; رؤية.. شيء اسمه المباني الجاهزة | مجلة المجتمع

العنوان رؤية.. شيء اسمه المباني الجاهزة

الكاتب أحمد محمد عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1975

مشاهدات 94

نشر في العدد 247

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 29-أبريل-1975

لا أدري مدى تقبل المسئولية لما يكتب! إن مبلغ العلم عند الناصح أن يقول الكلمة التي يعتقد أنها تؤدي إلى خير ويرددها لمن يعونها.. حتى إذا أثارت نخوة السامع سارع إلى تنفيذها.. وأدى ما تعنيه.. ولسنا نقول شططًا وإنما نبحث عن الداء ثم ننقله إلى المستشفى لعله يجد علاجاً.. وبذلك يبرأ مجتمعنا مما يحل به من تصدع وتهدم!

لماذا هذه المقدمة؟

منذ زمان وأنا أود الكتابة عن هذا الموضوع.. ولكن تؤخرني عنه شواغل.. وربما لم يكن الوقت مناسباً وفي كثير من الأحيان لا بد أن تردف القول بدليل.. وكانت شمس النهار تقطع الدليل ولا تترك له مكاناً!!

ويوم الثلاثاء الماضي غابت الشمس- ولا أعني بالشمس شيئاً مجازياً- وعند مغيبها حضر الدليل ودخل البيوت وتوسد الوسائد وراح في نوم عميق.. وقبل العصر كانت الرياح تزمجر وتهز الأشجار هزاً.. وتحركت ذرات الغبار المنفعل مع غضب الرياح ولم يبق على الأرض من سواكنها إلا ما لا تستطيع الرياح أن تدفعه معها في ثورتها وكانت قوافل السحاب قادمة.. ثم ما إن أظلم الوقت لشدة تراكمها حتى انهمر المطر وكانت الدنيا قد تحولت من صيف مفاجئ إلى شتاء مفاجئ.. وصحا الناس على تغير الجو.. وكنت أرقب الوضع وأسبح الله عز وجل مع الرعد القاصف الذي يسبح بحمد ربه وأنا أتهيأ للخروج إلى صلاة العصر.. وحال الجو دون ذلك لشدة انهمار المطر.. فشدة اندفاع المياه التي تدفعها الرياح وضربها للجدران والنوافذ كان من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى دخول المياه إلى بعض المنازل..

غير أن ما حدث كان أكبر من ذلك.. بالنسبة «للمباني الجاهزة»!! لا أكتب هذه الكلمة إلا من داخل «المباني الجاهزة» لأنني أقيم فيها... صباحاً ومساء. تضمني بين خباياها وجدران حجرتها ومبانيها.. ولذلك أقول إنني كنت أود الكتابة عنها منذ زمان!!

عندما انهمر المطر وسال.. كانت أكداس كتبي تنام على الأرض.. أرض الغرفة أسرعت فأحكمت إغلاق النافذة الوحيدة في الغرفة.. ولكن المطر لم يكن يريد بطاقة دعوة أو مرسوم استئذان فقد عرف طريقه من أسفل النافذة ومن أعلاها.. وتسلل داخلا إلى غرفتي.. فسارعت لنقل أصحابي من المكان القريب من النافذة إلى مكان آمن.. فالمطر لهم عدو.. كما أنه لنا حميم وصاحب وطيب.. إنهم من شدة خوفهم منه إذا أصابهم.. يفنون فيه!!

عندما تم لي نقل كتبي.. سارعت إلى ما أملك من لحاف فألقيته فوقها وعندي فراش يزيد عن حاجتي ألقيته فوقها.. ولا يزال الفراش ينام على الكتب!!

بعدها نزلت إلى الطابق الأسفل أتفقد المنزل.. فإذا بالماء من كل ناحية وصوب يتدفق.. أحكمت إغلاق النوافذ ولكن المطر كما قلت لا ينتظر.. فدخل كل الغرف المواجهة له شيء أثارني أنني أكتشف نزول الماء دون معرفة المنبع.. محتويات المنزل تتلف وتتعرض لا للبلل وإنما للفساد وبحركة سريعة أجليت كل شيء عن مكانه ونقلته إلى وسط المنزل داخل الصالة.. بعد معاناة.. عرفت أن الماء.. أو المنبع كان من شرخ في وسط الجدار!!

خرجت إلى الشارع.. فإذا به بحر تسبح فيه السيارات كما المنشآت في البحر كالأعلام.. وتحسست الأمر بحرقة وقد خرج الناس من بيوتهم ينظرون الشارع الذي مضى على حفره ما يقارب سنة كاملة، ولم تعد الشركة لتتـم ما فعلت.. وقد أدى عملها بالتالي إلى غرق سيارات الأهالي.. واقتربت من الجيران.. لم أكن صحفياً عندما وقفت معهم.. كنت جاراً يتحسس واقع جاره ويشاركه الوضع الناجم عن زيارة المطر المفاجئة.. كان يقول.. لم يبق في منزلي مكان إلا ودخله المطر.. إنه أتلف متاعي ولوازمي قلت له.. هل تضع المسؤولية على المطر.. إنه يحبنا ولو تأخر لتمنينا مجيئه، أي وقت ولكنه يأتي بعد أن يبعث رسله.. ولا يخبرنا عن عدد من سيزورنا معه!!

قال.. لا أعني المطر.. وإنما أعني المساكن ومن أشرفوا على تصميمها.. ومن تولوا مسئولية بنائها.. ألم يكن في اعتبارهم ما سيكون من حال الجو في تغيره بين شتاء وصيف.. إننا فرحنا عندما حصلنا على مأوى.. ولكننا أيضا أصبنا بخيبة أمل أن نقطن مساكن لا تمنع عنا الماء!!

كنت أتأمل الوضع وأقول: حقا.. إن تصميم المساكن شيء جميل ونظامها نظام ينشرح له الصدر.. لكن -والاستدراك دائماً يستدركنا- أما كان من الخير لو عمد هؤلاء إلى جعل المشروع أكثر دقة.. إنك تذهب إلى من بيدهم الأمر لتعرض عليهم واقع مسكنك- وهم قد أشعروك بذلك من قبل- ثم تتراجع لأن القصة ليست قصتك وحدك.. إنها قصة كل هذه المساكن التي قاموا ببنائها!

عقب أحد الواقفين.. الجار الثالث لمسكننا قال.. ما حدث عندي أكثر طرافة من كل ما تقولون.. توجهنا إليه بأبصارنا وقلوبنا.. وكانت سيارته قد غرقت في الماء حتى منتصفها وهو ينظر إليها ويبتسم.. قال: لقد عرفت كل مداخل الماء إلى المنزل ومساربه.. شيء واحد يحيرني هو نزول الماء من نور الإضاءة!! الماء يسيل على المصباح.. ثم يتوالى سيله.. سارعت فأطفأت كهرباء البيت ثم خرجت أتنسم الأخبار.. كان قلمي في جيبي.. كتمت نفسه حتى إذا تحسست جدران المنزل ثانية وراجعت كتبي.. وجف الماء من الشارع.. جلست في «المباني الجاهزة» لأنقل هذا الخبر!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1443

67

السبت 24-مارس-2001

المجتمع الثقافي(1443)

نشر في العدد 1756

71

السبت 16-يونيو-2007

استراحة.. المجتمع المطر