; وأنت، لا تسقط البندقية! | مجلة المجتمع

العنوان وأنت، لا تسقط البندقية!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-نوفمبر-1974

مشاهدات 80

نشر في العدد 226

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 19-نوفمبر-1974

وأنت، لا تسقط البندقية! إلى جانب الاحتلال العسكري لفلسطين، كان العدو يركز جهوده على «القتل» السياسي والإعلامي للقضية، ابتغاء عزلها، ودفنها. من هنا ينبغي النظر إلى طرح القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة، بشيء من الاهتمام، فكل كسب تحرزه القضية في المجالين السياسي والإعلامي يدخل في حساب الكفاح الطويل مع العدو. إن نظرية «العالم كله ضدنا» غير سليمة فالعالم يتأثر في آرائه ومواقفه بمصالحه، وكذلك بالقدرة على التأثير فيه سياسيًّا وإعلاميًّا. إن اليهود قوم غير محبوبين، والكسب الذي أحرزوه في مجال السياسة والإعلام كان نتيجة لنشاطهم الموسع ودأبهم وضغوطهم المتواصلة، وعلاقاتهم المكثفة بالدول والمنظمات والهيئات. والصراع معهم في هذين المجالين جزء من المقاومة وتعبير عن رفض احتلالهم واستعمارهم، ولكن يمكن أن تتحول الظروف المُهيَّأة والمواتية إلى كارثة حقيقية، بمعنى أن يتحول الاهتمام السياسي والإعلامي بالقضية الفلسطينية في الأمم المتحدة إلى فرصة لتصفية القضية وتضليل اتجاهها، وطمس جوهرها. بمعنى أن يكون جذبها إلى دائرة الضوء إعلانا لما كان يعمل بالخفاء والظلام، لا إحياء صادقًا للقضية. والعلن بعد السر خطوة يقدم عليها أناس يظنون أن مرحلة ترويض ضمير الأمة على قبول كل شيء قد نضجت وحان قطافها. كيف يمكن أن تتحول الظروف المواتية إلى كارثة حقيقية وذل مقيم؟ يمكن أن يحدث ذلك بـ «العبط السياسي» الذي يظن «التلميع» إنجازًا عظيمًا. ويمكن أن يحدث ذلك بفرض قيود جديدة على الكفاح الفلسطيني؛ منظمة التحرير الفلسطينية دخلت الأمم المتحدة، وهذا الوضع -يقولون- يحتم عليها الالتزام بتصرفات مسؤولة. والتصرفات المسؤولة هنا هي: الكف عن أي عمل فدائي والامتناع عن أي عمليات فدائية ضد اليهود داخل الأرض المحتلة أو خارجها. فإذا قامت الدولة الفلسطينية -ولو نظريًّا في هذه المرحلة - تضاعفت - يقولون - حتمية الالتزام بتصرفات أدق مسؤولية، أي بتصفية كل «احتمال» من شأنه أن يقوم بأعمال عدائية ضد اليهود؛ وبذلك ينطوي التلميع الإعلامي والسياسي في الأمم المتحدة على أقوى الضمانات، لليهود. ●لقد ألقى السيد «ياسر عرفات» خطبة طويلة في الأمم المتحدة، استعرض فيها موضوعات كثيرة تتعلق بالقضية. ونحن - في هذه المجلة ـ وقفنا طويلًا ولا نزال نقف مع القضية الفلسطينية، وانتقدنا حكامًا وزعماء ظهر منهم التساهل في شأن فلسطين، بيد أنه في نطاق الوقوف مع قضية فلسطين نبدي اليوم ملاحظات على خطاب عرفات في ضوء الموقف بشكل عام، وفي الأفق سؤالان، ينبغي أن نجيب عليهما في البدء ●ماذا تريدون إذًا؟ هل تريدون مكاسب مطلقة دفعة واحدة؟ ●وهل أنتم فلسطينيون أكثر من الفلسطينيين؟ ستطرح هذه الأسئلة في غمرة الأهازيج العاطفية. وجوابنا: ▪أولًا: نحن نعلم أن ليس في السياسة مكاسب مطلقة إما ۱۰۰ %، أو لا شيء على الإطلاق. في نفس الوقت نرفض المكاسب النسبية التي تعطينا جزءًا من حقنا مقابل ضياع باقي الحق. لنأخذ -مثلًا- الدولة الفلسطينية، إن المعادلة المطروحة حول هذه المسألة أن تقوم دولة فلسطينية في شريط من فلسطين، مقابل الإقرار بوجود الاحتلال الصهيوني في باقي فلسطين. هذه المعادلة ليست كسبًا سياسيًّا، وإنما هي لعبة خاسرة تمامًا وكأن هذه اللعبة تقول: إن اليهود أخذوا الضفة الغربية من السلطة الأردنية عام ١٩٦٧ ليسلموها للفلسطينيين، بهدف تصفية القضية نهائيًّا. ▪ثانيًا: الجواب على السؤال الثاني: إننا لا ننظر إلى القضية بهذا المعيار المحدود. القضية، قضية حق وباطل، قضية صراع بين عقيدتين، الإسلام.، واليهودية، قضية عدل وظلم. إن قضية فلسطين اتخذها اليهود مسد خلال الاجتياح العالم العربي – الإسلامي. هدف اليهود الرئيسي هو تدمير عقيدتنا وحضارتنا، وفرض السيادة اليهودية على الإسلام، وكل تفكير يتجاهل هذه الحقائق، إنما هو تفكير ساذج في أحسن الاحتمالات. إن تجريد الصراع من محتواه العقائدي لا يخدم إلا العدو الذي يبني كيانه على معتقد ديني سرًّا وعلانية. ●إن كافة القوى الأصيلة الواعية ذهلت تمامًا حين أعلن السيد ياسر عرفات في الأمم المتحدة قبوله للغزاة اليهود الذين احتلوا فلسطين واستعمروها قبل قيام كيانهم وبعده. هذه التصريحات تعني قبول القوات المسلحة الصهيونية التي قتلت ولا تزال تقتل أبناء فلسطين، وتعني قبول الأحزاب السياسية التي تتبارى في عداء الفلسطينيين والأمة العربية الإسلامية بوجه عام، وتصوغ برامجها السياسية على أساس السيطرة الشاملة على المنطقة وتعني قبول احتلال اليهود لمزارع الفلسطينيين وبيوتهم وحدائقهم. وتعني ذوبان الأقلية الفلسطينية في الأكثرية اليهودية خاصة إذا وضعنا في الحساب ٦٠ ألف يهودي يأتون سنويًّا من الاتحاد «السوفيتي» إلى فلسطين المحتلة، بالإضافة إلى غزاة يهود يأتون من بلاد أخرى. ●وبنفس الذهول قابل الناس كلام «عرفات» عن «الدولة العلمانية الديمقراطية» التي تضم اليهود والمسيحيين والمسلمين -والترتيب مأخوذ من الخطاب- كانت بين يدي عرفات أوسـع وأعظم فرصة لكي يحاضر العالم في التسامح الإسلامي، وإنه في ظل الإسلام عاشت الأقليات النصرانية واليهودية دون أي أذى أو اضطهاد، وأن وجود هذه الأقليات في المجتمعات الإسلامية منذ نزول الرسالة، حتى اليوم لأقوى دليل مادي على أن الإسلام لم يعمل يومًا على إبادة الأقليات أو اضطهادها. وكانت أمامه فرصة واسعة ليقول: إنه في غياب السيادة الإسلامية على الأرض المباركة، تفجر التعصب، وانتشرت الكراهية ودنس الصليبيون ومن بعدهم اليهود بيت المقدس. إن طرح الدولة العلمانية الديمقراطية حل وهمي، فلا المسلمون يرضون بهذا، ولا هو يستطيع أن ينزع من اليهود حماسهم لعقيدتهم، ثم متى كان «أتاتورك» قدوة صالحة حتى يردد «عرفات» شعاراته؛ لقد دمَّر تركيا بعلمانیته، وجعلها مركزًا للقواعد الأجنبية. وطرح الدولة العلمانية يوحي بأن هذه «العلمانية» أكثر تسامحًا من الإسلام. وهذا خطأ فاحش؛ ذلك أن الإسلام مستحيل أن يظلم أحدًا لأنه دين الله، والله تعالى مصدر العدالة المطلقة، والرحمة المطلقة، وطرح الدولة العلمانية يجعل الإسلام والنصرانية واليهودية سواء. وهذا ظلم، وتجاهل الحقائق موضوعية ثابتة؛ فالإسلام وإن كان ينصف أهل الكتاب ولا يكرههم على الدخول فيه إلا أنه هو الدين الحق، والمهيمن. ●وفي خطابه أمام الأمم المتحدة مد يده بغصن الزيتون- تعبيرًا عن الرغبة في السلام ـ وناشد العالم بألا يجعل غصن الزيتون يسقط من يده. ونحن نقول لعرفات: ليس هذا هو المهم، المهم ألا تسقط أنت البندقية من يدك؛ المهم ألا تجعل الأمم المتحدة الطريق الأول والأوحد لتحرير فلسطين. إنه في مرحلة تاريخية معينة تكون الرصاصة أفعل وأبلغ من ألف خطبة طويلة، وفي الحقيقة إننا الآن في هذه المرحلة، وأخوف ما نخافه أن يتحول الكفاح الفلسطيني إلى عمل سياسي دبلوماسي يتيه في سراديب المناورات والتعقيدات؛ إن العالم يحترم القوة، أمس واليوم وغدًا. «اضرب، يحترمك العالم، ابك، يسقطك من حسابه» وأخوف ما نخافه أن يطوي اللاهثون على الحل السلمي فلسطين في استراتيجيتهم؛ فلقد أطلق زعماء عرب، وأطلق «کیسنجر وفورد» -أطلقوا- تصريحات تُجزم بعدم وقوع حرب، بل أن بعض التصريحات أكد بألا حرب بعد اليوم في الشرق الأوسط، وهذه التوقعات معناها المباشر أن الحلول الاستسلامية قد نضجت، وأن عملية الإخراج اقتربت من البروز والعرض. ولا شك أن إلغاء الكفاح المسلح -اعتمادًا على بريق الأمم المتحدة - يخدم هذه الاستراتيجية المتولية يوم الزحف. وعُد يا عرفات- أنت وإخوانك- إلى الإسلام؛ فإنه نعم العقيدة ونعم الجهاد، ونعم الذكاء.
الرابط المختصر :