العنوان ابن المقفع.. وبراءته من الزندقة
الكاتب وائل حافظ خلف
تاريخ النشر الجمعة 24-فبراير-2012
مشاهدات 63
نشر في العدد 1990
نشر في الصفحة 48
الجمعة 24-فبراير-2012
كان مجوسيًا من أهل فارس ويسمي «روزبة ابن داذويه» وأسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح والمنصور.
كان عبد الله بن المقفع مجوسيا من أهل فارس، وكان يسمى «روزبة ابن داذويه»، وأسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح والمنصور، وأطلقوا على أبيه المقفع - بفتح الفاء - لأن الحجاج ابن يوسف الثقفي كان قد استعمله على الخراج، فخان، فعاقبه حتى تقفعت يداه.
وقيل: بل هو المقفع - بكسر الفاء - نُسب إلى بيع القفاع وهي من الجريد كالمقاطف بلا آذان.
وقد مات مقتولاً، واختلفوا في سبب مقتله والطريقة التي قتل بها وفي سنة وفاته أيضاً، ومهما يكن من أمر، فإنا لا نسلم أبداً لمن قال إنه قتل على الزندقة وأستدل بما أورده العلامة ابن كثير في «البداية والنهاية» (ج۱۰، ص۷۸) عن المهدي قال: «ما وجد كتاب زندقة إلا وأصله من ابن المقفع ومطيع بن إياس ويحيى بن زياد»، قالوا: ونسي الجاحظ، وهو رابعهم»، أ. هـ.
نقول: أما «فلان» وأمثاله مِنَ الحَوَاقْ فعسى، وأما ابن المقفع فلا؛ فكتُبُهُ بين أيدينا!
وليت شعري كيف ساغ لفلان وفلان وفلان ممن ترجموا للرجل أن يجزموا بذلك، وكلهم قد صَفَرَت يَدُهُ من البرهان؟ إ، هي إلا تهمة تناقلوها بدون بيان.
إن بلية عظمى وقع فيها كثير من المؤرخين؛ وهي أنه قد يطير رجل مقالة ليس لها نجم في رجل آخر، لسبب ما، ولهوى النفوس سَرِيرَةٌ لا تُعْلَم، فيتلقاها ثالث فيثبتها في كتاب دون أن يتبصر، ثم ينقلها عنه آخرون ويزيدون فيها وينقصون وهكذا حتى تصير كأنها واقع ما له من دافع وتستقر، والرجل منها بريء؛ فتكون في حياته المضيئة كالسن الشاغية بين أخواتها (1).
فإذا سأل سائل: ما مصدر تلقي الذي سمع المقالة الخلف أولا؟ أهو الحس؟ أم أن الأمر كما قال الله: ﴿إِذ تَلَقَّونَهُۥ بِأَلسِنَتِكُم وَتَقُولُونَ بِأَفوَاهِكُم مَّا لَيسَ لَكُم بِهِۦ عِلم وَتَحسَبُونَهُۥ هَيِّنا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيم ﴾ (النور:15)، فإذا بالقوم يردون ويشغبون: قد رماه بها فلان وفلان!
فنقول: فلان وفلان حتى لو عددتم ألفاً إنما أخذوا عن واحد، فلننظر في أمره، فإن لم يسمع ولم ير، ولم يك مصدر تلقيه للخبر الحس، فلا يثبت بقوله شيء، ويجب حينئذ أن يُلْقَى قوله دَبِّرَ الآذان؛ فلن يعدو أن يكون كذبًا محضاً.
ولذلك اشترط علماء الحديث في الخبر المتواتر، إذ قالوا: «إنه خبر جمع يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب عن محسوس» (۲).
فقد يكون الرواة جمًا غفيرًا، ويستحيل أن يتواطؤا على الكذب، ولكن بفقد القيد الأخير «عن محسوس» يروج الكذب ويسحبه الناس خبرًا متواترًا.
ذكر الحافظ أبن عدي (3) في ترجمة الإمام العلم المفرد أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، أن مولاه يزيد بن عطاء كان قد فوض إليه التجارة، فجاءه سائل، فقال له: أعطني درهمين لأنفعك فأعطاه، فدار السائل على رؤساء البصرة عطاء فقد أعتق فقال: بكروا على يزيد بن أبا عوانة فاجتمع إليه الناس، فأنف من أن ينكر حديثه، وأعتقه حقيقة فأنت ترى أن الجمع الغفير قد رووا الخبر وصدقوه وأصله كذب، فهل صار بهذا ثابتا متواترًا؟
فينبغي للإنسان أن يتحرى قبل أن يتكلم، لاسيما في أمر كالذي معنا، وهو اتهام رجل في دينه، فعلى مثل الشمس فاشهد أو دع.
وكما قال ابن خلدون: «الناقد البصير قسطاس نفسه» (4)، وقال: «الناقد البصير قسطاس نظره، وميزان بحثه وملتمسه» (5).
واعلم أن الأفاضل قد تجري على ألسنتهم الفرية دون قصد منهم ثقة في نقل من قبلهم بعد أن أغفلوا الحس.
وأسوق مثالاً واحداً وأكتفي به لضيق المقام، يتعلق بأمر اتهام ابن المقفع بالزندقة.
فقد ذكر إمام الحرمين أبو المعالي الجويني في أواخر كتابه «الشامل في الأصول»، قال:
«قد ذكرت طائفة من الثقات المعتنين بالبحث عن البواطن أن الحلاج والجبائي القرمطي وابن المقفع تواصوا على قلب الدول، وإفساد المملكة، واستعطاف القلوب وارتاد كل واحد منهم قطراً.
فقطن الحلاج في الأحساء.. وتوغل ابن المقفع في أطراف بلاد الترك.. وقطن الحلاج ببغداد؛ فحكم عليه صاحباه بالهلكة والقصور عن بلوغ الأمنية؛ لبعد أهل بغداد عن الانخداع، وتوقر فطنهم، وصدق فراستهم». انتهى.
وأنت إذا وقفت على هذا النص لا بد مثبت ما فيه بادي الرأي فالجويني إمام كبير، وقد نقل عن الأثبات.
لكن اسمع كلام محقق خریت:
قال العلامة أبو الفرج ابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ) في «صيد الخاطر» بعد أن أورد كلام الجويني الآنف الذكر:
«ولو أن هذا الرجل - يعني أبا المعالي أو من حكى عنه عرف التاريخ لعلم أن الحلاج لم يدرك ابن المقفع؛ فإن ابن المقفع أمر بقتله المنصور، فقتل في سنة أربع وأربعين ومائة.. وأبو سعيد الجبائي القرمطي ظهر في سنة ست وثمانين ومائتين، والحلاج قتل سنة تسع وثلاثمائة؛ فزمان القرمطي والحلاج متقاربان؛ فأما ابن المقفع فكلا»
الهوامش
(۱) السن الشاغية: هي الزائدة على الأسنان، وهي التي تُخالف نبتَتُها نَبْتَةً غيرها من الأسنان يقال: رَجُلٌ أَشْغَى، وامرأة شَغْوَاءُ، كذا في «الصحاح للجوهري، وانظر «لسان العرب» «شغا»، ١٤١/٥ - ١٤٢، ط. دار الحديث بالقاهرة.
(۲) نقله الكتاني في نظم المتناثر من الحديث المتواتر»، ص ۱۲، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(۳) انظر «تهذيب التهذيب» للحافظ ابن حجر العسقلاني ج6، ص۷۷، ترجمة رقم ٨٧٥٠، ط. دار إحياء التراث العربي.
(٤) «مقدمة ابن خلدون»، ص۸، ط. دار العقيدة بالإسكندرية، بتخريجي.
(٥) المرجع السابق، ص ۲۷.