; رجب الطيب والديمقراطية الانتقائية | مجلة المجتمع

العنوان رجب الطيب والديمقراطية الانتقائية

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1998

مشاهدات 73

نشر في العدد 1299

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 12-مايو-1998

حكموا على رجب الطيب رضوان -أو أردوجان- بالسجن لمدة عشرة أشهر؛ لأنه ردد بعض أبيات من الشِعر عدّوها طائفية وتفريقًا بين طوائف الشعب التركي، لذا فلا بد من تأديبه ومعاقبته، حتى لو كان عُمدة لأكبر بلدية في تركيا، وهي إسطنبول التي تضم أكثر من أحد عشر مليونًا من البشر. 

رجب الطيب رضوان تولى بلدية إسطنبول بعد انتخابات نزيهة وشريفة، حصل فيها على أعلى نسبة من أصوات الناخبين، واستطاع في أقل من أربع سنوات أن يحلّ كثيرًا من مشكلات إسطنبول المستعصية بدءًا من مياه الشرب مرورًا بالبطالة والنظافة حتى القمار والدعارة، كانت حلوله عملية، وتنبع من أرض الواقع، وكان قبل ذلك نظيفًا لم يأخذ ليرة واحدة لنفسه من أموال الشعب، مُخلصًا يسعى لإرضاء ربه قبل الناس، ويروون أنه ذهب بشخصه إلى زعيمات أقدم تجارة على الأرض، واحتشد الصحفيون خارج المبنى، عند خروجه، وسألوا الزعيمة الكبرى عن انطباعها حول كلام الرجل، فقالت: لأول مرة أشعر بآدميتي، لقد قال لنا: أنتم مثل أخواتنا، ونحن لا نرضى لأخواتنا هذه المهانة، ووعد بمساعدة من تتوب، والبحث لها عن عمل شريف. 

رجب الطيب مرشح لخلافة نجم الدين أربكان؛ لأنه عقلية إسلامية متفتحة، وشعبيته تتجاوز حدود إسطنبول إلى تركيا كلها، ولكن الديمقراطية «التفصيل» لا تقبل بإرادة الشعوب، وتصرّ على أن إرادتها هي القول الفصل، وهي الكلام الذي ينبغي أن يسمع، والأمر الذي يجب أن يطاع، وإلا فالسجون هي مصير من ينتقد، ومن يخالف، ومن يشذّ، لذا انتهزوا فرصة الخطبة التي ألقاها رجب، وملئوا الدنيا صراخًا عن الطائفية والتفريق، في حين أن الرجل يقرر حقيقة في الواقع السياسي التركي، وهي أن المسلمين يعملون من أجل الناس. 

لا ريب أن السُلطة التركية المدعومة من الغرب الاستعماري لا تقبل بأصحاب الشعبية الحقيقية؛ لأن هؤلاء يمثلون خطرًا على الجميع: السُلطة والعسكر والاستعمار، فصاحب الشعبية الحقيقية لا يتعامل مع الفساد، ويقطع الطريق على المفسدين، الذين يساندهم الاستعمار وخدّامه، حرصًا على إبقاء البلاد في دوامة التبعية والديون والعجز، ولم يكن غريبًا أن يقود الغرب الاستعماري حملته لإقصاء حكومة أربكان ومعاقبته وشراء الذمم لنواب الحزب المتحالف معه (بلغ ثمن النائب الذي ينضم لحزب الحكومة خمسة ملايين دولار)، ثم تبدأ حملة أخرى تقودها الحكومة التابعة لاستئصال النشاطات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والإعلامية ذات التوجه الإسلامي، ويطالب العسكر بالمزيد من الاستئصال، وإلا فإن غضبهم على الحكومة لن يتأخر، والاستعمار الغربي يشدّ من أزر العسكر والحكومة معًا، هل هي مجرد مصادفة أن تسعد بلاد كثيرة بالديمقراطية دون معظم بلاد المسلمين؟

إن الديمقراطية مرحلة في الطريق إلى الشورى الإسلامية التي تحكم الرأي بالضمير، الذي يصنعه الخوف من الله قبل الخوف من الناس، وهو ضمير لا يعرف الحقد ولا الخبث ولا الرياء، وهو ضمير يقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ويعلم أنه لو أفلت من حساب الناس فلن يفلت من حساب خالق الناس. 

إن معظم بلادنا تعيش مع نهاية القرن العشرين في أتعس حال مرت بها على مدى خمسة عشر قرنًا من الزمان حيث لا رأي لها، ولا صوت، ولا كيان، مجرد مخلوقات تسعى من أجل حاجاتها البيولوجية وحسب، وعليها أن تتقبل مصائرها كيفما كانت دون احتجاج، وإذا أسعدها الحظ بشيء من الديمقراطية فهي ديمقراطية منتقاة لا تشمل الناس جميعًا، ولكنها قاصرة على من ترضى عنه السُلطة التي يرضى عنها الغرب عادة، وحتى الدول التي سارت على نهج ديمقراطي لم تسلم من المطاردة الاقتصادية وحصاد الجوع، وافتعال الحروب الخارجية والطائفية، كي تظل في دائرة العجز والديون والمشكلات، وتتهيأ لعودة الاستبداد والطغيان، ويسعد السيد الأمريكي الأوروبي الاستعماري ببقائه زعيمًا للجميع. 

قضية رجب الطيب -رئيس بلدية إسطنبول- ليس قضية شخصية، ولا محلية، ولا إقليمية، ولا طائفية، إنما قضية الإنسان العربي والمسلم على امتداد المعمورة، حيث يتمتع نظيره الإفريقي الأسيوي مثلًا بديمقراطية حقيقية يمكن أن تأتي بالمعارضة إلى الحكم، وتأتي بالحكومة إلى صفوف المعارضة (يحدث هذا في الهند وتايلاند وكوريا الجنوبية وزامبيا وموزمبيق وغيرها)، وفي الوقت ذاته يـجد هذا الإنسان نفسه لا حول له ولا شأن، ويرى أن السُلطة التي تستعبده قدر «لا يمكن الفكاك منه، ولا التخلص من آثاره» لذا فالانتخابات تأتي وفقًا لمعيارها ورؤاها، ولا يأتي بعد إجرائها إلّا النائب صاحب المواصفات المقبولة لديه، وإذا حدث ومرّ عدد من نواب المعارضة فإنهم لا يستطيعون تغييرًا يُذكر، كل ما يستطيعونه هو إبداء الرأي في حدوده.

الديمقراطية الانتقائية خطر كبير على الشعوب؛ لأنها تُجمّل واقعًا قبيحًا، وتكرس حالة من فقدان الوزن فضلًا عن التخدير المستمر، الذي يفقد الناس القدرة على الإبداع وتجاوز التخلّف والتبعية. 

الديمقراطية طريق للحرية الحقيقية، ولا مستطاع لشعوب تفقد حريتها وإرادتها، لأنها عندئذ ستظل تدور في حلقة مفرغة من البؤس والهوان والأحزان.

الرابط المختصر :