العنوان طريق الأمناء لتحقيق الوفاء.. الوفاء معلم عظيم من معالم دعوة الإسلام
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1995
مشاهدات 62
نشر في العدد 1180
نشر في الصفحة 53
الثلاثاء 19-ديسمبر-1995
إننا نود في هذه الدراسة أن تكون تذكرة للناس تعيدهم للتخلق بخلق الإسلام، وتعيد للوفاء سيرته الأولى يوم أن كان معلمًا عظيمًا من معالم دعوة الإسلام، ولو كان من أقل الناس شأنًا «فالمؤمنون يسعى بذمتهم» «أدناهم قد أجرنا من أجرت يا أم هاني» فكان الوفاء متحققًا من الناس جميعًا، وكان الوفاء يتحقق في كل شئون الأمة في الحرب والسلم، وفي كل أحوالها في الغنى والفقر والقوة والضعف، والسعة والضيق.
وكان الوفاء شائعًا في حياة الأفراد، فعمت حياتهم الثقة، وصارت الكلمة عندهم قانونًا نافذ المفعول، سجلت أم لم تسجل شهد عليها الناس أو لم يشهدوا «فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه». نود للوفاء أن يكون طابع حياتنا كلها بيننا وبين الله سبحانه وبيننا وبين دين الله، وبيننا وبين المسلمين، بل وبيننا وبين غير المسلمين نود للوفاء أن يكون رائد العاملين في أدائهم لعملهم، ورائد أرباب المال في دفع الأجور، ورائد الدعاة إلى الله في دعوتهم، ورائد الجنود في دفاعهم عن البلاد، ورائد أصحاب النفوذ في تحريهم لمصلحة العباد والبلاد، ورائد كل صلة تقوم بين الأفراد أو بين الجماعات أو بين الدول، ليستريح الناس من نكبات القدر وويلات الخيانة، وظلام الظلم والبغي.
معنى الوفاء
الوفاء يكون بمعنى التمام يقال وفي الشيء بمعنى: تم ويكون بمعنى: الكثرة يقال وفي ريش الجناح بمعنى كثر، ويكون بمعنى: العمل بما اتفق عليه، يقال وفى فلان بعهده: أي عمل به. (المعجم الوسيط ص ١٠٤٧) وعلى ذلك يكون الوفاء في اللغة: هو العمل بما التزم به الإنسان واتفق عليه عملًا تامًا لا يلحقه نقص في أي جانب من جوانبه.
والوفاء في المفهوم الإسلامي يقتضي وجوب العمل بما عاهد الإنسان نفسه عليه مما لا يخالف شرع الله سواء أكان هذا العهد بينه وبين الخالق، أو بينه وبين المخلوقين مؤمنين أو غير مؤمنين في القول والفعل، وأداء هذا العمل على النحو الأمثل الذي يحبه الله ويرضاه.
الوفاء بالعهد مشروط بموافقة الشرع
لا وفاء في باطل، لأنه لا عهد في معصية، ولا حلف على منكر، إذ لا يكون إلا على ما أقره الله وارتضاه والله لا يأمر إلا بالخير ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾) الأعراف:٢٨)
فالذين يعاهدون على ما يخالف دين الله لا يجب عليهم الوفاء، بل يجب عليهم من الأصل ألا يكون عهد على ذلك، فإن حدث عهد على باطل فالنقص أولى والعودة إلى شرع الله أوفى مع تحمل ما يكون من جراء نقض هذا الباطل وعدم الوفاء به، فعدم الوفاء في تلك الحالة هو ما يوافق الشرع، فمن عاهد على شيء من المأثم فليس عليه إن هو نقض بل عليه الملام والإثم إن هو وفي والدين الإسلامي لا يقصر الوفاء على المؤمن فقط، ولا يجعله خاصًا بالصالحين من المؤمنين وحدهم بل يتعداهم لكل فرد مؤمن أو غير مؤمن صالح أو غير صالح، ما دام الوفاء لا يتجاوز الحق الذي أمر الله به فلا وفاء في جور، ولا وفاء في ظلم، ولا وفاء في تجاوز لحدود الله، ولا وفاء في الإثم والعدوان والكذب والزور والبهتان، وكل ما خالف شرع الله لا وفاء فيه لقول الرسول: «ولا نذر في معصية» ولقوله :«من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه»، فإذا حلف إنسان على ترك شيء مثلًا ، ثم رأى أن في فعله خيرًا فله أن يكفر عن يمينه ويفعل ما هو خير، فأولى بمن عاهد على منكر ألا يفي به ولا إثم عليه، بل الإثم إن وفي بعهد في هذه الحالة.
وكل خلق إسلامي مقيد بهذا القيد، لا يخرج عنه أبدًا، ولو خرج عنه لأصبح مرتبطًا بالأهواء التي بها يكون الانحراف والضلال، ونعوذ بالله من أن تتبع أمرًا أو شيئًا أو خلقًا مخالفًا لتعاليم الإسلام، وهدي الرحمن.
وقد أكد هذا المعنى كل الباحثين الإسلاميين في القديم والحديث لم يشذ منهم أحد، لأن كل خروج عن شريعة الله ضلال مبين، فكيف تلزم أحدًا بأن يفي بالضلال، وأن يترك الحق والهدي والإرشاد.
يقول الشيخ «محمد الغزالي»: «ومناط الوفاء والبر أن يتعلق الأمر بالحق والخير وإلا فلا عهد في عصيان ولا يمين في مأثم، ومن ثم فلا تعهد إلا بمعروف»، فإذا وثق الإنسان عهدًا بمعروف فليصرف همته في إمضائه، ما دامت فيه عين تطرف، وليعلم أن منطق الرجولة وهدي اليقين لا يتركان له مجالا للتردد والانثناء «خلق المسلم: للغزالي ص٥٤ بتصرف»
وليس يحتج هنا بعموم الوفاء بالعقود في الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. (المائدة:١)
فيفهم بعض الناس من هذا العموم وجوب الوفاء سواء أكانت في حق أم في باطل، فهذا فهم مغلوط لا يتمشى مع الأصول الشرعية القائمة على العدل والقسط ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾. (الأعراف:٢٩)
وتفسير ابن عباس لقول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ﴾، يحمل هذا المعنى، قال ابن عباس أوفوا بالعقود، «معناه بما أحل وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء»، وكذلك قال مجاهد وغيره وقال ابن شهاب: «قرأت كتاب رسول الله الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِين﴾ (آل عمران :١٣٨)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ﴾، فكتب الآيات فيها إلى قوله إن الله سريع الحساب»، وقال الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب قال صلي الله عليه وسلم «المؤمنون عند شروطهم، قال: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرطة» فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي دين الله، فإن ظهر فيها ما يخالف رد.
كما قال له: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (الجامع الأحكام القرآن للقرطبي ج1 ص ٣٢- ٣٣).
وفي ارتباط الوفاء بالحق والخير أمثلة عديدة تمسك فيها أصحاب العهد بالحق، وإن خالف هوى النفس، وخالف رغبة الناس فالحق أحب إلى الأوفياء والمسلمين من إخوانهم وأصدقائهم، وذوي قرابتهم، لأن الحق هو ما ينبغي أن يتبعه الناس، وفيه يكون الوفاء وبغيره لا عهد ولا وفاء، وهناك أمثلة عديدة على ذلك نختار لك بعضها في الحلقة القادمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل