العنوان هكذا كان صلى الله عليه وسلم يحيي رمضان
الكاتب عاطف أبو السعود
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2003
مشاهدات 70
نشر في العدد 1575
نشر في الصفحة 54
السبت 01-نوفمبر-2003
هكذا كان صلى الله عليه وسلم يحيي رمضان
الحياة الحقيقية أن تعيش مع الله.. والسعادة الدائمة أن تسافر بقلبك إلى رحابه
- من الناس من يهتم في رمضان بعدد الختمات.. لكن غذاء الروح ومدد اليقين وماء الإيمان لا يحصل إلا بتدبر القرآن ومعايشته.
النبي المصطفى والرسول المجتبى صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى لكل مسلم، والقدوة الأسمى لكل مؤمن: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (الأحزاب: ١). قوله صدق ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣- ٤)، وفعله طيب، وهو مبارك أينما حل وارتحل، زكاه الله ظاهرًا وباطنًا، وامتدح أخلاقه وأفعاله وأقواله. فإذا علم هذا.. كان حريًا بكل مؤمن صادق في حبه للنبي ﷺ أن يتبع خطاه وأن يسير على نهجه وأن يقتفي أثره، فهو قائد كل مؤمن إلى الجنة. فما أعظم ربح من اتبع أقواله واقتدى بفعاله ونسج على منواله، وما أشد خسارة من تنكر لشريعته، وجحد سنته وأعرض عن طريقته صلى الله عليه وسلم.
إذا عُلم ذلك اشتد شوقنا وعظمت رغبتنا في أن نعيش معه صلى الله عليه وسلم في رمضان وفي غير رمضان... ولعل رمضان بما فيه من نفحات ومنح يعد فرصة قوية، ومعينًا كبيرًا- بعد الله- على تحقيق هذا الأمل فلننظر إلى هديه صلى الله عليه وسلم وإلى هدي أصحابه الأبرار، وسلف الأمة الأخيار في هذا الشهر، كيف صاموه وقاموه وكيف قضوا أوقاته، وكيف عاشوا ساعاته، وفيما يلي بعض هديه، وما كان عليه ﷺ في رمضان.
أولاً: الجود والكرم
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن فلَرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة». (متفق عليه) وهكذا كان صلى الله عليه وسلم جوادًا كريمًا سائر حياته، وكان أكثر جودًا وكرمًا وعطاء في رمضان. فكان لا يرد سائلاً، ولا يمنع محتاجًا، مستجيبًا في ذلك لتأديب ربه تعالى إياه: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (الضحى: ٩- ١٠).
وما كان صلى الله عليه وسلم يقول لأحد «لا» قط.
إذن أكبر معالم سيرته وهديه صلى الله عليه وسلم في رمضان: الجود والإعطاء والإنفاق والبذل والسخاء، حتى الثياب التي عليه إذا سئل أعطاها.
ففي حديث سهل بن سعد، الصحيح، قال: «نسجت امرأة للرسول صلى الله عليه وسلم ثوبًا فلبسه محتاجًا إليه فخرج به إلى أصحابه، فرآه رجل فقال: يا رسول الله ما أجمل هذا الثوب! أكسنيه يا رسول الله، فقال الصحابة لهذا الرجل صنع الله بك وصنع وفعل الله بك وفعل (كناية عن توبيخهم إياه)، لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليه فجئت فسألته وهو لا يمنع أحدًا شيئًا، فلما أعطاه الله إياه، قال الرجل أرجو أن يكون هذا الثوب كفنًا لي، فكفن فيه.
وهكذا فقد طبق الرسول ﷺ وهو الأسوة والقدوة قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩).
فهل جربت- أخي المسلم- مرة أن تعطي أحدًا شيئًا أنت في حاجة إليه؟ وهل أنت واثق أن الله سيخلف عليك بالخير؟ ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: ٣٩).
ثانيًا: مصاحبة القرآن
ومن المعالم الأخرى في حياته صلى الله عليه وسلم وحياة أصحابه في رمضان، مصاحبته للقرآن العظيم. وعيشه معه وتدارسه لآياته مع جبريل عليه السلام، ولمَ لا؟ وهذا الشهر هو شهر القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185).
وقد أخذ القرآن الحظ الأوفى والدقائق الغالية والساعات الثمينة من حياته صلى الله عليه وسلم فهو معجزته الكبرى الخالدة وهو نور وهداية للعالمين أمره الله تعالى أن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، وقال سبحانه: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ (المزمل: ٤).
ولم يكن صلى الله عليه وسلم تاليًا للقرآن بلسانه فحسب- حاشا وكلا وهو الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه- بل كان ينعكس القرآن على سلوكه وجوارحه في ليله ونهاره، في إقامته وأسفاره في غضبه وعند رضاه في سره وفي علانيته، ولذا سئلت عائشة رضي الله عنها – كما في صحيح مسلم – عن خلقه عليه السلام فقالت: «كان خلقه القرآن».
وتجاربه مع القرآن وتفاعله مع آياته معلوم عنه ومشهور، فكان في قيامه، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، أو استغفار استغفر، أو دعاء دعا.
ولما قرأ عليه ابن مسعود كما في الصحيحين من سورة النساء، ووصل إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (النساء: ٤١)، قال له صلى الله عليه وسلم: «حسبك الآن»، وإذا عيناه تذرفان، لقد تأثر الحبيب بكلام حبيبه سبحانه الذي أنزله والذي تكلم به من فوق سبع سماوات، وتذكر هذا الموقف وهوله وشدته، وأشفق على أمته، فبكى صلى الله عليه وسلم.
وهكذا شأن المؤمن مع القرآن: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: ٢).
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: ٢٣)
إنه لا يتأثر بالقرآن ولا يقشعر جلده عند سماعه إلا الذين يخشون ربهم تعالى ويخافونه وحينئذ يمن الله عليهم بالطمأنينة والسكينة، فتلين جلودهم وقلوبهم وتطمئن وتسعد: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨).
ولا يتأثر بالقرآن حق التأثر إلا من صفا قلبه من مشاغل الدنيا وتطهرت نفسه من شهواتها..... يقول عثمان رضي الله عنه: «لو طهرت القلوب ما شبعت من كلام الله تعالى».
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره، أن الرسول صلى الله عليه وسلم ربما خرج في بعض الليالي ليستمع القرآن في بيوت الأنصار، يوم كانت تنار بيوت الصحابة بالقرآن، يوم كانوا يعيشون ساعات الليل بالقرآن ينفقونها في تدبر آيات الله الواحد الديان، يوم كانوا يعيشون الله ليلاً ونهاراً، رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار، وقد خرج ﷺ ذات يوم فسمع امرأة عجوزًا تقرأ سورة الغاشية، وتردد آياتها وتبكي ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فأخذ يبكي ﷺ ويقول: «نعم أتاني.. نعم أتاني».
إلى هذا الحد- بل وأكثر- كان تأثره صلى الله عليه وسلم بالقرآن وتفاعله معه وتجاوبه مع آياته، والقلوب إذا تفتحت استجابت لهذا الهدى السماوي، كما تستجيب الأرض الطيبة للماء فتنبت الخير الكثير ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ (محمد: ٢٤).
ولقد رأى بعض السلف- رضوان الله عليهم- أن شهر رمضان ينبغي أن يخصص لتلاوة القرآن وتدبره، ولا يشتغل المسلم بغيره، مهما كان العلم فاضلاً، وورد عن الإمام مالك بن أنس رضي الله عنهما: أنه كان إذا دخل رمضان ترك الفتيا والتدريس والحديث، وأخذ يقرأ كتاب الله ويقول: هذا شهر القرآن، هذا شهر القرآن.
وذكر ابن حجر أن الإمام البخاري ختم القرآن في رمضان ستين ختمة: ختمة بالليل وختمة بالنهار... وأورد ذلك لهدف واحد، هو الدلالة على شدة اعتناء السلف- رضوان الله عليهم- بالقرآن في رمضان.
وإذا لم يلتذ المؤمن بقراءة القرآن في رمضان ويكثر من تلاوته فيه ويختمه أكثر من مرة، فمتى يفعل ذلك؟
ثالثًا: الاجتهاد في قيام الليل
كان المصطفى صلى الله عليه وسلم قوامًا لله كثير التهجد والذكر والبكاء والدعاء لله تعالى، قال له ربه سبحانه: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (المدثر: ٢)، ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (المزمل: ٢)، فقام ﷺ ثلاثًا وعشرين سنة، ولم يقعد بعدها، ولم يسترح. وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. وهو القائل صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».
وروى ابن مردويه- وأورد ذلك كثير من المفسرين بأسانيدهم- أن بلالاً- رضي الله عنه- مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم سحرًا، يؤذنه بصلاة الفجر، فسمعه يقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: ١٩٠- ١٩١) وبعد أن فرغ من صلاته قال لبلال رضي الله عنه وهو يبكي: «لقد نزل علي الليلة قوله تعالى... ثم تلا الآيات السابقة ثم قال له ويل لمن قرأها ولم يتدبرها».
وهكذا... كان صلى الله عليه وسلم إذا جن عليه الليل في رمضان وغيره قام متبتلاً لله سبحانه وتعالى... وما أعظم قيام الليل، خاصة في رمضان، وما أعظم السجدات، وخصوصًا في رمضان وما أحسن التبتل والدعاء والبكاء والإنابة إلى الله لا سيما في رمضان:
قلت لليل هل بجوفك سر
عامر بالحديث والأسرار
قال لم ألق في حياتي حديثًا
كسجود الأبرار في الأسحار
وقيام الليل، لما تركته الأمة الإسلامية – إلا من رحم الله – ذبل في صدورها الإيمان وضعف اليقين، وعاش جيل فيه تهاون وكسل وقعود ودعة وحب للدنيا وإخلاد إلى الأرض، إلا من رحمه الله ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: ١٣).
والذي ينبغي للمسلم – الذي يريد أن يصلح نفسه – أن يكثر من تلاوة القرآن وصلاة الليل، فإن هذا الشهر شهر تجديد للروح وتزكية للنفس، وزيادة للإيمان وفرصة ثمينة لا تتعوض أبد الدهر، وشهر توبة وعتق من النار.
عدد ركعات قيامه صلى الله عليه وسلم: أما عن عدد رکعات قيامه ﷺ فقد كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، كما روت عائشة رضي الله عنها: «كان صلى الله عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة.. يصلي أربعًا فلا تسأل عن طولهن وحسنهن...» الحديث.
كان يصلي إحدى عشرة ركعة، ولكن الركعة الواحدة تعدل، بل ربما تزيد على آلاف الركعات من ركعات كثير من الناس اليوم، يقف في الركعة الواحدة أمدًا طويلاً يناجي ربه ويتدبر كلامه، ويحيي روحه ويتدبر القرآن يبكي ويناجي، ويسأل ويسجد طويلاً ويركع طويلاً، فتصبح الركعة حسنة جداً متقنة، ما أحسن منها، والله يقول ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: 2)، ولم يقل: أكثر عملاً.
التجويد أفضل من التكثير: وعلى هذا فالعمل في صلاة القيام، أو في الإسلام على وجه العموم، يعتبر بكيفه لا بكمه والتجويد أفضل من التكثير بلا جودة حتى في التلاوة، فلا يُهذرم القرآن – أي يقرؤه بسرعة بغير تدبر- فيضيع معانيه وحروفه على حساب الختم، إذ المقصود التدبر والمعايشة للمعاني، ورب آية واحدة سمعها مسلم بتدبر وإعمال فكر أفضل من سماعه عشرات بل مئات الآيات وقلبه غافل وفكره شارد.
وإن من الناس من يختم القرآن في رمضان مرة، ولكن يا لها من ختمة، ما أحسنها وما أجودها، يعالج فيها نفسه بكلام الله، ويداوي جراحات قلبه بكلام مولاه، فيكون للقرآن أثر في قلبه وسلوكه.
وأناس آخرون يقرؤون فيختمون كثيرًا لكن مقصودهم الأجر، فهم مأجورون إن شاء الله لكن غذاء الروح ومدد اليقين وماء الإيمان، لا يحصل إلا بالتدبر ومعايشة القرآن.
رابعًا: الإكثار من الذكر والتبتل والاستغفار والمناجاة:
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أيضًا الإكثار من الذكر والتبتل والاستغفار والمناجاة خاصة في معتكفه في العشر الأواخر، حيث يشد المئزر ويجد ويجتهد ويوقظ أهله، ذلكم أن الذكر حياة القلوب وغذاء الأرواح، وربما هذا كان سببًا في أنه كان صلى الله عليه وسلم يواصل في صومه، وينهى أصحابه عن الوصال، قال: «إني لست كهيئتكم إني أبيت فيطعمني ربي ويسقيني»... (أورده ابن القيم في زاد المعاد).
وقد اختلف أهل العلم في هذا الطعام والشراب على قسمين:
قوم يقولون إنه طعام حسي وماء معروف يسقى به صلى الله عليه وسلم ويأكل وليس هذا بصحيح لأنه لو كان كذلك لما كان ﷺ صائمًا ولما قال إني لست كهيئتكم، ولما كانت له ميزة أن يواصل.
والقول الثاني – وهو الصحيح – أنه يطعم ويسقى صلى الله عليه وسلم بالمعارف التي تفاض على قلبه من الواحد الأحد، من لذة المناجاة وعذوبة الذكر والدعاء والتبتل بما يغدق الله على روحه، وبما يفيض على قلبه من دعاء وذكر…ولذلك ترى بعض الناس لولهه وكثرة سروره قد يستعيض عن الطعام حتى قال القائل يتحدث عن لذة قلبه بقدوم قادم أو مناجاة حبيب:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها
عن الطعام وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور يستضاء به
ومن حديثك في أعقابها حادي
إذا تشكت كلال السير أسعفها
شوق القدوم فتحيا عند ميعاد
فكأنه صلى الله عليه وسلم بحلاوة المناجاة والذكر يستعيض عن كثرة الطعام والشراب....
هذه نماذج من هديه صلى الله عليه وسلم ولو أردنا المزيد لما عجزنا، ولكنها فقط قبسات من هديه وهدي أصحابه صلى الله عليه وسلم الذين عاشوا دقائق رمضان تعبدًا وجهادًا في سبيل الله.
فيا أخي المسلم، هذا شهرك، هذا شهر في التوبة والإقبال فاغتنمه، وهذه فرصتك، فلا تضيعها، واعلم أن الحياة الحقيقية أن يسافر قلبك إلى الله وأن تعيش مع الله: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: ١٢٢)، وارفع شعارًا رفعه سيدنا موسى- عليه السلام- أحد أولي العزم من الرسل: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾ (طه: ٨٤).
وتذكر أن الأعمال بخواتيمها وأن السعيد من سعد بلقاء ربه:
ولدتك أمك يابن آدم باكيًا
والناس حولك يضحكون سرورًا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا
في يوم موتك ضاحكًا مسرورًا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل