتظم، وتناسق الإيقاعات، تحس به کل أذن تعرف الجمال!

السعادة -يا أخي- ليست بالأمر السهل المنال، ولكنها ليست مستحيلة، لا تمتنع السعادة على الإنسان الذي يضرب بيديه بقوة ليحققها، ليست ممتنعة على إنسان يدب بقوة على الأرض بأقدام قوية، وبخطى صلبة راسخة لا تعرف التراجع، وهي تسعى في الأرض بصدق وإخلاص، ألم يقل لنا رب العالمين في قرآنه الكريم: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا (الملك: 15)؟ لن تهرب السعادة من إنسان عرف نفسه، فألزمها حدودها وعرف سبب وجوده على ظهر الحياة، فحقق الهدف من ذلك الوجود، لن يعرف السعادة إلا قلب مؤمن، ذاق حلاوة الإيمان، وهل يذوق الإنسان حلاوته إلا بعد سير في دروب الحياة بنية صادقة نحو الله؟ وبعد أن يعرف ذلك الإنسان الطريق.. بعد أن يدخل في الطريق بخطوة، فيتبعها خطوات، وخطوات، وكم هي لذيذة هذه الخطوات يا أخي، كم عذبة على الأذن والقلب واللسان والعقل والبدن.

فالسعادة -يا أخي- قد لا تأتي بالصمت، وهل خلق الإنسان كي یلوي بعنان نفسه، ويلوذ بالصمت؟

تأتي السعادة بالعمل الخير الخلاق، الذي يشعر الإنسان بعده أنه صنع الابتسامة على الأفواه الطيبة، وهل هناك في المخلوقات من هو أكثر سعادة من النحلة، نراها تحلق بأجنحتها الشهباء محدثة ذلك الصوت الحنون الجميل، فتنتقل من زهرة إلى زهرة، تأتي وتحط على الزهرة وتكلمها، وتحدثها بحديث جميل، وكأنها تقرئها السلام، فتفتح الزهرة أذرعها برفق، وبحنان، تنفرج أوراقها بكل ترحاب لتعطي النحلة أجمل وأعذب ما يملك، وبعد تلك العملية المتكررة من العمل الخلاق، والسعي المتواصل تصنع النحلة العسل، وتصبه في أقراص أعدتها لهذا الشأن، ويأكله الإنسان هنيئًا مريئًا!

ولكن أليس من الظلم أن تحقق النحلة هذا القدر العظيم من السعادة بعملها الجاد والمخلص، وبسعيها الحثيث نحو مواصلة الحياة على الأرض، أليس من الظلم أن تحقق النحلة كل هذا دون أن نعتبر؟ دون أن نأخذ منها درسًا في هذا الشأن؟

وأنت أيها الإنسان، ألم يخلقك الله خليفة على الأرض، لنشر الخير والعطاء، لتسعى، لتعمل، لتعبد الله في أرضه، لتدعو النفوس التائهة إلى الله، لتستقيم الأمور، لتنتشر القيم والمثل العليا، لتمسح عن الوجوه دمعة، لتجف الدموع من المآقي، وتتلألأ حبات العيون بنور الأمل والحب، وتنفرج الشفاه بابتسامة، ويخفق القلب، وتجري دماء السعادة في الوجوه، وفي العيون ترتسم صور، صور بديعة؛ للحياة، للأمل المنشود، للسعادة النابعة، للسعادة المهداة، من قلب مؤمن، للوجود، كل الوجود؟!

الرابط المختصر :