; جون كين يدرس تطرف العلمانيين وتهديد الحرية الدينية بحجة الدفاع عنها (1 من 2) .. هل أصبحت العلمانية مذهبًا قمعيًا جديدًا؟ | مجلة المجتمع

العنوان جون كين يدرس تطرف العلمانيين وتهديد الحرية الدينية بحجة الدفاع عنها (1 من 2) .. هل أصبحت العلمانية مذهبًا قمعيًا جديدًا؟

الكاتب إبراهيم درويش

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1998

مشاهدات 83

نشر في العدد 1297

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 28-أبريل-1998

■ النموذج الديمقراطي للعلمانية يهدد التفكير الجمعي الحر للديمقراطية لأن «الشكل» في العلمانية يُنظر إليه من خلال منظور «القداسة»

■ تعريف بالباحث:

جون كين، يعمل محاضرًا للعلوم السياسية ومديرًا لمركز دراسات الديمقراطية في جامعة ويستمنتسر في لندن، وتلقى تعليمه في جامعات: إديليد، وتورنتو، وكامبريدج، وعمل كأستاذ زائر في الجامعة الأوربية في فلورنسا الإيطالية، ومحاضرًا زائرًا في جامعة أوربا الوسطى في براغ عام 1991م، وانتخب عام 1992م زميلًا في الجمعية الملكية البريطانية للفنون، وألف عددًا من الكتب والدراسات منها: «الحياة العامة والرأسمالية الأخيرة» عام 1984م، و «الديمقراطية والمجتمع المدني» عام 1988م، و«الإعلام والديمقراطية» عام 1991م، و«السيرة الذاتية لتوماس بين» عام 1994م.

يحاول البروفيسور جون كين من جامعة ويستمنستر الإجابة عن مجموعة من التهديدات التي تفرضها العلمانية على الحرية الدينية والمجتمع المدني، ففي مقال كتبه الباحث البريطاني في ملحق لصحيفة «التايمز» اللندنية بعنوان «قصور العلمانية: هل تفرض عملية تهميش الدين ظلمًا جديدًا؟» حاول كين الإجابة عن مجموعة من هذه التهديدات التي يفرضها القانون أو النظام العلماني على الدين والمجتمع.

وقدم كين في مقاربته عددًا من الأسس التاريخية لنشوء «العلمانية» وتطور المصطلح الذي بدأ في سياقات العالم الديني ونجح منذ القرن التاسع عشر حتى الآن في تهميش الدين واستبعاده من الحياة العامة، كما يقدم كين منظورًا للفهم الإسلامي للمصطلح، وعجز المصطلح العربي للتعبير عن سياقاته، والتحيز الموروث الذي يحمل مفاهيم وانطباعات مزدوجة ضد الإسلام، تمزج أحيانًا بين الرومانسي والجشع والحس الاستعماري، لأن العلمانية نفسها أنتجت حكومات مطلقة، وانتهاكات لحقوق الإنسان والحريات المدنية، كما يحلل كين في نهاية مقاربته عددًا من الإشكاليات والتغييرات الحادثة الآن والناتجة عن عودة مفهوم «المقدس» إلى التسيُّد العام، ومحاولات بعض المفكرين رصد هذه الاتجاهات والبحث عن نماذج تعمل على ردم الهوة بين مجتمع المؤمنين الذين حصرهم القانون العلماني في الفضاء الخاص وبين مجتمع غير المؤمنين الذين يفترض فيهم النظام العلماني مجالًا لتحديد الاتجاهات وأبعاد المشروع القائم.

وتنبع أهمية مقاربة كين من اعترافها بوجود «تطرف علماني»، وبكون العلمانية تحتوي على إطار من العنف المنظم أحيانًا ولا سيما أن تساؤلاته في الجزء الأخير من مقاربته تحمل إطارًا من فقدان الأمل في القانون العلماني، وتدعو أو تتساءل عن الكيفية التي يتم بها البحث عن نموذج بديل يعزز العدل للمظلومين ويحل محل «المبادئ العالمية» التي ارتبطت في غالب الأحيان بالمفهوم العلماني الذي فقد مصداقيته.

ويطرح كين في بداية المقاربة تساؤلًا صريحًا بالقول إن المثال الديمقراطي للعلمانية ما هو إلا «دوغما» تهدد التفكير الجمعي الحر للديمقراطية كما نجربها الآن، وواحدة من الإجابات عن هذا الوضع هو أن الشكل في العلمانية قد تنظر إليه من خلال حقيقة ومنظور «القداسة».

فالبحث المعاصر عن المعاني الشخصية والتحرر -كما يجادل العلمانيون- احتل موقع الدين وأصبح ما أطلق عليه توماس لوكمان «دينًا خفيًّا غير مرئي» يشير إلى التعبير عن الذات والتعرف على الذات.

ويرى كين أن القانون العلماني الذي أقام صرحه على التخلص من تأثيرات النموذج الديني القديم تعرض لمجموعة من التحديات التي تعود في جذورها الثقافية النخبوية إلى زمن بعيد، فأي دراسة نسبية لهذه الجذور التي بقيت غير مكتوبة توضح بشكل عميق أن الاعتقاد الذي تبنته العلمانية والذي يقول إن العالم الحديث يقوم بشكل لا يمكن التراجع عنه على تدمير أساساته الدينية ما هو إلا طفل أوربا الذي ولد في منتصف القرن التاسع عشر.

ويعترف كين أيضًا بأن المفهوم العلماني الذي ظل أمرًا لصيقًا بأوربا وحضارتها ظهر في التاريخ القديم، ويمكن إعادته إلى الزمن الذي قرر فيه الإمبراطور قسطنطين (274 – 337 م) إمبراطور القسطنطينية تبني النصرانية كدين رسمي للإمبراطورية الرومانية، ما يجعل العلاقة بين السلطتين الروحية والوقتية «العلمانية، أمرًا جدليًا، ويمكن إعادة هذه العلاقة الجدلية بشكل نسبي وتاريخي إلى القرن الثالث عشر، وهو الزمن الذي استخدمت فيه «صفة» علماني لأول مرة في اللغة الإنجليزية للتفريق بين رجال الكنيسة الذين يعملون ويعيشون في عالم وسيطي كبير ورجال الدين الكنسي الذين كانوا يعيشون في عزلة الرهبانيات.

وتقدم كتابات ويليام أوف أوكام (1285 – 1349م) وجون ويكليف (1329 – 1384م) بعد قرن من ذلك «في القرن الرابع عشر» حسًا ووعيًا بكلمة «العلمانية» التي استخدمت لتفريق مؤسسات مهتمة بما هو مدني عادي «وقتي» عن المؤسسات الأخرى المهتمة بشكل واضح بالديني الروحي، ومن خلال هذا الإحساس تمت الإشارة إلى «السلاح العلماني» للقوة المدنية التي تبنتها الكنيسة لمعاقبة المتهمين أو المعتدين على الحقوق والواجبات الدينية، وبنفس المستوى الإشارة لرمز «رئيس دير علماني» الذي كان يشير إلى الشخص المنتفع من لقب رئيس دير ويتمتع بحقوق من مدخولات الدير المادية دون ممارسة دور ديني، ولم يكن له حق التمتع بالوظيفة التي يقوم بها الراهب.

وخلال القرن السادس عشر بدأت المعاني والنسب والأوصاف السلبية التي ارتبطت بلقب العلماني تضعف شيئًا فشيئًا، فالأشياء التي كانت تشير إلى التسيد الوقتي للشيء الدنيوي وكونها لا ترتبط بالدين وقانونه بعلاقة أو ترتبط بالعالم غير السماوي وغير الديني أو غير المقدس بدأت تضعف كذلك، وأخذ مصطلح «علماني» يفقد معناه المتصل «بالتجديف» لصالح العلمنة التي جاءت من الفعل الفرنسي (Seculariser) أي أن تجعل الأمر علمانيًّا وأن تحول شيئًا أو شخصًا من السماوي إلى الاستخدام المدني أو التملك المدني.

وصحيح أن العلمانية المعاصرة ليست على حافة الانهيار تحت ثقل تناقضاتها، لأنها ربت حسًا مشتركًا بين المواطنين وممثليهم بأن التعصب ودموية الصراع على السلطة القائم على الاختلاف الديني صار بشكل أساسي أمرًا يمت إلى الماضي، ولكن بالرغم من هذا النجاح المهم فإن المثال العلماني ومؤسساته ظلا ينتجان سلسلة من الصعوبات التي تفحص حيويتها وتدعو إلى إشعال المطالب من أجل توقيف المشروع العلماني.

ولعل المثال الأكثر وضوحًا في هذا الاتجاه هو الأثر الناتج عن تناقض الذات العلمانية تجاه حرية المؤسسات الدينية، فمن الشائع مثلًا أن يقول العلمانيون إن الديمقراطية تتطلب الفصل بين الكنيسة والسياسة، وعملية تقييد الدين المنظم والخطاب الديني في المدار المدني.

كما أن عملية العلمنة تتطلب تحرير المواطن من الدولة ومن القانون السماوي، أي يجب أن يضمن للمواطنين حرية الاعتقاد أو العبادة حسب ضمائرهم وأحكامهم الأخلاقية، وفي الممارسة تفترض هذه الحرية الدينية مجتمعًا مفتوحًا ومتسامحًا، يتجنب فيه المواطنون ضمن تركيبته التشاركية وفضاءاته: المرارة، وإسالة الدماء، ما يسمح لكل فرد من أفراده بالتمتع بالحرية من دوغمائية اعتقاد الآخر وشيفرات عمله.

ثم إن أهمية الحفاظ على العائلة والأخلاق والوطن، وهي أيضًا مرتبطة بأهمية إخراج الدين من مكانه «الخاص» لأنها تؤكد أن التدين الخاص ليس كافيًا، فالمؤمنون يجب أن يكونوا شهودًا على الآخرين في الساحات العامة.

وأصبح تأكيد الرأي العام على الأخلاق الدينية التي يمكن التعبير عنها من خلال ما أسمته حنا أرنديت (1906 – 1975م) «سحابات متصاعدة عن روح العصر وطابعه العقلي» اليوم أمراً عامًا في حياة المجتمع المفتوح، وتقدم ناقضًا ثانيًا عن المجتمعات المدنية المعلمنة التي تحاول استبدال النظرة الدينية بنظرة وجودية والتي أعطت فسحة لعودة المقدس للحياة اليومية.

وبالتالي يمكن النظر إلى المجتمعات المدنية الحديثة كما يقول كين بشكل مثالي على أنها تحتوي على عدد من الشباك المتعددة المكونة من مؤسسات اجتماعية «مائعة» وتمتلك حركية تعقيدات تمنع المواطنين من فهمهما أو حتى الإمساك بكلياتها الاجتماعية رغم أنهم ولدوا فيها ونشأوا ونضجوا وماتوا.

كما أن حس المواطنين الدائم بغياب اليقين للتأكيد على موضوعات مثل الاستثمار، والعمل، وكفاءة المدارس، وفاعليتها والأشكال المتحولة الهوية الإنسانية وواجبات البيت، تجعلهم عرضة للضغط والقلق والتشوش، وبالتالي عرضة للاندماج والمشاركة في مؤسسات امتصاص الصدمات التي تظل فيها الجماعات الدينية الدعوات الدينية أمثلة قيادية ومهمة، لا سيما في آلات الأزمة الشخصية.

وهنا يأتي دور الدين كما يرى كين، ففي عالم مليء بالكبت والضغط والتوتر تلعب المؤسسات الدينية دور المذكر بأهمية التضامن بين الذين كانوا عرضة لتجارب مماثلة وعرضة لهزات شخصية وتعمل على المساعدة في الحفاظ على التواصل العاطفي مع تقاليد من مثل «الحياة العائلية».

وبما أن أعضاء المجمع المدني يجربون على الأقل بعضًا مما أسماه هینریخ فون کلایست (1777 – 1811م) «الدستور المتداعي للعالم» فهم معرضون لتجربة البحث عن «دفء» الإحساس بالاعتماد المطلق على الآخر الذي هو نظام وجود واسع وداخلي للانعكاس الإنساني، وما تفضي عنه استطلاعات الرأي العام في العديد من الدول العلمانية والتي تقول إن الغالبية العظمى من المواطنين (75%) يؤمنون بأهمية الدين والحياة الآخرة.

