; تحليل..... لما ستسفر عنه... حرب لبنان | مجلة المجتمع

العنوان تحليل..... لما ستسفر عنه... حرب لبنان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1976

مشاهدات 86

نشر في العدد 319

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 05-أكتوبر-1976

• الدويلات الطائفية أصبحت حقيقة واقعية في لبنان 

• تجميع الفلسطينيين في الشوف والجنوب خطة لمذبحة مقبلة يتزعمها إمبراطور المختارة

• شعوب العالم الإسلامي وزعماؤه مطالبون باتخاذ موقف فعلي

• الخطر يهدد العالم الإسلامي وليس لبنان وحده

طالت محنة المسلمين في لبنان، محنة لم تعرف البشرية نظيرًا لها في القرن العشرين، ولو لم يكونوا مسلمين لتوقفت الحرب بعد أيام من نشوبها ولتدخلت الدول العظمى فعلًا واتخذت إجراء رادعًا تمنع بموجبه سفك دماء الأبرياء من الأطفال والشيوخ وهتك أعراض العذارى من النساء وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رأى المسلمين يبكون على قتلاهم إلا حمزة رضي الله عنه فقال: «كل له بواك إلا حمزة لا بواكي له». والمسلمون ليس لهم دولة واحدة تهتم بأمرهم وتشعر بشعورهم ويبدو أن قضية لبنان على أبواب مرحلة جديدة يقول -طباخو- هذه المرحلة: إن الحرب ستنتهي ويعود لبنان على يدي سركيس موحدًا، وتحاط هذه المرحلة الجديدة بعملية تلميع بعض الوجوه التي أسرفت بإراقة الدماء والتآمر والعمالة مع الغزاة المحتلين، والغرض من تلميع وجوههم ليظهروا بمظهر إنقاذ لبنان ومنع تقسيمه والحفاظ على وحدة أرضه وترابه.. ومن أجل هذا كثرت زيارات العواصم العربية والأجنبية وفي أعقاب كل زيارة يؤكد الزعماء على ضرورة إيقاف الحرب في لبنان.. 

ولا نستطيع تحديد أبعاد المرحلة المقبلة إلا إذا استعرضنا هذه الحرب منذ نشوئها وكيف تطورت وهل أدت دورها المطلوب أم لا؟.

واستعراض هذه الحرب يحدد لنا أبعاد المرحلة المقبلة من جهة، ويذكر الناس بما قد نسوه، فالمشكلة عند المسلمين أنهم ينسون بسرعة، وتأثرهم بالأحداث أني ووقتي سبق حرب لبنان إعداد ماروني تبين أن جذوره تعود إلى أيام الاستعمار الفرنسي بلبنان، وكشفت الوصايا العشر التي عثر عليها الوطنيون في أحد الأديرة بأن فرنسا كانت وراء محاولة استقلال الصليبيين بحكم لبنان. 

وبدأت الحرب بجريمتين تترفع الوحوش المفترسة عنهما: أما الجريمة الأولى فهي إقدام الكتائبيين على قتل ركاب -أتوبيس- من الفلسطينيين في حي عين الرمانة.

والجريمة الثانية اعتراض نصارى زغرتا ـأتوبيس- وقتل كل ركابه المسلمين من طرابلس لأنهم مسلمون وكان أنطوني فرنجية والقسيس شربل من جملة المشتركين في هذه الجريمة.

فالحرب إذن بدأها المارون بعد استعدادات عسكرية دامت أكثر من عشرين عامًا، وتوقيت هذه الحرب جاء بعد رحلات كيسنجر المشهورة ورفض المسلمين للحلول الاستسلامية وحرص المارون على إقامة دولة لهم في لبنان وفق سياسة تقسيم الشرق الأوسط إلى دويلات وهذا ما جاء في رسالة موسى شاريت إلى بن غوريون ويساعد المارون على تحقيق أهدافهم تفكك الساحة العربية وخلوها ممن هم على استعداد أن يقفوا مواقف تاريخية مشرفة.

ورغم أعداد الصليبيين وامتلاكهم لأحدث أنواع الأسلحة، وسيطرتهم على أهم الموانئ والمرافق الحيوية ومساعدة إسرائيل والمعسكر الغربي لهم.. رغم كل هذا استطاعت القوات الوطنية أن تحتل معظم لبنان وتهاجم قادة الفتنة في عقر دارهم وتحتل السعديات مركز عمليات كميل شمعون وتسيطر على قصره وتعتقل ابنه لولا تدخل كمال جنبلاط شخصيًا من أجل إطلاق سراحه.

وكانت تقديرات الصليبيين وقادة المعسكر الغربي أن يحارب الجيش اللبناني إلى جانب المارون، لكن هذا الجيش انشق على نفسه وقاد الحركة الوطنية فيه الملازم أحمد الخطيب فسقطت أكبر ورقة كان المارون يتاجر بها.. ودكت مدافع الجيش العربي جزءًا من قصر بعبدا وكاد لبنان كله يستسلم للقوات الوطنية لا سيما بعد مجزرة الكرنتينا ورفع المسلمين لراية الجهاد المقدس وفي هذا الوقت بالذات تدخلت منظمة الصاعقة، التي كانت في حقيقتها فرقة من الجيش السوري تلبس لباس المنظمات الفدائية، وتصدت لجيش لبنان العربي وأوقفت زحفه نحو قصر بعبدا ولولا موقف الصاعقة هذا لوصل جيش لبنان العربي إلى قصر بعبدا وأرغم المجرم المحترف فرنجية على الاستقالة..

وجيش لبنان العربي رفض الاصطدام مع منظمة الصاعقة لأنه كان يتوهم بأن القضية مجرد خطأ واختلاف شخصي ليس من المصلحة تصعيده.

وبعد حركة عزيز الأحدب، وتزايد قوة جيش لبنان العربي، واستبسال الحركة الوطنية وسيطرتها على معظم لبنان...

جاءت لعبة استقالة فرنجية وانتخاب رئيس جديد، وكيف فرض النظام السوري إلياس سركيس بعد توزيع بضعة ملايين الليرات اللبنانية على النواب الذين انتخبوا إلياس سركيس.

ثم اندلعت الحرب فجأة وكان جنبلاط وما زال يلعب دورًا في هذه الحرب لا يقل عن الدور الذي كان يلعبه جورج حبش في الأردن عام ۱۹۷۰ ... فتدخل الجيش السوري..

تدخل الجيش السوري بعد أن وثق قادة دمشق صلاتهم مع النظام الأردني الذي يمتلك خبرات واسعة في مطاردة وإبادة الفدائيين.. دخل الجيش السوري بموافقة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي وإسرائيل.

أما قادة الشرق الأوسط فلم يصدر عنهم أي موقف إيجابي ضد هذا التدخل العسكري، ما عدا مظاهرة تضليلية قام بها «العفالقة» والصليبي لا يتخلى عن نحلته وليس هناك من فرق بين ميشيل عفلق وبيار الجميل وموسى صبري أو البابا شنودة، كل ما هنالك أن لكل واحد منهم اختصاصه التخريبي في البلاد الإسلامية.

وسبق تدخل الجيش السوري بروز محور طهران دمشق الذي أفرز ما يسمى بإمام المحرومين -موسى الصدرـ، ولعب هذا دورًا تخريبيًا خطيرًا في شق جيش لبنان العربي وانضمام منظمة الأمل إلى الجيش المحتل واستنفار مؤيديه من أجل إبادة الفلسطينيين واللبنانيين الذين لا تربطهم به رابطة.. وصارت قوات المسلمين محاصرة بين إسرائيل من جهة وسورية وطابورها الخامس من جهة والمارون من جهة ثالثة وشنت هذه الجبهات حربًا نفسية واقتصادية وعسكرية وكانت حربًا غير متكافئة فتغير وجه المعركة سقط جسر الباشا وتل الزعتر، وتراجع المسلمون في الشمال وفرض عليهم حصار داخل طرابلس، وهكذا كان الموقف نفسه في الجنوب وضربت مستودعات النفط بمدافع الغزاة.

أما الأنظمة العربية فمنها من كان يتوعد بأنه سيتخذ موقفًا إن سقط تل الزعتر.. وسقط تل الزعتر بصورة تقشعر من هولها الأبدان، وتحدث العالم عن قبر جماعي واحد راح ضحيته ۱۰۰۰ فلسطيني وهتكت الأعراض، وما تحرك نظام واحد ولا اتخذت الجامعة موقفًا يستحق الذكر وبقيت عفالق عفلق مرابطة تتهدد وتتوعد، وناس من الزعماء كانوا يصرحون بين كل فترة وأخرى نحن مع الفلسطينيين نحن مع الحقوق الشرعية لعرب فلسطين.. ولا ندري إن كان هؤلاء يقصدون أنهم مع الفلسطينيين الذين ينجون بأعجوبة من مقصلة المارون والباطنيين.

والحق يقال إن عملية إبادة المسلمين في لبنان كانت تجري تحت مظلة الجامعة العربية، ومؤتمرات وزراء الخارجية ومعاهدات الصلح لم تكن إلا تخديرًا وهروبًا من مواجهة الدول العربية للواقع بإيجابية وجدارة.

وبين كل فترة وأخرى يتداعون لمؤتمر فتتجه إليه أنظار الناس، ويحاط بهالة من الدعاية وأخيرًا ينتهي بالفشل وينتقلون لمؤتمر آخر.

هذا هو ملخص للحرب اللبنانية منذ نشأتها حتى يومنا هذا، والقول بأن سركيس سيوقف المجازر ما هو إلا خداع وتجاهل لأهداف الحرب..

وعلى ضوء هذا الواقع نستطيع أن نحدد أهداف المؤامرة في لبنان على الشكل التالي:

۱ - إن حرب لبنان قامت أولًا لتأديب الفلسطينيين الذين رفضوا الحلول الاستسلامية ورفضوا حتى مجرد السفر إلى جنيف، وما زال الهدف لم يتحقق كاملًا وإن كان الفلسطينيون قد استجاروا بمن أنكروا اتفاقياتهم مع العدو فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار.

والزحف السوري الآن على المناطق الجبلية التي تسيطر عليها القوات الوطنية ما هو إلا محاولة نهائية في قضية لبنان، وقد مهدوا لهذا الزحف بمسرحية -فندق سميراميس-.

۲- تقسيم لبنان إلى دويلات قد تم فعلًا فالبقاع والشمال بأيدي القوات السورية، وجبل لبنان مع الساحل بأيدي المارون، والشوف والجنوب بأيدي الفلسطينيين والدروز، والمسلمون السنة مستضعفون وموزعون بين البقاع والشمال وغرب بيروت.

ومعظمهم غادر لبنان هائمًا على وجهه في أرض الله الواسعة.

٣ - جنوب لبنان لن يستطيع الفلسطينيون أن يعودوا إليه مستقبلًا وهذا الذي كان يخيف إسرائيل بعد أن ضبطت حدودها مع بقية البلاد العربية الأخرى، ومنعت هذه البلاد الفلسطينيين من دخول فلسطين المحتلة عن طريق حدودها.. وبدون شك لعب موسى الصدر دورًا بارزًا في إبعاد الفلسطينيين عن جنوب لبنان..

٤ - من الأمور المتفق عليها.

وجاءت أخبارها متواترة من عدة مصادر أبرزها كتاب موسى شاريت إلى بن غوريون وما قامت به سفارة الاتحاد السوفياتي في بيروت بتسريبه إلى بعض الصحف ونشرته القبس في ٢٨ - ٩ - تقسيم المنطقة إلى أربع دول ومن هذه الدويلات إقامة دولة درزية في الجولان، ودولة إسلامية في الشوف والساحل والجنوب تضم اللبنانيين والفلسطينيين المسلمين.. غير أن هاتين الدولتين لن تتعايشا طويلًا فالشوف منطقة درزية والجولان ستكون بيد الدروز وجبل حوران سكانه من الدروز، والدروز الذين في إسرائيل يعملون في جيش الدفاع الإسرائيلي ويعتمد العدو عليهم وبالتالي، سيعمل الدروز جاهدين من أجل السيطرة على الشوف وجنوب لبنان والجولان وحوران وجبل الدروز وستكون هذه الدولة من أخطر الدويلات في بلاد الشام وسيكون ملك المختارة أشد على المسلمين من سلطات القرداحة وعندئذ ستستمر المآسي وينتقل المسلمون من مقصلة النصيرية إلى مقصلة الدروز. 

٥ - هذه الدويلات صارت واقعًا الآن في لبنان، ومعركة الجبل التي تخوضها سورية ما هي إلا مساندة للمارون لإخراج المسلمين من حدود دولتهم.. لكن هذه الدويلات الطائفية القائمة قد تغلف بغلاف براق يأخذ شكل اتحاد بين الأردن وسورية ولبنان وجزء من الضفة الغربية، وجماهيرنا تستهويها فكرة الوحدة أو الاتحاد وأجهزة الإعلام قد تجعل منها شيئًا مهمًا.

وأخيرًا: هذه هي الأسباب التي من أجلها قامت الحرب اللبنانية، ويستحيل أن تنتهي الحرب دون أن تتحقق هذه النتائج، والزعامة العربية تدرك ذلك تمامًا فإما أن تحدد موقفها من الغزاة الذين يقترفون أبشع أنواع الجرائم ضد المسلمين من اللبنانيين والفلسطينيين أو يتخلوا عما يسمى بمؤتمرات المصالحة والزيارات واللقاءات وهم أعلم الناس أنها ليس أكثر من إعطاء فرصة للمعتدين ليعتدوا وكلمة أخيرة للفلسطينيين: لقد جربتم الغرب والشرق والشمال والجنوب فما وجدتم منهم جميعًا إلا التآمر والتضليل فلا السوفيات أعانوكم وهم قادرون على صد العدوان لو شاءوا بمنع قطع الغيار ووقف شحنات الأسلحة التي توجه ضدكم، ولا العفالقة صنعوا لكم شيئًا... جربوا مرة واحدة أن تعودوا إلى الله عودة صادقة وتعلنوها حربًا إسلامية. وحذار من كمال جنبلاط فهو يستعد ليقوم بالدور نفسه الذي قام به صاحبكم -أبو سليمان- الحاكم الباطني.. وسيجد عزه ومجده في الإمبراطورية الدرزية التي لا تقل خطورة عن النصيرية والمارونية، وأنتم أعلم الناس بإخلاص الدروز لجيش الدفاع الإسرائيلي.

وإنا لنعلم أن أنوفًا ستحمر من كلامنا هذا الذي نقوله، وسنتهم بشتى الاتهامات، لكنها رؤية من سبر غور تاريخ الحركات الباطنية وصلاتها باليهود وشدة عداوتها للإسلام. اللهم فأشهد إنا قد بلغنا وإن هذا الكلام له ما بعده.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

144

الثلاثاء 19-مايو-1970

مجتمعنا - العدد 10

نشر في العدد 11

143

الثلاثاء 26-مايو-1970

وماذا بعد العدوان على لبنان؟

نشر في العدد 296

113

الثلاثاء 20-أبريل-1976

5 ظواهر رئيسية في حرب لبنان