; رسالة الأخوة.. كونوا عباد الله إخوانًا | مجلة المجتمع

العنوان رسالة الأخوة.. كونوا عباد الله إخوانًا

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر الجمعة 16-مارس-2012

مشاهدات 72

نشر في العدد 1993

نشر في الصفحة 51

الجمعة 16-مارس-2012

من أفضال الله تعالى علينا أنه سبحانه جعلنا من المسلمين، وربطنا بمرجعية عظيمة، ستظل نبراسًا نستضيء به، ومنهلًا نغترف منه قيمنا ومبادئنا إلى يوم الدين، وفي هذا المقال نواصل خواطرنا في رحاب الأخوة ومظاهرها ومعانيها كما تجلت في صدر الإسلام.

لقد أتى رسول اللهﷺ المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا». قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد».. فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: «أرأيت لو أن رجلًا له خيلٌ غرٌ محجلةٌ بين ظهري خيل بهم، ألا يعرف خيله؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذودن رجالٌ عن حوضي، كما يُذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا».

إن الإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة، حيث يشيع الجهل والنقص، والجبن والبخل، والطمع والجشع، ويسيطر على الناس فكر المؤامرة قولًا وفعلًا، ولا يمكن أن يقع مع هذه الأجواء غير الصحية إخاء أو تترعرع محبة.. ولولا أن صحابة الرسولﷺ جبلوا على شمائل نقية، ونفوس عالية، وتمتعوا بفقه عميق، وبصر دقيق، وبصيرة شفافة.. ما سجلت لهم الدنيا هذا التأخي الوثيق في الله عز وجل.

إن الصحابة رضوان الله عليهم قبسوا من رسالة الرسولﷺ، وصحبوه في دعوته، رجالًا يعيشون بالنجدة والوفاء والعطاء والسخاء، والإخاء والفداء، لاسيما أنهﷺ إنسان تبوأ أعلى درجات الإنسانية تجمع فيه ما تفرق في عالم الإنسان كله من أمجاد ومواهب وخبرات، كانﷺ صورة مثلى لأعلى قمة من الكمال البشري، فلا عجب إذا كان صحبه على هداه وهكذا ينبغي أن نكون.

والحب كالنبع الدافق يسيل وحده، ولا يتطلب جهدًا، أو مشقةً، والأخوة لا تفرض بقوانين ومراسيم، وإنما هي عقيدة تخلص الناس من نوازع الأثرة والشح والضعة، فقد سادت الأخوة بين المسلمين الأولين؛ لأنهم ارتفعوا بالإسلام في مناحي حياتهم كلها فكانوا عباد الله إخوانًا، وهكذا يجب أن نكون، ولو كانوا عبيدًا لأنفسهم ما أبقى بعضهم على بعض. 

إن أي مجتمع يريد لنفسه الحياة لا يمكن أن ينهض أو يقوم إلا على أساس من وحدة أبنائه وتساندهم، ولا يمكن لأي من الوحدة والتساند أن يكون دون التآخي والمحبة المتبادلة. 

والتآخي لابد أن يكون مسبوقًا بعقيدة تجمع المؤمنين عليها، ومن هنا كان أساس الأخوة التي جمع الرسول ﷺ أفئدة المؤمنين عليها، قائمًا على العقيدة، كما أن مبدأ التعاون والتناصر بين المؤمنين يقوم على العدل والمساواة.

وإذا كان المجتمع السليم يقوم على أساس من العدل والمساواة، فإن الضمان الضروري والفطري لسلامة سير العدالة وتطبيق المساواة إنما هو التآخي والتواد، والتقارب والتعاطف.

إن وحدة المجتمع الإسلامي، تقوم على ركيزتين أساسيتين، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم، فإذا انهارت واحدة منهما سادت الفرقة واختل الدور:

1-الإيمان والتقوى:

نريد مجتمعًا ورعًا تقيًا مؤمنًا نقيًا، يعرف الحلال فيأتيه، والحرام فيتجنبه، ويعمل في نفسه وقلبه ووجدانه معاني التقوى والإيمان.. والحق أنه كلما أوغل القلب في طريق الإيمان تكشفت له آفاق، وجدت به أشواق، وكلما اقترب بتقواه من الله تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ، وإلى مرتبة وراء ما ارتقى، وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام، وانطلق في مجتمعه طاقة هائلة مرشدة ومعلمة ومنتجة وبانية.

2-الأخوة المعتصمة بحبل الله:

هذه الأخوة المرتبطة بالله نعمة امتن الله بها على الرعيل الأول من المسلمين، وهي نعمة يهبها الله عز وجل لمن يحبهم من عباده دائمًا، وهنا يذكرهم ربهم هذه النعمة، يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية أعداء، وما كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد، وهما الحيان العربيان في يثرب آنذاك، يجاورهما اليهود دعاة العنصرية، الذين كانوا يوقدون نارًا حول هذه العداوة، وينفخون فيها حتى تأكل روابط الحيين جميعًا.

ولكن الله ألف بين القلوب، وما كان ليجمع هذه القلوب المتنافرة والنفوس المتناحرة، إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخوانًا، حيث تتراجع الأحقاد التاريخية، والثارات القبلية والأطماع الشخصية، والرايات العنصرية، ويتجمع الصف تحت لواء الحق، وهذا ما نحتاجه ونتطلع إليه في عصرنا، حيث تنافر القلوب وتنامي البغضاء وتكالب الأقوياء على الضعفاء، وصدق الله العظيم:﴿وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾(الأنفال: 63)، اللهم ارزقنا نعمة الأخوة وألف بين قلوبنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

(*) أستاذ الحديث وعلومه

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل