العنوان قراءة في الصحافة العربية بمونتريال
الكاتب جمال الطاهر
تاريخ النشر الثلاثاء 27-ديسمبر-1994
مشاهدات 84
نشر في العدد 1131
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 27-ديسمبر-1994
حرب الخليج أدت إلى هجرة تولد عنها حركة اقتصادية دعمت العمل الإسلامي والدعائي
الصحافة العربية في مونتريال لا تعبر عن واقع الجالية العربية هناك في طرحها لتحكم العلمانيين والنصارى في قيادتها فهي علمانية في فكرها إقصائية في منهجها
شهدت أوساط الجالية العربية بمدينة مونتريال خلال السنوات الأربعة الأخيرة ظهور العديد من الجرائد العربية، يقدمها القائمون عليها على أنها منابر مفتوحة لعموم الجالية للحوار فيما بينها ولخدمة قضاياها وربطها أكثر ببلدانها الأم، ونظرًا لتعدد هذه الجرائد، وتنوع خلفيات القائمين عليها، فإنه قد يكون من المناسب دراسة هذه التجربة الإعلامية المهجرية للوقوف على منطلقاتها وخلفياتها ومحاور اهتمامها.
يعكس تأخر ظهور الصحافة العربية المهجرية في مونتريال، رغم القدم النسبي لوجود الجالية العربية بها «بداية القرن الحالي من خلال هجرة بعض اللبنانيين والسوريين» جملة من الأسباب تتعلق في عمومها بهذه الجالية نفسها، يمكن أن نذكر من بينها:
1 - أن الغالب على عناصر هذه الجالية هم من أصحاب المستويات المتوسطة، فأغلبهم من المهنيين الذين يشتغلون كتقنيين في المعامل والمصانع.
2 - أن عدد الجالية كان إلى غاية العقدين الماضيين من هذا القرن ضعيفًا؛ مما جعل حركيتها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ضعيفة جدًّا؛ بحيث لا يمكن أن تمثل أرضية مناسبة لصدور ولو جريدة واحدة.
3 - أن رأسمال الجالية كان يتجه أساسًا إلى الاستثمار في مجالات أخرى وإن كانت تقليدية إلا أن الربح فيها يبدو مضمونًا ومؤمنًا.
وقد انتظرت الجالية العربية في مونتريال أن تتغير بعض هذه المعطيات وأن تضاف إليها بعض المعطيات الأخرى حتى تفرز في الأخير كل هذه الجرائد، ومن هذه المعطيات المضافة يمكن أن نذكر أساسًا:
أ - حرب الخليج الأخيرة وما أعقبها من هجرة العديد من التجار إلى كندا للاستثمار بها بعد أن استحال عليهم لسبب أو لآخر مواصلة العيش والعمل في دول الخليج.. وقد كان من النتائج المباشرة لهذه الهجرة أن تولدت حركة اقتصادية هامة في أوساط الجالية، وخاصة في مجالات التغذية والملابس ووكالات الأسفار.. وهي مجالات تستدعي في عمومها عملًا دعائيًا كبيرًا.
ب - حرب لبنان التي دفعت العديد من المثقفين ومن الإعلاميين للهجرة إلى كندا نظرًا للتسهيلات التي كانت تقدمها كندا لطالبي اللجوء من اللبنانيين، وقد حمل هؤلاء المهاجرون الجدد معهم اهتماماتهم الإعلامية والصحفية، كما نقلوا معهم أيضًا انتماءاتهم الطائفية والحزبية، وبالتالي مشاكلهم وصراعاتهم.
جـ - إضافة إلى هذين العاملين، يمكن اعتبار التسهيلات القانونية والمالية التي توفرها الإدارة الكندية، وخاصة منها مصالح الهجرة والتعدد الثقافي، كعامل مساعد شجع بعض الأشخاص والمجموعات على فتح الساحة الإعلامية والمبادرة بتأسيس وإصدار جرائد موجهة خصيصًا إلى الجالية العربية بهذه المدينة.
ولم يكن من باب الصدفة أن تظهر أول هذه الجرائد العربية في مونتريال «جريدة «المرأة»» خلال حرب الخليج الأخيرة، فقد مثل انشداد الرأي العام العربي والعربي الإسلامي خاصة إلى تداعيات أحداث الحرب والبحث عن الخبر، والتغطية الإعلامية، فرصة مناسبة لهذه الجريدة لبداية الظهور، وكسب المبادرة، ولم تكد هذه الجريدة الأولى لتصدر حتى تلتها جرائد أخرى مثل «المستقبل»، و«المصري» والحوار».
والذي يتابع هذه الجرائد ويرصد محتوياتها، يمكنه أن ينتهي إلى الاستنتاجات التالية:
تقوم كل هذه الجرائد على بعض المساعدات المالية التي تقدمها الحكومة في إطار برامج التعدد الثقافي والإيتني، وتعتبر العائدات من الإعلانات التجارية والفنية هي المصدر الرئيسي للتمويل والربح لهذه الجرائد كلها، ولأخذ صورة تقريبية عن حجم هذه المادة الإعلانية، يمكن أن نأخذ مثالًا على ذلك العدد 201 من جريدة «المرأة» الصادرة بتاريخ 11 أكتوبر 1994م الماضي:
* عدد صفحات الجريدة: 28 من الحجم الكبير.
* عدد الإعلانات: 80 إعلانًا.
* النسبة الإجمالية للإعلانات من مادة العدد: 60 %.
أما إذا ما أردنا معرفة النسبة المئوية للإعلانات بحسب نوعيتها، فإننا سنقف على النتائج التالية:
النوعية | النسبة المئوية من جملة الإعلانات (80) |
خدمات استهلاك حفلات غنائية شخصية | 44 إعلانًا، أي 55 % 22 إعلانًا، أي 27.5 % 3 إعلانات، أي 3.75 % 11 إعلانًا، أي 13.75 % |
أما من ناحية المضامين الأخرى، فإنها تدور أساسًا حول القضايا التالية:
1 - الشرق الأوسط، وخاصة منه تداعيات السلام العربي - الإسرائيلي.
2 - الساحة السياسية اللبنانية وأساسًا منها المسيحية.
3 - السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
4 - بعض الأحداث الكبرى المستجدة في العالم العربي والإسلامي «الجزائر، مصر...»، وعادة ما تأتي هذه التغطيات في مساحات صغيرة، غير بارزة هامشية وبعناوين فيها الكثير من المغالطة والتوجيه.
أما من حيث المصادر الإعلامية لأغلب هذه الجرائد، فإنها تدور أساسًا حول:
1 - الصحافة المحلية الحزبية «اللبنانية لأغلب هذه الجرائد».
2 - الصحافة العربية الدولية وخاصة منها جريدة «الحياة».
3 - الصحافة الكندية المحلية الصادرة بمدينة مونتريال.
4 - إذاعة صوت أمريكا.
5 - مساهمة بعض الصحفيين العرب المقيمين في كندا، وهم في أغلبهم، كما أشرنا إلى ذلك سابقًا، مسيحيون في جزء كبير منهم علمانيون فيما تبقى.
وتوزع هذه الجرائد مجانًا في أغلب المحلات العربية في بعض النقاط الأخرى، الشيء الذي جعل دائرة قرائها دائرة محترمة جدًا من حيث العدد «بعض هذه الجرائد تطبع وتوزع 120 ألف نسخة في الأسبوع» مما جعل تأثيرها على الرأي العام العربي في المدينة كبيرًا لا تخفى آثاره.
وإذا ما ركبنا بين جملة العناصر والخصائص التالية: غلبة الإشهار، نوعية المصادر الإعلامية، خلفية المحررين، ومحاور اهتمام هذه الجرائد، فإن النتيجة الطبيعية لكل هذه العناصر مجتمعة هي أن هذه الجرائد تجارية في طبيعتها، علمانية في خلفيتها وإقصائية في منهجها، وانطلاقًا من هذه الخصائص تبدو الصحافة العربية في مونتريال مفارقة لواقع الجالية العربية بالمدينة من جهتين هما:
1 - من حيث الخلفية الدينية؛ حيث تبدو أغلب هذه الجرائد «75 % منها» مسيحية في خلفيتها وأطروحتها والقائمين عليها، في حين أن أغلب المهاجرين العرب في مونتريال هم من المسلمين من أهل السنة والجماعة.
2 - من حيث الانتماء الإقليمي؛ حيث نجد أن أغلب هذه الجالية العربية تنحدر من دول شمال أفريقيا بحكم أن هذه البلدان تتكلم اللغة الفرنسية، التي هي لغة مقاطعة كيباك؛ حيث توجد مونتريال كلغة ثانية بحكم أنها مستعمرات فرنسية قديمة، أما المشارقة فإن أغلبهم يتكلمون الإنجليزية كلغة ثانية وأساسية باستثناء بعض اللبنانيين والسوريين «باعتبار أن بلاد الشام قد كانت هي الأخرى مستعمرة فرنسية».
وتنسحب هذه المعطيات والخصائص المتعلقة بالصحافة العربية في مونتريال على أغلب منابر ووسائل الإعلام المهجرية الموجودة بالمدينة، والمتمثلة أساسًا في: بعض القنوات الإذاعية، بعض البرامج التلفزيونية ونوادي الفيديو....»، فكل هذه المنابر تقريبًا بشيء من التفاوت البسيط بينها، تمتاز بطابعها التجاري، وبخلفيتها العلمانية وبمنهجها الإقصائي، وبمحتوياتها الهابطة، وأمام هذه الوضعية الإعلامية تعيش الجالية العربية المسلمة في المدينة غربتين في نفس الوقت: غربة أولى مادية نتيجة الابتعاد عن الأهل والوطن، وغربة ثانية معنوية نتيجة افتقادها لمنابر إعلامية خاصة بها يمكنها من خلال تنمية ذوقها في مجتمع كل ما فيه هابط يحرض على الهبوط، وتقوية رابطتها بهويتها وأصالتها في محيط عربي يشقه تيار كاسح من التغريب والضياع والتشوه وتعزيز إمكانياتها في تقديم صورة مشرفة عن حقيقة بلدانها وحقيقة ثقافتها.
إن انسحاب الرأسمال الإسلامي من الاستثمار في المجال الإعلامي المهجري إذا ما تواصل أكثر سيؤدي إلى نتائج كارثية؛ خاصة أمام تنامي بروز الجيل الثاني الذي لا يعرف مع الأسف الشديد شيئًا كثيرًا عن لغته وعن بلدانه الأصلية وثقافته العربية الإسلامية من جهة، وأمام اشتداد الحملة على الإسلام وأهله في أماكن عديدة من العالم بما فيها الغرب من جهة أخرى، إن الوضع الإعلامي للجالية العربية المسلمة في مونتريال في حاجة إلى من يأخذ المبادرة بإصدار الجرائد وفتح الإذاعات وإنتاج البرامج التلفزيونية؛ خاصة وأن أغلب شروط نجاح ذلك متوفرة «قاعدة عريضة من القراء والمستمعين والمشاهدين قاعدة محترمة من التجار، ودائرة محترمة من المنتجين والكفاءات.....» ويحتاج هذا الوضع إلى من يدعم هذه المبادرات وخاصة في بدايتها حتى تثبت ويصلب عودها، إن الجالية العربية المسلمة على العموم في حاجة اليوم لا إلى مجرد مد الجسور مع هذه الجرائد الموجودة لاستثمار بعض الهوامش المتاحة فيها على ضيق وهشاشة هذه الهوامش إن وجدت؛ بل إنها في حاجة إلى منابر خاصة بها تعبر عن رأيها وتخدم قضاياها، وتدافع عن حقوقها، وخاصة في مثل هذه الظروف التي قد يتجه فيها الغرب إلى معاملة المسلمين معاملة دونية، رغم كونهم في أغلبهم يستوون مع غيرهم من الطوائف والمجموعات الدينية الأخرى في صفة المواطنة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل