العنوان أوبك… عملاق مريض إلى أجل غير مسمى!
الكاتب أحمد الأديب
تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1998
مشاهدات 67
نشر في العدد 1330
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 15-ديسمبر-1998
حجة غربية واهية: ارتفاع أسعار النفط يجعل تكاليفه في الدول الصناعية غالية ويضطرها للجوء إلى مصادر بديلة
كانت اجتماعاتها وقراراتها تتصدر نشرات الأخبار المسموعة والمرئية وعناوين الصفحات الأولى من الجرائد والنقاط الرئيسة من جداول أعمال المؤتمرات الدولية، وباتت تلك الاجتماعات تنعقد وتنفض - كما كان مع المؤتمر الوزاري الأخير في فيينا - دون أن تتجاوز أصداء قراراتها حدود الأخبار الهامشية والتعليقات الصحفية والسياسية الأقرب إلى الشماتة منها إلى التحليل والتقويم.
منظمة الأقطار المصدرة للنفط «أوبك» ما تزال صادرات نفطها تغطي زهاء %۳۸ من سوق النفط العالمية، وما يزال الاحتياطي في بلدانها يمثل على الأقل ٧٥% من الاحتياطي المعروف في أنحاء العالم وما يزال قسط ضخم من آلات الغرب يشتغل اعتمادًا على نفطها، وذاك أيضًا شأن عدد كبير من أهل الغرب مع النفط الذي يؤمن الدفء في المنزل والراحة في السيارة، فضلًا عن استحالة الاستغناء عنه في الصناعات الكيماوية وغيرها.. ما الذي تبدل إذن بين عامي ۱۹۷۳م و۱۹۹۸م حتى أصبحت المنظمة عملاقًا مريضًا، مرضه معروف والدواء معروف.. ولكنه لا يشفى ما دام لا يجد بعض أعضائه السهر والحمى -أو التعاون والتضامن والتكامل- عند بقية الأعضاء لا لصالحه فقط بل لصالحهم جميعًا؟
لقد اقترن اجتماع فيينا الوزاري الأخير بأخبار وردت أثناء انعقاده من لندن تقول بهبوط سعر برميل النفط إلى أدنى مستوى له منذ عشرة أعوام وانفض الاجتماع، وواصل سعر النفط هبوطه وبتعبير آخر شهد الاجتماع المذكور جهودًا -والأصح أن الجهود سبقت انعقاده، إذ لم يكن الاجتماع في حد ذاته سوى ساحة للجدال في الدرجة الأولى- وصدرت بصدد المطلوب فيه تصريحات عديدة تؤكد مدى ضرورة وقف التدهور على الأقل، والحفاظ على مستوى الأسعار المتدني على ما هو عليه بعد التراجع عن هدف العمل للارتفاع به إلى حيث ينبغي أن يكون، لا بد من القول إذن إن الاجتماع الوزاري أخفق إخفاقًا ذريعًا، والمفروض عند الإخفاق أن يشعر المسؤولون عند الشدائد بمسؤوليتهم، وما داموا محتفظين بمقاعدهم على كل حال، فلا أقل من العمل على تصحيح الأخطاء كيلا يتكرر الإخفاق، وبالتالي يجب النظر مجددًا فيما صنعه البعض حتى الآن حتى وصل بهم إلى ما هم عليه.
الواقع أن اجتماع فيينا لم يكن مجرد صورة مكررة لما كان قبل ستة أشهر، بل خطا خطوة أخرى إلى الوراء، فعدم اتخاذ قرار لا يعني استمرار تطبيق قرارات سابقة أو عدم التوصل إلى مزيد عليها، بل يعني استمرار عدم الالتزام بتطبيقها، ثم عدم جدوى اتخاذ سواها، رغم الخسائر والأخطار المتفاقمة، ووسط أجواء حافلة بتبادل الاتهامات من جهة، وبحرص كل طرف على منظور المصلحة الذاتية فقط من جهة أخرى.. هذا مع أن المصالح الذاتية والمصالح المشتركة على السواء كانت وما تزال تضيع فعلًا، ولم يعد يكفي القول إنها معرضة للضياع فحسب.
إن ما آل إليه واقع منظمة البلدان المصدرة للنفط يؤكد استحالة إصلاحه عن طريق قرارات آنية، تقتصر النظرة فيها على الظروف المتقلبة للسوق والتعامل معها، لا سيما إذا كانت تلك القرارات الآنية غير قابلة للتطبيق على كل حال أو ليس من ورائها ضمانات كافية لتطبيقها.
العلاج المطلوب لمرض العملاق النفطي هو العلاج الجذري الذي يتناول الأسباب البعيدة عبر ٢٥ عامًا مضت ويضع في حسابه التوقعات المنتظرة فيما لا يقل عن ٢٥ عامًا قادمة، ولم يعد عسيرًا على المتخصصين رؤية هذا وذاك على السواء، وفق النظرة الموضوعية لما كان في الماضي، والبحث المنهجي لاستشراف المستقبل وتقدير المنتظر فيه، ويوجد بالفعل كثير من التقارير الصادرة عن أجهزة المنظمة نفسها ودراسات من وضع أجهزتها وجهات اختصاصية قديرة أخرى من البلدان النفطية وخارج نطاقها بما في ذلك البلدان المستهلكة فتم تشخيص الأسباب وتقدير الدواء، في: بحوث مدعومة بالأرقام والإحصاءات وبالأساليب المنهجية الموضوعية جميع ذلك معروف فأين تكمن علة عدم الأخذ بالعلاج إذن؟ هل هي مجرد مرارة الدواء بالنسبة إلى ميزانيات بعض دول المنظمة؟ أليست المرارة الأشد هي ما تعانيه تلك الميزانيات بسبب الامتناع عن تعاطي الدواء؟.. أم تكمن العلة في عوامل سياسية مرتبطة ببعض القضايا والبلدان، كما هو الحال مع أزمة العراق؟ ولكن لِمَ لا تتحرك المنظمة خارج نطاق هذه الأزمة، ولا سيما أن الإصابة المرضية المذكورة بدأت قبل الغزو العراقي للكويت بسنين عديدة؟
من وجوه الخلل: لا يمكن حصر سائر ظواهر المرض ولا تعداد مختلف أسباب العلاج الممكن، ولكن يمكن الإشارة إلى بعض ما يعتبر عناوين رئيسة لتلك الظواهر والأسباب على وجه التخصيص.
ما أسباب الخلل الناشئ بين جانبين الأصل فيهما هو التوازن، كما أنهما بمثابة المحور للوضع الاقتصادي في أي بلد، أولهما جانب التصدير وعائداته، والثاني جانب الاستيراد ونفقاته؟
بتعبير آخر كانت حصة النفقات الاستهلاكية تلتهم النسبة الأعظم من العائدات -وما تزال- ولا سيما أن القيمة الشرائية لأسعار الواردات الاستهلاكية في ٢٥ سنة مضت تضاعفت أضعافًا مضاعفة مقابل انخفاض القيمة الشرائية لسعر مادة النفط الرئيسة في التصدير إلى أقل من ثلث ما كانت عليه.
أي خبير اقتصادي يمكن أن يقول تجاه هذا الخلل يجب «ترشيد» عملية الاستيراد عبر ترشيد السلوك الاستهلاكي الاجتماعي، لكن أكثر الدول النفطية لا تصنع بل تمضي خطوة أبعد على الطريق الخاطئ، فتستجيب مثلاً للضغوط المتصاعدة فيما يسمى عصر العولمة وتلغي مزيدًا من العقبات الجمركية والتجارية في وجه استيراد المواد الاستهلاكية والكمالية، بينما بقيت الدول الصناعية، وهي التي تمارس تلك الضغوط حريصة على مثل تلك العقبات القائمة داخل حدودها كالرسوم الجمركية، أو كالدعم لسلع معينة وما شابه ذلك، باعتبار أن هدف حماية الاقتصاد الوطني أهم مبادئ التجارة الحرة.
