; هل يصدق زعيم المتمردين هذه المرة أم يواصل المراوغة؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل يصدق زعيم المتمردين هذه المرة أم يواصل المراوغة؟

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1997

مشاهدات 107

نشر في العدد 1273

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 28-أكتوبر-1997

تستعد الحكومة السودانية لخوض جولة مفاوضات مع حركة التمرد التي يقودها جون جارانج اليوم «الثامن والعشرين من أكتوبر الحالي» في عاصمة كينيا «نيروبي» تحت مظلة منظمة الإيقاد الإقليمية، وهي الهيئة الحكومية لمحاربة التصحر، التي تتكون من عشرة دول شرق إفريقية.

وقد أرسلت الحكومة السودانية وفدًا على مستوى عال إلى أثيوبيا يتكون من أحمد إبراهيم الطاهر المستشار القانوني لرئيس الجمهورية، ود. مصطفى عثمان وزير الخارجية لإجراء مباحثات مع السلطات الإثيوبية حول العلاقات الثنائية وقضية الجنوب بين البلدين، كما أرسلت وفدًا رفيع المستوى إلى كل من كينيا وزيمبابوي والكنغو الديمقراطية استمرارًا للجهود المبذولة لإنجاح عملية المفاوضات المرتقبة.

على الجانب الآخر تقوم حركة التمرد بقيادة جون جارانج بتحركات مشبوهة على الحدود السودانية الأريترية، وقد توقعت مصادر عليمة أن يقوم جارانج بهجوم عسكري في جنوب السودان أو شرقه بالاشتراك مع الحشود الأريترية قبالة بعض المناطق الواقعة على الحدود السودانية الشرقية.

في الوقت نفسه تفيد أنباء من القاهرة أن جارانج طلب من الرئيس مبارك مشاركة الحكومة المصرية في مفاوضات الإيقاد كوسيط بين حركة التمرد والحكومة السودانية.

ماذا تحمل الحكومة؟

وماذا تحمل حركة جارانج؟

وإذا قدر لجولة المفاوضات أن تتم فإنها تكون المرة الأولى خلال ثلاث سنوات التي تلتقي فيها وجهًا لوجه حكومة الإنقاذ وحركة جارانج ولو حاولنا أن نستعرض سيناريو المفاوضات فإننا نستطيع أن نؤكد أن المفاوض السوداني سيحمل معه اتفاقية الخرطوم التي تنص على حق تقرير المصير للجنوب بعد فترة انتقالية مدتها أربع سنوات وتستثني الولايات الجنوبية من تطبيق الشريعة الإسلامية، وهي الاتفاقية التي وقعت في إبريل الماضي بين الحكومة وستة من فصائل التمرد التي انشقت عن حركة جارانج.

ومن المتوقع أن يصر رئيس حركة التمرد على اعتماد إعلان المبادئ لدول الإيقاد والذي ينص على أربعة بنود هي:

١- فصل الدين عن الدولة؛ أي علمانية الدولة.

2- حق تقرير المصير للجنوب.

3- عودة التعددية الحزبية.

4- إلغاء الشريعة الإسلامية.

وهي شروط لن يقبلها المفاوض الحكومي إطلاقًا وإن قبلتها الأحزاب الطائفية التقليدية فأجندة جارانج هي أجندة السيد الصادق المهدي والسيد محمد عثمان الميرغني زعيمي حزب الأمة والاتحاد الديمقراطي المتواجدين حاليًا في القاهرة وينسقان مع حركة التمرد.

البحث عن السلام الصعب

البحث عن حل يحقق السلام في السودان ليس أمرًا ميسورًا فقد دامت هذه الحرب أكثر من إحدى وأربعين سنة منذ عام ١٩٥٥م قبل الاستقلال بأربعة أشهر حين بدأت حركة التمرد الأولى، وقد سالت دماء السودانيين طوال هذه السنوات ويذلت محاولات وعقدت جولات للمفاوضات عبر السنين وبواسطة كل الحكومات المتعاقبة، وما أن تصل سلطة مع المتمردين إلى اتفاقية حتى يتمرد آخرون من دونهم يدخلون الغابة، إلى أن جاءت حكومة الإنقاذ ووقعت اتفاقية السلام مع الفصائل المنشقة عن جارانج وتوجت جهودها بمنح حق تقرير المصير.

ويعتقد كثير من الشماليين والجنوبيين أن هذه الاتفاقية أعطت من الحقوق للجنوبيين فوق ما كانوا يطالبون به وأكد جميع زعماء الفصائل السبعة بما فيهم د. لام أكول أن جميع الخلافات التي جعلتهم يحملون السلاح قد حلت بعد توقيع الاتفاقية، ولم يبق خارج الاتفاقية إلا فصيل جون جارانج الذي صار الآن في معزل تمامًا داخليًّا وخارجيًّا بعد أن حسمت الاتفاقية كل القضايا الخلافية والتي كانت تتمثل في اقتسام الثروة- الهوية- الدين والسلطة.

وقد وصف د. لام أكول جون جارانج بأنه شخصية متناقضة؛ إذ إنه في الوقت الذي يقوم فيه بمحاورة الحكومة يتحالف مع المعارضة الشمالية لإسقاطها «الحكومة»، وأكد لام أكول أنه لا داعي للحرب بعد اليوم، بعد أن شملت الاتفاقية كل شيء يتطلع إليه الجنوبيون.

إذا وصل الطرفان فعلًا وجلسا للبحث عن سلام فهناك ملابسات كثيرة تحيط بجو المفاوضات داخلية وإقليمية ودولية، هناك دول الإيقاد بعضها أو أكثرها إن أردنا دقة التعبير لها عداوات مع السودان ولن تكون هذه الدول محايدة، ثم هنالك دول تسمى أصدقاء الإيقاد وهي: أمريكا، كندا، إيطاليا، هولندا، وتقوم هذه الدول من طرف خفي بتوجيه المفاوضات بالطريقة التي تراها وتريدها.

أما أمريكا فإنها لا تخفي عداوتها الظاهرة السافرة للتوجه الإسلامي في السودان منذ أيام الرئيس السابق نميري، وهدفها المعلن هو إسقاط الحكومة الإسلامية الأصولية -على حد تعبيرها- وإحلال حكومة علمانية محلها ترى مصالحها وتسير في ركاب الحل السلمي في منطقة الشرق الأوسط لصالح دولة اليهود في فلسطين المحتلة.

ولأمريكا أهداف أخرى هي إعادة خارطة القارة الإفريقية لبسط سيطرتها وإحلال نفوذها محل النفوذ الفرنسي في وسط إفريقيا والقرن الإفريقي، وهي تطمع في ثروات وموارد هذه البلاد التي لا تنضب.

إن حركة السلام من الداخل قد أربكت حسابات حركة التمرد بقيادة جون جارانج والمعارضة والدول المساندة لها، وكل منها له حساباته الخاصة، وهذه المواقف لهذه الدول وخاصة أمريكا وإسرائيل ستؤثر بالسلب داخل قاعة المفاوضات، ولولا التأثير الدولي والموقف من الإسلام كعقيدة وشريعة ومنهج حياة لتمكن السودانيون بأنفسهم من حل قضاياهم دون تدخل من أحد، كما حدث مع الفصائل الأخرى، ولكن الثابت للجميع أن جارانج لا يملك قراره، ولو تحرر من تأثير النفوذ الخارجي فإنه حتمًا سيصل لحل المشكلة.

الرابط المختصر :