ولعل مما يثير الدهشة أن واحدًا من أهم التناقضات والشلل الذاتي في شكل العلمانية هو علاقتها وصلتها النظرية والعملية بالسياسة المطلقة والاستبدادية.

ويدل على هذه النزعة الموروثة تلك المحاولات السياسية في بلاد مثل: فرنسا، وتركيا، وغيرهما لمؤسسة العلمانية التي شوهت بالعنف والقسر والإجبار والتي تجعلها مثالًا واضحًا على ما أسمته كاثرين إدوارد «الاستعمارية الداخلية» أو حتى في مجال المفاهيم الموروثة التي برزت لدى الدعاة الأوائل «النصارى» للحرية العلمانية حيث نفوا الآخرين من الأساس كما فعلوا مع اليهود الذين وصفوهم بــ «أبناء الشيطان»، والروم الكاثوليك الذين وصفوهم بــ «أبناء العاهرة»، وتشير هذه الحرية إلى أن العلمانيين عانوا من فشل مؤقت في الخيال والشجاعة والاستعداد لتوسيع مبادئهم العالمية للآخرين.

ويعتقد كين أن عداء المثال الفطري العلماني تجاه الإسلام يعتبر مثالًا مثيرًا للقلق، ودليلًا على الدوغمائية العلمانية المعاصرة.

ويرى الباحث البريطاني أن هذا العداء الفطري الدوغمائي ينبع من إشكاليتين أو مفتاحين، أولهما ينبع من طريقة معاملة المواطنين المتسامحين في دول غير دينية مثل الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا للعدد المتزايد من المسلمين فيها «يبلغ عدد المسلمين أكثر من 20 مليونًا في مجموعة دول الوحدة الأوربية» الذين استقروا بشكل دائم في داخل النسخة الديمقراطية القديمة بنوع من المقت والشك العميق أو حتى العداء العنيف والقتال، وتقدم هذه الطريقة في التعامل صورة عن العلماني نفسه الذي يجب أن يصبح متسامحًا مراوغًا أو يصبح متعصبًا حينما يواجه في مجتمعه بالحجاب، أو بمحلات اللحم الحلال، أو حتى بالحديث عن الردة أو الشهادة والجهاد.

 

■ نافذة على لغتنا الجميلة

يكتب بعضهم: «خالدٌ معصوم عن هذا الخطأ»، وقولهم: «عن هذا الخطأ»، تعبيرٌ لا تسوغه لغتنا الجميلة، لغة الضاد، لأن العصمة تكون من الشيء لا عن الشيء، فنقول «عصم الله خالدًا من الشر» لا «عن الشر»، فالله يعصمه عصمة، أي: يحفظه ويقيه ويمنعه.

وتصديق ذلك في كتاب الله من سورة الأحزاب: ﴿قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (سورة الأحزاب: 17).

ويقولون: «ولَّى أعداؤنا الإدبار» وقولهم: «الإدبار» بكسر الهمزة، خطأ لا تقره لغتنا الفصحى، والصحيح هو فتح الهمزة لا كسرها، فنقول: «ولى أعداؤنا الأدبار» بفتح همزة «الأدبار»، لأن المعنى «جعلوا ظهورهم لنا» كناية عن فرارهم، لأن الغار ينتحي الجهة المخالفة لموقف عدوه، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ (سورة آل عمران: 111).

وورد قولهم: «أسدى إليه الشكر»، واستعمالهم «أسدى» في هذا السياق خطأ لا تجيزه لغتنا العربية، ومعاجمنا اللغوية، والصواب أن يقال: شكره لأن الفعل «أسدى» لا يستعمل إلا في المعروف عبر سياقه السابق، فنقول: «أسدى إليه معروفًا»، كما جاء في الحديث الصحيح: «من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه»، ومن معاني أسدى في معاجمنا نقول: أسدى بين القوم: أصلح بينهم، وأسدى الثوب: أقام سداه، وأسدى الأمر: أصابه.

فما أعظم العودة إلى لغتنا الفصحى، لغة القرآن الكريم!

محمد شلال الحناحنة

الرابط المختصر :