ما أسباب الخلل الذي أدى إلى مضي أكثر من ربع قرن دون أن تنضاف إلى النفط كمصدر رئيس للعائدات مصادر أخرى تصنعها استثمارات إنتاجية، عبر توظيف قسم كاف من تلك العائدات لتحقيقها؟
بتعبير آخر باستثناء حالات محدودة، لم تتجه القطاعات غير الاستهلاكية لصرف العائدات نحو تعديد مصادر الدخل وتنويعها في البلدان المصدرة للنفط، وإيجاد بنية هيكلية اقتصادية ذاتية، ترسخ دعائم الاقتصاد الوطني، وهنا لا ينبغي التضخيم من شأن عائدات تحققها بعض النشاطات التجارية، ما دامت تعتمد على التجارة بالمستورد لا بالإنتاج المحلي، فهذا ما يربطها بالاقتصاد الأجنبي ولا يؤهلها لدعم بنية الاقتصاد الوطني.
ويسري مثل ذلك على عائدات آنية تحققها استثمارات خارج البلاد، فهذه تحقق وفرة مالية مؤقتة فحسب ما دامت لا تنطلق من أرضية اقتصادية ومالية متطورة، ولا تصنع ما تصنعه شركات استثمارية غربية تحرص على الربط المتوازن بين نشاطاتها الإنتاجية في الداخل ونشاطاتها الخارجية المكملة لا سيما من حيث تسويق الإنتاج الذي يحققه الاقتصاد الوطني أو توفير تكاليف الإنتاج الذاتي، وبالتالي توفيره بأسعار أدنى في الأسواق الوطنية.
ولعل الخبير الاقتصادي يقول أمام هذا الخلل يجب اتباع سياسة اقتصادية ومالية تقلص النفقات الإدارية والاستثمارات الخارجية، فضلًا عن الاستيراد الاستهلاكي لصالح نفقات استثمارية إنتاجية محلية وإقليمية مدروسة من حيث جدواها الاقتصادية، ومتكاملة مع سواها في دول الجوار لتربط بين الواقع الاقتصادي الراهن، وبين تطويره مستقبليًّا ربطًا محكمًا وكهدف محوري تقاس عليه سائر القرارات والخطوات الاقتصادية الأخرى وحتى الآن لا تسير أكثر البلدان النفطية في هذا الاتجاه.
أسباب الخلل الذي جعل المناطق النفطية ترتبط بمواقع دولية عديدة ارتباطًا تجاريًّا وماليًّا واقتصاديًّا يفوق أضعافًا مضاعفة ارتباطها العضوي الضروري بالمناطق الإقليمية الأقرب إليها جغرافيًّا وموضوعيًّا ومصلحيًّا.
تجدر الإشارة هنا إلى أن سائر المناطق التي تعتبر مزدهرة أو منظورة اقتصاديًّا، كالاتحاد الأوروبي، لم تسلك سبيل النهوض إلا عبر إعطاء الأولوية المطلقة للاقتصاد الوطني كما سبق الحديث، ثم في مرحلة تالية عبر إعطاء الأولوية لتنمية شبكة العلاقات المباشرة مع دول الجوار، ثم في مرحلة تالية كانت النهضة الإقليمية، هي البوابة الرئيسة للتحرك على المستوى العالمي مع ما ينطوي عليه ذلك من فتح الأسواق بصورة متبادلة بشروط.
ولكن هذه المعادلة الاقتصادية السارية المفعول أصبحت مقلوبة رأسًا على عقب في معظم البلدان العربية والإسلامية، لا البلدان النفطية فقط، وإن كان باستطاعة الأخيرة أكثر من سواها أن تصلح الوضع.
بعض الذين كانوا يحذرون من سياسة نفطية تعتمد على خفض الإنتاج ورفع الأسعار، وسياسة اقتصادية قائمة على إجراءات الحماية بقدر متطلبات التنمية الذاتية، والانفتاح بقدر الحاجة والضرورة كانوا يعملون تحذيرهم بضرورة إحساس الدول المصدرة للنفط بمسؤوليتها العالمية، فلا تسبب في الدول المستهلكة من الاضطرابات ما قد يعرض الاقتصاد العالمي -أي الصناعي الغربي للخطر- وهذه حجة غريبة بمختلف المقاييس والموازين؛ فالمسؤولية العالمية ليست شارعًا باتجاه واحد، ولا تستقيم إلا إذا كان كل من الطرفين المعنيين، وهما هنا الدول المصدرة والمستهلكة، حريصًا على مصلحة الآخر بالمقدار نفسه على الأقل.. إنما كانت الدول الصناعية تتعامل مع الدول النفطية كسواها من الدول النامية، كمصدر للمواد الخام والطاقة بثمن بخس وسوق لتصريف المنتجات الصناعية الضرورية والاستهلاكية والكمالية على السواء بأعلى الأثمان.
وقد سقطت الحجة المذكورة في وقت مبكر نسبيًّا، فلم تعد تتردد إلا من قبيل المجاملات شبه الدبلوماسية ولكن ظهرت مكانها حجج أخرى لتسويق الاقتناع بضرورة الحذر من رفع الأسعار... رغم انخفاض العائدات، والعجز في الميزانيات وتعطيل مشاريع اقتصادية، والاضطرار إلى القروض المالية، ومن تلك الحجج القول إن ارتفاع الأسعار يجعل تكاليف النفط في الدول الصناعية عالية إلى درجة تعزز القدرة على صرف الاستثمارات لصالح مصادر الطاقة البديلة كالريح والشمس وغيرها، فضلاً عن الطاقة النووية، فيكون مصدرو النفط الخاسرين في نهاية المطاف.
وهذه حجة أوهى من خيوط العنكبوت ورغم ذلك ما زالت تتردد إلى اليوم، إن خفض أسعار النفط إلى أدنى مما كانت عليه في مطلع السبعينيات لم يوصل في أي مرحلة من المراحل في ربع قرن مضى إلى انخفاض تكاليفه الاستهلاكية وبالتالي إلى الحد من فاعلية الاستثمارات لصالح مصادر بديلة للطاقة؛ فالضرائب والرسوم التي باتت تمثل في معظم البلدان الصناعية أكثر من ٧٥ من أسعار البيع للمستهلك الأخير، لم تكن تعوض تراجع أسعار البيع الأول لدى البلدان المصدرة فحسب بل تزيد على ذلك.
لقد أصبح التراجع الكبير في عائدات الدول النفطية مدخلًا للسلطات في البلدان المستوردة التأمين ما يكفي من الضرائب والرسوم، والتي تمول يقسط كبير منها الاستثمارات في الميادين الأخرى للطاقة البديلة، أي على النقيض تمامًا مما تقول به الحجة المذكورة الأوهى من خيوط العنكبوت.
والجدير بالتنبيه هنا أنه لا توجد دراسة مستقبلية منهجية تؤكد بصورة مقنعة وجود خطر حقيقى على مكانة النفط كمصدر أول لتوفير الطاقة على امتداد خمسين سنة قادمة على الأقل، وأمام الدول النفطية إذن فترة زمنية كافية لتتحرك شريطة أن يكون التحرك عبر إعادة النظر في السياسات الاقتصادية والمالية المتبعة وما هي التزاماتها عمومًا، ولا يفيد التحرك عبر التقلبات الآلية لأسعار النفط، ولا عبر وسائل تمليها الدول المستوردة دون أن تلتزم بجل ما فيها تحت عناوين «حرية التجارة»، فالحلول الآتية تخفق آجلًا أو عاجلًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل