العنوان الهيمنة الأمريكية على المنطقة.. هل تدفع إيران إلى سباق نووي؟
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2003
مشاهدات 47
نشر في العدد 1554
نشر في الصفحة 27
السبت 07-يونيو-2003
الحملة الاستعدائية التي يشنها رموز المحافظين الجدد في وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» وفي الإدارة الأمريكية ضد إيران لا تعبر عن اتجاه أمريكي استجد بعد إسقاط النظام العراقي كما يعتقد الكثيرون، وإنما هي استئناف لجهود منظمة بدأت بعد أحداث 11 سبتمبر، وتجمدت مؤقتاً باندلاع الحرب الأمريكية على العراق.
وبذلك يعتقد بعض المحللين أن التحدي الفعلي للمحافظين الجدد لحماية مصالح «إسرائيل» الحليفة لا يتمركز في إسقاط النظام العراقي السابق، وما كان يشكله من خطر عسكري بدأ العديد من المراقبين يشككون في حجمه الحقيقي، وإنما في تقويض النظام الإيراني، الذي يشكل تهديداً مباشراً لوجود الكيان الصهيوني، ولم يكن العراق سوى «قنطرة» باتجاه تنفيذ المهمة.
ويمكن القول إن حملة المحافظين الجدد ضد إيران بدأت في ٢٠ سبتمبر ۲۰۰۱، أي بعد تسعة أيام فقط من أحداث 11 سبتمبر الشهيرة، عندما طالبت ٤١ شخصية سياسية أمريكية -معظمهم من المحافظين الجدد- الرئيس الأمريكي جورج بوش بضرورة ردع إيران بصورة مباشرة في حال استمرت في دعم جماعة «حزب الله» في لبنان، مع أن غالبية الأنظار كانت تتجه نحو تنظيم «القاعدة».
ولكن أحداث سبتمبر وحالة التوجس والقلق التي سادت الإدارة الأمريكية بعدها وفرت المناخ المطلوب للمحافظين الجدد ولإسرائيل لشن حملة تصفية الحسابات مع الدول التي تهدد «إسرائيل»، وإن لم تكن ذات صلة بأحداث سبتمبر. والمثير أن مطالب الرسالة التي وجهتها هذه الشخصيات للرئيس الأمريكي تم تنفيذها خطوة خطوة، ففيما عدا ما يخص إيران - التي جاء دورها، كما يدل على ذلك المشهد السياسي - أكدت الرسالة أن «الحرب على الإرهاب» يجب أن تشمل غزو أفغانستان، وإزاحة نظام صدام حسين من العراق، وتهميش دور زعيم السلطة الفلسطينية ياسر عرفات (وهو ما نراه ماثلاً بمجيء أبو مازن بديلاً عنه).
وفي أكتوبر من العام نفسه اتسعت الحملة ضد إيران وقادها معهد أمريكان إنتربرايس (AEI)
ومراكز تفكير أخرى تعكس توجهات المحافظين الجدد، وبدأت هذه المراكز تكتب تحليلات ومقالات افتتاحية في صحف أمريكية متعاطفة، كصحيفة «وول ستريت جورنال» محرضة الإدارة الأمريكية على إيران، وتأكد تململ الشعب الإيراني من مساوئ حكم الملالي، وأن حالة التململ لم تعد تفرق بين حكومي «إصلاحي» منتم لتيار الرئيس محمد خاتمي والأجنحة المتشددة الأخرى في الدولة.
وكتب «مايكل ليدين» من معهد أمريكان إنتر برايس في نوفمبر من نفس العام يزعم أن: « الإيرانيين يتربصون بارقة تشجيع من الولايات المتحدة حتى يقوموا بالثورة ضد النظام».
واستمرت الحملة بتنسيق منتظم بين المحافظين الجدد واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة و (إسرائيل)، حتى تمخضت عن تصنيف بوش لإيران ضمن ما أسماه ب «محور الشر» في يناير ۲۰۰۲م، إلا أن الحملة تجمدت بصورة مؤقتة؛ بسبب اندلاع الحرب الأمريكية على العراق، ثم استؤنفت بزخم أكبر منذ تفجيرات الرياض الأخيرة.
وعلى الرغم من ارتفاع صوت المحافظين الجدد وتمركزهم في البنتاجون، يظل هناك انقسام ملحوظ بين هذا التيار والتيار الذي يتمركز في الخارجية الأمريكية ويرى إمكانية تقويض الخطر الإيراني من خلال التفاوض الدبلوماسي والحوار، وليس من خلال الحديث عن سيناريوهات تغيير النظام.
ويعزز من نفوذ هذا التيار ما يقال عن وجود قنوات خلفية وسرية تدير حوارات على مستويات رفيعة بين كل من الولايات المتحدة وإيران، تجعل الحديث عن حرب أمريكية محتملة ضد إيران احتمالاً مستبعداً.
ويعتقد بعض المحللين أن الإدارة الأمريكية تسلك سلوكين متناقضين، أحدهما يؤكد وجود جسور من الحوار بين أمريكا وإيران تبلورت بوضوح أثناء حملات أمريكا على أفغانستان والعراق، وأنه من المهم لهذه الجسور أن تستمر كاستراتيجية لدعم التيار الإصلاحي داخل إيران وتهميش الجناح المحافظ، بينما يسعى السلوك الآخر لحرق هذه الجسور ومد صلات بديلة مع الجماعات التي مازالت تصنف في واشنطن على أنها إرهابية (قوات مجاهدي خلق)؛ لإسقاط النظام ومنح الإيرانيين فرصة أوسع للمشاركة السياسية.
وتنطلق من داخل الإدارة الأمريكية تصريحات مثيرة للجدل؛ لأنها تتسم بالتناقض وعدم وضوح الرؤية.
فمن جانب تنفي الخارجية وجود ما يدل على أن واشنطن غيرت سياستها من إيران، وتشكك الاستخبارات الأمريكية «سي. أي. إيه» في وجود ما يدل على أن إيران تؤوي أعضاء من شبكة تنظيم «القاعدة»، ومن جانب آخر تشي تصريحات وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بنزعة تحرشية واضحة.
ولذلك يدعو التخبط الأمريكي تجاه إيران إلى التخمين بأنه ليس من المستبعد أن يكون لأمريكا أهداف ليس من ضمنها شن حرب فعلية على إيران.
فالانتخابات الرئاسية المقبلة في أمريكا تجعل تورطها في حرب بعد العراق سيناريو مفزعاً للناخب الأمريكي الذي يريد من حكومته اهتماماً أكبر بالشؤون الداخلية.
فما الأجندة الأمريكية المحتملة إذاً غير الحرب؟ من الممكن أن تكون التهديدات الأمريكية رسائل تحذيرية لإيران -بصفتها زعيمة ما تسميه واشنطن ب «محور الشر» في المنطقة - من مغبة مقاومة الصيغة الاستراتيجية الجديدة التي ستفرضها الولايات المتحدة على المنطقة - بما في ذلك ما يتعلق بجهود التسوية العربية - الإسرائيلية وأخطار استمرار إيران في تحالفاتها مع سورية، وتمويل قوى المقاومة الفلسطينية، إن لم يكن تنظيم القاعدة. ويمكن اعتبار التهديدات الأمريكية تأصيلاً لنموذج التعامل الأمريكي مع بقية الدول التي تهدد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بما في ذلك سورية.
ومن جانب آخر، يمكن اعتبار التهديدات الأمريكية لإيران محاولة غير حكيمة من الإدارة الأمريكية لدعم التيار الإصلاحي الذي يتزعمه الرئيس الإيراني محمد خاتمي، والحركات الطلابية والمؤسسات الإعلامية الموالية له، على حساب تهميش التيار المحافظ. وهي محاولة غير حكيمة؛ لأنها تتجاهل موازين القوى داخل إيران، وتنسى أن نفوذ خاتمي لا يمتد تماماً في فضاء السياسة الخارجية والدفاعية في إيران، سيما وأن أجهزة الأمن والجيش والاستخبارات ليست موالية للإصلاحيين تماماً. إضافة إلى أنه من شأن التدخل الأمريكي طرفاً في صراع الأجنحة الإيرانية، إحراج الإصلاحيين أنفسهم، وتصويرهم من جانب المتشددين على أنهم تيار موالٍ ل«الشيطان الأكبر»، وهي تهمة وسط حالة الإحباط مما يجري في الدولة المجاورة، يمكن أن تضر بسمعة التيار الذي تريد الإدارة الأمريكية دعمه.
وإزاء هذا الغموض، وهو نفس الغموض الذي انتاب تصريحات الإدارة الأمريكية حول الأهداف الحقيقية لشن الحرب على العراق، وما إذا كانت لتغيير النظام أم لنزع أسلحته، فإن الإيرانيين في حيرة واضحة ولا يعرفون ما الخطوات التي يجب اتخاذها لوقف حالة التحرش الأمريكي بهم. فهناك شعور بالإحباط والتشاؤم لدى العديد من السياسيين الإيرانيين، حتى ممن يصنفون أنفسهم بالإصلاحيين، من أن أي خطوة سيقومون بها لن تفلح في ردع أمريكا عن نواياها، فيما لو قررت التدخل في شؤون إيران الداخلية.
غالبية الإيرانيين يعتقدون أنهم مستهدفون بصرف النظر عما يمكن أن يقدموه من مبررات وبراهين لتبرئة ساحتهم. من ذلك تأكيدهم أولاً: أنهم لا علاقة استراتيجية لهم بالشيعة في العراق، وأن الشيعة العراقيين لهم خصوصيتهم وأولوياتهم السياسية بعيداً عن الشأن الإيراني وهو ما أكده معظم الشيعة العراقيين أيضاً.
وثانياً: أنهم تخلوا منذ وفاة الإمام الخميني عما عرف بتصدير الثورة إلى بقية الدول المجاورة.
ثالثاً: أنهم ليست لديهم أية مزاعم جغرافية أو تاريخية حيال أي من الدول المحيطة، وبالتالي لا يشكلون خطراً استراتيجياً في المنطقة، كما توهم أمريكا دول المنطقة بذلك.
أما بالنسبة لدعم جماعات المقاومة الفلسطينية كحماس والجهاد الإسلامي، فيؤكدون أن إيران ليست الدولة الوحيدة التي تدعم هذه الجماعات، وإنما تشاركها دول عربية وإسلامية أخرى معروفة.
وأزمة إيران تكمن في الخيارات التي يمكن أن تسلكها كي تكبح جماح الإدارة الأمريكية ضدها. هل من ضمن الخيارات تمتين إيران علاقاتها مع دول مثل سورية ولبنان والهند وروسيا والصين؟ ربما .. لكن المشكلة هي أن إيران لا تشعر أن هذه العلاقات يمكن أن تشكل سياجاً يحميها من النوايا الأمريكية العدوانية.
هل من ضمن الخيارات أن تؤكد إيران أنه لا نوايا لديها لتطوير أسلحة نووية وتنهي عقود تعاملاتها مع روسيا، التي أكدت الدولتان أكثر من مرة أنها تعاملات مدنية وليست عسكرية، وتفتح إيران مناطقها لفرق التفتيش الدولية التابعة لوكالة الطاقة الذرية؟
ربما ... لكن المشكلة في هذه الخيارات أنها لا تقدم ضمانات بأن أمريكا ستكف عن التحرش بإيران؛ لأن مبررات التحرش متغيرة دوماً وغير واضحة أو متبلورة.
فهي تارة تتمركز حول دور إيران المزعوم في إيواء عناصر من «القاعدة» وعدم استعداد إيران للتعاون مع التحقيقات التي تجريها أمريكا في تفجيرات السعودية الأخيرة، وتارة تتمركز في جهود إيران الحثيثة لتطوير برنامج نووي، تحذر إسرائيل من عواقبه خلال سنتين من الآن.
وتارة أخرى تتمركز حول دور إيران المشبوه في دعم جماعات حزب الله وحماس والجهاد.
إن غياب مبررات واضحة لدى الإدارة الأمريكية إزاء إيران، وشعور إيران بأنها مستهدفة -مهما كانت سياسته - يربك النظام الإيراني، ومن الممكن أن يدفعه وسط حالة الارتباك والشعور بالخطر إلى الاتجاه إلى خيار التسلح النووي، وهو خيار محتمل حسب تحليلات سيمون تيسدال من صحيفة «الجارديان» البريطانية، والذي يرى أن تحرش الولايات المتحدة بإيران يجعل إيران تنظر إلى أمريكا على أنها خطر استراتيجي لا بد من ردعه من خلال امتلاك أسلحة الدمار الشامل. ويقول تيسدال: إن ما جرى للعراق سيشكل درساً لإيران لن تنساه؛ لأن أمريكا ما كان لها أن تشن حرباً على العراق لو أن النظام العراقي امتلك أسلحة دمار شامل فعلاً، وبالتالي فإن خلو العراق من هذه الأسلحة هو الذي جرا أمريكا على شن الحرب.
ومع ذلك بالنسبة للإيرانيين، فإن إيران من الممكن أن تتعرض للقصف الأمريكي أيضاً لو ظلت من دون أسلحة دمار شامل.
باختصار... فإن الاستراتيجية الأمريكية في الضرب الوقائي لن تحقق مزاعم أمريكا في القضاء على الإرهاب العالمي، على العكس ستفضي إلى حالة من الخوف والتوجس لدى الأنظمة التي لا تتمتع بعلاقات حسنة مع الولايات المتحدة تدفعها للمسارعة باتجاه التسلح.
وسيكرس هذا الاتجاه نحو التسلح النووي، إلى جانب الخشية من تداعيات الهيمنة الأمريكية، شعور إيران بوضع من التمييز والازدواجية تمثلها حالة الولايات المتحدة وبعض الدول التي تمتلك أسلحة دمار شامل.
ففيما يخص الحالة الأمريكية، فإن أمريكا رفضت ومازالت الانصياع لاتفاقيات نزع التسلح النووي، ومازالت ماضية في تأسيس شبكتها الدفاعية الضخمة التي أثارت جدلاً واسعاً في بداية مجيء بوش للإدارة الأمريكية، لكنها الآن طي الكتمان والسرية والتعتيم الإعلامي، وقد دلت استراتيجية الدفاع الأمريكية المنشورة في تقارير
صدرت عن الإدارة الأمريكية مؤخراً، على أن أمريكا ستتبنى خيار التسلح النشط وغير المقيد بحدود، على اعتبار أنه الخيار الذي تتطلبه مرحلة ما بعد أحداث سبتمبر ٢٠٠١م.
وكشفت الاستراتيجية أن الإدارة الأمريكية وافقت تحت ضغوط البنتاجون على تخصيص ٤٠٠ بليون دولار من ميزانيتها للشؤون العسكرية بما في ذلك نفقات التسلح النووي.
وإضافة إلى الحالة الأمريكية، هناك كوريا الشمالية والهند وباكستان و«إسرائيل» التي تشكل خطراً إقليمياً على الأمن الإيراني.
هذا التخبط في السياسة الأمريكية، إضافة إلى شعور إيران بأنها مستهدفة من المرجح أن يحفز النظام الإيراني لامتلاك أسلحة دمار شامل، ويدخل المنطقة مجدداً في حالة من سباق التسلح الخطر.