العنوان خلافات بين المسؤولين الفرنسيين حول البوسنة والهرسك
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1992
مشاهدات 68
نشر في العدد 1030
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 22-ديسمبر-1992
تتعدد
أسباب الخلافات بين القادة والسياسيين على حسب الأفكار التي يحملها كل منهم،
والمواقف التي يتخذونها تجاه المتغيرات والمستجدات، والمفترض أن تكون هذه الخلافات
أمرًا مألوفًا في الأوساط السياسية، وهي غالبًا كذلك، خاصة في دول الغرب، حيث قلما
يتحول الخلاف في أمور عامة إلى مسألة ثأر شخصي.
ولكن
إن حدث ووقع هذا بين اثنين من القادة، عرف منهما أنهما الأقدر على تجاوز الخلافات
والترفع عنها، بل الخروج من كل خلاف بينهما بود أكبر، ومحبة أصدق، وثقة أرسخ،
أقول: إن حدث وفرق بينهما أمر دفع الأقوى منهما إلى خذلان الآخر وهو في أضعف ظروفه
وأحلك أيامه؛ فهذا يعني أن هذا الأمر بلغ من الأهمية حدًّا أخرج أحدهما من دائرة
المصداقية إلى الأبد في نظر الثاني.
الأب يمتنع عن تبرئة ابنه!
ترى
ما الذي حدث بين الرئيس الفرنسي «ميتران» وبين «لوران فابيوس»، السكرتير الأول
للحزب الاشتراكي الفرنسي؟ وقد كان الأول يقول عن الثاني: «إنه المترجم الأفضل
لأفكاري»، بينما يقول الثاني عن الأول: «ليس بيني وبينه مساحة ورقة سيجارة». وفجأة
ينتهي كل هذا التلاحم والتحالف. الأسباب المباشرة التي أتاحت للخلاف بينهما أن يطفو
هو فضيحة الدم الملوث، الذي اتسعت دائرة المتورطين فيها لتشمل العديد من الوزراء،
ووجد «فابيوس» نفسه فجأة من ضمن المتهمين، مع أن إثباتات البراءة أو على الأقل
وسائل الدفاع كلها مع ميتران، ولكنه شحّ بها، وخيب رجاء الجميع، بدءًا بأعضاء
حزبه، وانتهاء بآخر عامي في مصاف الشعب الفرنسي.
كيف
وقد اعتاد الرئيس الفرنسي الدفاع عمن هم دون «فابيوس» مكانة وأهمية في حزبه حتى
والوضع لا يحتمل الدفاع!
كيف
يسكت الرئيس الفرنسي والأحزاب الأخرى تطالب بمحاكمة علنية أمام المحكمة العليا تضع
فيها الابن المدلل في قفص الاتهام!
وحين
يتهم الرجل الأول الرئيس، ألا يعني هذا أن الاتهام موجه ضمنًا للرئيس نفسه؟
ماذا يقول المحللون؟
الرئيس
تصرف، وانتهى الأمر، وترك المجال للمحللين، كل حسب قدراته. نستعرض هنا أهم ما
تناولته كتاباتهم:
يذهب
البعض إلى أن «ميتران» بعمله ذاك يحاول إفهام الشعب الفرنسي أنه قادر على
اتخاذ موقف الحياد حتى مع أعضاء حزبه حين يتعلق الأمر بمصلحة الوطن (أسلوب من
أساليب تحسين صورته تمهيدًا للانتخابات التي يسعى للفوز بها).
يقول
أحد مستشاريه المقربين: لقد تصرف الرئيس بحكمة، فقد كان يتمنى الدفاع عن «فابيوس»،
لكنه أدرك أن ضغوط الرأي العام كانت قوية، بحيث إنه وهو يتجنب الدفاع عنه استطاع
امتصاص هيستيريا الأحزاب الأخرى، وربما بأسلوبه ذاك ساعده أكثر.
تعليقًا
على هذا التصريح يرى البعض في تصرف «ميتران» عملية امتصاص لغضب الأحزاب الأخرى.
هذا
بينما يرى آخرون أنه بموقفه ذاك إنما أراد أن يعيد التحام الحزب الاشتراكي بعد أن
بدا غبار الخلافات يعلوه، حتى وإن كان هذا الالتحام على حساب سمعته الشخصية.
وأصحاب
هذا الرأي هم من الذين يريدون أن يجعلوا من رئيسهم رمزًا للبطولة والتفاني.
ولكن
الشعب البوسني هو أصل الخلاف.
أما
الفريق الأكثر ذكاء من المحللين فقد استطاع تجاوز سطحيات المشكلة المباشرة، وأرجع
موقف الرئيس الفرنسي إلى أسباب ودوافع يكتمها بصعوبة منذ عدة أشهر، بالتحديد منذ
طالب فابيوس، وبإلحاح شديد، تدخلًا عسكريًّا لإيقاف المذبحة الدائرة في البوسنة
والهرسك، إضافة إلى بعض تصرفاته التي تمس إستراتيجية الحزب. حينها خاب أمل الرئيس
في شخصيته المختارة، وعندها كانت بداية المنعطف في العلاقة «ميتران - فابيوس»،
ولم تكن قضية الدم الملوث سوى فرصة للتعبير عن امتعاضه واستيائه الذي كان يغضبه
بصعوبة خلال تلك المدة!
إن
موضوع البوسنة والهرسك الآن، وفي هذه المرحلة، هو الرهان الأكبر، فمن استطاع من
الساسة أن يستوعب الدبلوماسية التي تخفي ما خبث من نواياها وتظهر ما حسن منها،
يكون قد استوعب اللعبة السياسية، وأثبت بذلك كفاءته وأحقيته للمركز الذي يشغله.
أما إن غابت عنه أسس اللعبة؛ فهو إذن أدنى من أن يبلغ مصاف القادة.
ولا
نتكلم من فراغ، فيوم زار الرئيس الفرنسي سراييفو، وروجت له وسائل الإعلام على
اختلافها، واعتبرته نصيرًا للمستضعفين، يومها ما كان الهدف الفعلي لزيارته أكثر من
إيجاد جواب لعجبه وتساؤلاته فيما يخص مقومات استمرارية شعب أعزل كشعب البوسنة،
والتعرف على المصادر التي يستمد منها قدرته على المقاومة، وهو الشعب المحاصر
بوحشية كفيلة بإبادته خلال أسابيع قليلة!
زيارته
تلك التي قرر خلالها تسليم المطار لقوات الأمم المتحدة، بعد أن كاد يسقط في أيدي
المسلمين على إثر معارك شنوها مع الصرب؛ فغيّر بذلك مسار الحرب، وسد أمام المسلمين
أوسع طرق التواصل مع الدول الإسلامية. هذا كما حالت زيارته دون مشروع ألماني لدفع
مجلس الأمن لاستصدار قرار حاسم باستعمال القوة العسكرية ضد الصرب، حيث أرجئ الأمر
بعد إعلان ميتران عن زيارته إلى سراييفو.
ولا
يخفى أن فرنسا من الدول التي تريد بشدة تقسيم البوسنة والهرسك إلى كنتونات، يكون
الصرب فيها هم الرابحين على حساب المسلمين.
أمام هذه الحقائق، كانت مطالبة فابيوس بتدخل عسكري سريع في البوسنة والهرسك من أكثر الأسباب الداعية لمواقف ميتران منه في محنته، كنوع من التوضيح أنه لم يعد «المترجم الأفضل لأفكاره»، وتوضيح أن أية حرب إبادة يكون ضحيتها مسلمون لا تخضع لمعايير العدالة والمساواة والإنسانية، إنما تخضع لأساليب المراءاة والكذب والاستغفال والاستخفاف بالشعوب والحكومات، وتوضيح أن قضايا المسلمين والاختلاف حولها من أوجه الأسباب الدافعة إلى تحويل المواقف السياسية إلى مواقف شخصية وعداوات فردية، حتى في دولة تعتبر الحرية والديمقراطية من قيمها المقدسة؛ إذ لا وجود هنا لهذه المعاني لأن القضية تتحول إلى أزمة مفاهيم واعتقادات.
واقرأ أيضًا: