; تواطؤ الغرب مع مجرمي الصرب | مجلة المجتمع

العنوان تواطؤ الغرب مع مجرمي الصرب

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1992

مشاهدات 73

نشر في العدد 1026

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 24-نوفمبر-1992

  • يعتبر الفرنسيون أنفسهم الصديق الأساسي للقومية الصربية وقد كان زيارة ميتران للبوسنة أكبر دعم قدم للصرب

كان تواطؤ المراقبين الدوليين التابعيين للأمم المتحدة واضحًا في الأسبوع الماضي حينما أفرغت شاحنات نفط يونانية ما تحمله من نفط في شاحنات نفط صربية رغم قرار مجلس الأمن بفرض العقوبات الاقتصادية على صربيا في الحادي والثلاثين من مايو الماضي، ولم تكن هذه الصورة إلا أحدى الصور لاختراق ما يسمى بالعقوبات الاقتصادية الهزيلة التي لم تطبق بصورة عملية حتى الآن على الصرب حيث يتم توريد كافة احتياجات صربيا والجبل الأسود سواء المدنية أو العسكرية عن طريق اليونان وقبرص وروسيا تحت سمع العالم وبصره، في الوقت الذي لا يجد فيه مسلمو البوسنة ما يحميهم من برد الشتاء القاتل.

لقد خُدع الجميع بموقف الغرب من البداية حيث كانت التهديدات التي أطلقها زعماء الصرب والكروات في بداية عام 1990 كافية للتنبؤ بحرب الإبادة التي وقعت ولا تزال تقع في البوسنة، ومع أن الحرب الصربية الكرواتية بدأت في صيف عام 1991، إلا أن الحرب لم تصل إلى البوسنة والهرسك إلا هذا العام، وقد ظل قادة البوسنة يناشدون العالم أن يمدهم بالمساعدات اللازمة لتلافي حرب الإبادة التي يشنها الصرب عليهم منذ ما يزيد على ثمانية أشهر دون جدوى حتى إن حارس سيلاجيتش وزير خارجية البوسنة والهرسك أخبرني في مقابلة أجريتها معه في الكويت منذ شهرين أن خمسين مليون دولار فقط كانت كفيلة في بداية الأمر لتسليحنا حتى نتمكن من رد العدوان الصربي إلا أننا لم نجد من يقرضنا هذا المبلغ حتى فعل الصرب ويفعلون بنا ما يراه العالم الآن دون حراك.

الموقف الأمريكي

وكانت في استطاعة الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة أن توقف المجازر وحرب الإبادة والتطهير العرقي الذي بدأه الصرب ضد مسلمي البوسنة والهرسك منذ بداية هذا العام إلا أنهم اكتفوا بإصدار بعض التصريحات البكائية والبيانات التراجيدية وذرفوا بعض دموع التماسيح تأسيسًا على دماء المسلمين البوسنيين الذين لا يجدون أنصارًا لهم، في الوقت الذي يجد الصرب والكروات من يدعمهم من الحكومات القريبة والبعيدة، بل ومن يتواطأ معهم ويمنحهم الوقت والدعم للقضاء على ما بقي من المسلمين وحضارتهم في قلب أوروبا، وإذا كان هناك عجب من الموقف الأمريكي بصفة عامة فالعجب أكبر تجاه تصريح لورانس إيجلبربر القائم بأعمال وزير الخارجية الأمريكي الذي مزق نياط القلوب بوصفه التراجيدي لمأساة مسلمي البوسنة حينما قال: «إنني أعتقد أننا في وسط تراجيديا إغريقية، لها بداية، وفي مكان ما ستكون لها نهاية، وفي الوقت نفسه سيموت الكثيرون من الناس.. إنه شيء مروع»!

ويسدل وزير الخارجية الأمريكي الستار على اللعبة القذرة التي تمارسها بلاده مع باقي الدول الغربية ليواجه المسلمون مصيرهم المحتوم في البوسنة والهرسك، حيث صور وزير الخارجية الأمريكي في تصريحه ما يجري في البوسنة والهرسك على أنه قدر محتوم لا حيلة أمام أمريكا أو غيرها حياله، ولا سبيل أمام الجميع سوى انتظار النهاية لهذه التراجيديا الإغريقية، والتي يؤمل الجميع من ورائها أن تكون نهايتها بنهاية آخر مسلم بوسني وآخر مئذنة من مآذن الهرسك، ولم يفت وزير الخارجية الأمريكي أن تكون في عباراته إشارة للصرب ليواصلوا فتكهم بالمسلمين حينما قال ببرود «سيموت الكثيرون من الناس».

ويأتي هذا التصريح ليؤكد الموقف الأمريكي السابق والمحدد في أن الولايات المتحدة لا توجد لها أي مصلحة حيوية محل تهديد بسبب ما يجرى في البوسنة والهرسك حتى تقوم بأي تدخل عسكري أو غيره فيها، وقد فضح جورج كيني رئيس مكتب شئون يوغوسلافيا في وزارة الخارجية الأمريكية الموقف الأمريكي بعد استقالته من منصبه في 25 أغسطس الماضي حينما قال في مقال نشرته له «واشنطن بوست»: «إن ما يثير غضبي أكثر بشأن تعامل الإدارة الأمريكية مع الأزمة اليوغسلافية هو أنها لا تريد حقًّا أن تعرف حقائق الرعب في البوسنة، لأننا كلما عرفنا المزيد تضاعف ضغط الرأي العام لكي نتصرف، وطوال شهور لم أجد إلا قليلًا من الاهتمام في وزارة الخارجية الأمريكية لمعرفة المزيد عن الموت جوعًا أو التدمير والقصف الصربي أو التنظيف العرقي، أو كل الأشياء التي خلاصتها «حرب إبادة ضد المسلمين، فمنذ العلاقات الأولى لتفكك يوغوسلافيا السابقة في العام الماضي أوضحت الإدارة الأمريكية بشكل متكرر أن الولايات المتحدة لن تتدخل عسكريًّا للسيطرة على الأزمة، وهذا أعطى الضوء الأخضر للقادة الصرب السفاحين كي ينفذوا خططهم لإقامة صربيا الكبرى النقية عرقيًّا، إن أسلوبهم هو الإبادة أما رد فعل الولايات المتحدة فهو الديبلوماسية العاجزة». انتهى كلام جورج كيني وهو إدانة واضحة للموقف الأمريكي لا تحتاج إلى مزيد من التعليق.

الموقف الفرنسي

لا يقل الموقف الفرنسي في تواطئه عن الموقف الأمريكي بل ربما زاد الفرنسيون في دعمهم العلني للصرب حيث إن فرنسا تعتبر نفسها الصديق الأساسي للقومية الصربية، ويكفي أن زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران المفاجئة لمطار سراييفو في نهاية شهر يونيو الماضي قد غيرت مسار الحرب في البوسنة والهرسك لصالح الصرب، وأضاعت من أيدي المسلمين انتصارًا حاسمًا كان من الممكن أن يغير مجريات الأحداث لصالحهم فقد كان مطار سيراييفو على وشك السقوط في أيدي المسلمين بعد معارك طاحنة شنوها مع الصرب لكنه قبيل شنهم للهجوم الأخير والكبير أعلن ميتران عن قيامه بزيارة البوسنة وتسليم المطار لقوات الأمم المتحدة مما أضاع على المسلمين فرصة كان من الممكن أن تغير مسار الحرب وتفتح العالم أمام مسلمي البوسنة حتى تكون لهم المقدرة على إحضار ما يريدون من الخارج وكسر شوكة هذا الحصار إلا أن زيارة ميتران شددت الحصار على المسلمين وإن كان ظاهرها غير ذلك، كما أجهضت زيارة ميتران كذلك مشروعًا كانت تتحرك فيه ألمانيا بقوة من أجل دفع مجلس الأمن إلى استصدار قرار حاسم باستعمال القوة العسكرية لإيقاف العدوان الصربي على البوسنة، وكان المجلس بصدد عقد جلسة لمناقشة هذا الأمر قبيل إعلان ميتران عن زيارته إلا أن الأمر أرجئ ومازال، وكانت الساعات الست التي قضاها ميتران في البوسنة كفيلة بدعم الصرب وتغيير الموقف لصالحهم داخليًّا وخارجيًّا في الوقت الذي هلل فيه الجميع لزيارة ميتران دون أن يدركوا أبعادها الحقيقية، واستكمالًا للدور الفرنسي فإن فرنسا تؤيد الآن وبشدة تقسيم البوسنة والهرسك إلى كنتونات يكون الصرب فيها هم الرابحون والمسلمون هم الخاسرون.

الموقف البريطاني

أما الموقف البريطاني فهو أكثر المواقف الغربية دهاء ومراوغة يتضح ذلك من موقفها الديبلوماسي سواء في مجلس الأمن أو المجموعة الأوروبية من قضية مسلمي البوسنة والهرسك، لكن قمة الدهاء في الموقف البريطاني جاءت خلال العرض المسرحي المدهش لما سمي بمؤتمر لندن من أجل السلام في البوسنة والهرسك والذي رأسته بريطانيا بصفتها الرئيسة الحالية للمجموعة الأوروبية، حيث سوى المؤتمر بين القاتل والقتيل.

وأصر على جلوس الصرب المجرمين مع المسلمين المذبوحين على مائدة واحدة من أجل التفاوض، بل رتب لعملية تفاوضية طويلة تمنح الصرب مزيدًا من الوقت لممارسة مزيد من القمع وارتكاب مزيد من المجازر في حق المسلمين والاستيلاء على مساحات أكبر من الأرض، واستبعد بهذا محاكمة قادة الصرب باعتبارهم مجرمي حرب، كما استبعد أي تدخل عسكري غربي لرد العدوان الصربي على جمهورية البوسنة والهرسك المعترف بها دوليًّا، وفوق كل ذلك أقر تقسيم البوسنة والهرسك إلى كنتونات، فأيد بذلك مطالب الصرب، وكان هذا المؤتمر بنتائجه من أكبر الجرائم التي ارتكبتها بريطانيا مع الدول المشاركة معها فيه في حق مسلمي البوسنة، وكان من المكافآت الكبيرة التي منحها الغرب لمجرمي الصرب.

الموقف الألماني

رغم أن ألمانيا تعتبر من أكثر الدول الأوروبية التي أخذت موقفًا إيجابيًّا من قضية البوسنة والهرسك وذلك بحكم علاقاتها التاريخية الإيجابية مع الدولة العثمانية- وبعض النظر عن دوافع هذه العلاقات- فقد كانت ألمانيا من أوائل الدول الأوروبية التي سارعت بالاعتراف بجمهورية البوسنة والهرسك حينما أعلنت استقلالها إلا أن الموقف الألماني لم يتعد كثيرًا هذه الخطوط حتى حينما سعت ألمانيا مرارًا للضغط على الصرب من خلال مجلس الأمن والمجموعة الأوروبية كانت المصالح المتبادلة مع باقي الدول والخط السياسي الدولي العام يجعلها لا تتخطى حدود الكلام.

حائط المبكي!

أما حائط المبكي المسمى مجلس الأمن والأمم المتحدة وأمينها العام فقد أشرنا مرارًا على صفحات «المجتمع» لدورهم المتخاذل من مسلمي البوسنة والهرسك لاسيما بعد ما اتخذتهما الدول الغربية الكبرى لافتة تتخفى وراءها ووراء القرارات التي تصدر عنهما، فإن كانت في صالح هذه الدول تصدر في منتهى السرعة وبتتابع وخطى سريعة، ولنا أن نتذكر كيف أصدروا 12 قرارًا خلال فترة زمنية قصيرة للغاية ضد العراق حينما اعتدت على الكويت، وكيف يتعاملون الآن مع قضية البوسنة تعاملًا مفضوحًا مليئًا بالتسويف والمراوغة حتى كانت الأمم المتحدة تنظر قضية لم تكن راغبة فيها من الأصل، كما أن قرارات مجلس الأمن لا يتم اتخاذها إلا بعد موعدها المفترض بستة أشهر على الأقل، وإذا اتخذت لا يتم تنفيذها بحماس، وليس هناك دليل على ذلك أقوى من أنهم قد قرروا أن ينظروا في إمكانية رفع حظر تصدير السلاح للبوسنة في يناير القادم- أي بعد شهرين- مما يعطي فرصة كافية للصرب للقضاء على ما تبقى من مسلمي البوسنة والهرسك والاستيلاء على ما تبقى من أراض تحت أيدي المسلمين ويأتوا في يناير- حسب خطتهم- فلا يكون هناك شيء اسمه البوسنة والهرسك.

حقيقة الموقف

من خلال ما مضى يتضح أن الموقف الغربي برمته يرمي إلى إزالة المسلمين وإبادتهم من قلب أوروبا تاركًا للصرب القيام بالمهمة المباشرة، وقد عبر الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش عن هذا الأمر باختصار حينما قال: «إن الغرب في هذه التجربة قد خان نفسه ومبادئه»، يدفعهم إلى ذلك أبعاد كثيرة منها أبعاد حضارية، وأبعاد تاريخية، وأبعاد عقائدية، وأبعاد عرقية، وأبعاد استراتيجية، وأبعاد أخرى ربما نفصلها في مقال قادم- إن شاء الله.

ولعل الدافع الأساسي الذي يدفع الصرب والغرب إلى ذلك هو الموقف المتخاذل للدول الإسلامية حتى غدا مسلمو البوسنة غرباء لا أنصار لهم، لكن من يدري، فربما خرج من وسط اليأس بريق من الأمل واستمر ثبات مسلمي البوسنة حتى يكملوا ما بدأه أجدادهم العثمانيون، مادام الكون يسيره مالكه- وليس الصرب أو الغرب- بقوانينه الأبدية ونظمه الإلهية ووعوده الربانية جل شأنه ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف:110).

الرابط المختصر :