; البلقنة على الأبواب والعالم مهدد بحرب عالمية ثالثة! | مجلة المجتمع

العنوان البلقنة على الأبواب والعالم مهدد بحرب عالمية ثالثة!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأربعاء 02-يونيو-1993

مشاهدات 75

نشر في العدد 1052

نشر في الصفحة 28

الأربعاء 02-يونيو-1993

التوقعات المستقبلية لأزمة البلقان: هل تتكرر «البلقنة»؟

زغرب- خاص من مركز البديل للإعلام

«البلقنة» مصطلح أُطلق على الحروب الدامية التي شهدتها منطقة البلقان عبر مراحل التاريخ القديم والحديث، والمراد بها تحديدًا أن الحرب في هذه البقعة القلقة من أوروبا تبدأ عادة في دائرة ما، ثم تتوسع هذه الدائرة بسرعة لتدخل في محيطها دول شتى تلتقي وتتشابك وتتعارض مصالحها حول هذا المحيط، مثلما حدث في حربي البلقان الأولى والثانية عامي 1912- 1913م، وفي الحربين العالميتين في المنطقة.

ونحن إذ نتوقع «بلقنة» المنطقة من جديد في ظل التطورات الخطيرة التي تشهدها الحرب الدموية في البوسنة والهرسك، إنما نستند في ذلك إلى مبررات موضوعية تجعل هذا الاحتمال أقرب إلى الواقع والحقيقة.

وننطلق في هذا التوقع من خلفيات أساسية ثلاث:

1.     الخلفية التاريخية.

2.     الخلفية العرقية.

3.     الخلفية الدينية.

وهي خلفيات تُعد من العوامل الجوهرية فيما حدث ويحدث وسيحدث بالمنطقة من حروب دموية بين الشعوب والدول.

 

1. الخلفية التاريخية

في أواسط القرن الخامس عشر تمكنت قوات الدولة العثمانية من الامتداد غربًا تجاه شبه جزيرة البلقان لتضم مع نهاية ذلك القرن جمهوريات «صربيا، والبوسنة والهرسك»، وما يعرف اليوم بمقدونيا وجزءًا من كرواتيا، وهو الضم الذي استمر حتى أواخر القرن التاسع عشر.

ومع نهاية النفوذ العثماني على المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر بدأت حركات توحيد السلافيين الجنوبيين من بلغار وسكان الجبل الأسود والصرب والكروات في مطلع القرن العشرين، ولقيت فكرة توحيد تلك المجموعات مزيدًا من الرواج والشعبية، وفي 1 من ديسمبر 1918 تم الإعلان عن قيام «مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين SHS» التي ضمت: سلوفينيا وكرواتيا ودالماسيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك وصربيا وقسمًا من مقدونيا، لكن وفور قيام المملكة عادت النزاعات القومية إلى الظهور كأحد -بل أبرز- عوامل عدم الاستقرار التي عملت فيما بعد على تهيئة مناخ من التشاحن داخل الدولة في الأوقات الحرجة، بل أدت هذه النزاعات إلى قيام حروب أهلية لدرجة أصبح معها التحلل، والذوبان النهائي للدولة يشكل الخيار الأمثل والوحيد لحل الخصومات العرقية المشتركة.

وفي ديسمبر 1945 أصبحت يوغسلافيا جمهورية فيدرالية تتبنى دستورًا على النمط السوفيتي، وذلك إثر إقصاء «بيتر» آخر ملوك يوغسلافيا عن الحكم عام 1944م«1».

وليس مهمًا هنا الدخول في التفاصيل التاريخية الدقيقة بقدر ما هو مهم لفت النظر إلى أن التاريخ أثبت أن المسلمين، ومنذ انحصار النفوذ العثماني عن المنطقة كانوا الضحية الأولى لكل النزاعات العرقية الداخلية، والأطماع والمصالح الخارجية، وعانوا كثيرًا من التجاهل المطلق لكافة حقوقهم ومصالحهم، مما عرضهم أكثر من مرة إلى التقتيل والتذبيح، وحدا بأعداد كبيرة منهم إلى الهجرة شرقًا باتجاه تركيا.

2. الخلفية العرقية

لم تكن النزاعات العرقية المريرة التي كانت تندلع بين الحين والآخر بين المسلمين والصرب، والتي اندلعت في العشرينات من هذا القرن بين الصرب والكروات واستمرت تتزايد كل يوم، لم تكن تبشر بأي مستقبل زاهر لمنطقة البلقان في ظل محاولات التوحيد التي كان الصرب عادة يسعون إليها على اعتبارهم الطائفة الأكبر والأقوى.

وكان لهذه النزاعات آثار سلبية مباشرة وبصورة خاصة على المجموعات المسلمة في صربيا عمومًا وفي البوسنة والهرسك خصوصًا.

وكانت النظرة السائدة لدى الصرب والكروات أن المسلمين في هذه المنطقة أتراك وافدون ينبغي طردهم، ويمكن الاستشهاد على ذلك بحادثة وقعت في الجمعية الوطنية اليوغسلافية عام 1925 عندما قام أحد الوزراء الكروات بالرد على اعتراض قدمه وفد «المنظمة الإسلامية اليوغسلافية» آنذاك حيث قال بحدة وصرامة: «أنتم أيها الأتراك ارحلوا إلى آسيا»، وتعبر هذه الكلمات القليلة عن الوضع الحقيقي للمسلمين بين الصرب والكروات، ولتحقيق هذا الهدف لم تتورع الحكومات اليوغسلافية المتعاقبة عن استعمال الأساليب الوحشية لتحقيق ذلك«2».

وبالرغم من الاستقرار السياسي النسبي الذي حققه الاتحاد اليوغسلافي في بعض المراحل من تاريخه، فإن افتقاره للعامل المشترك الوحدوي الذي يمكن على أساسه توحيد القوميات العرقية المختلفة (إذ إن الشعوب اليوغسلافية تتألف مما يقرب من 20 مجموعة عرقية مصنفة إلى ستة تجمعات دينية وطائفية رئيسية)، كان السبب المباشر في بروز مشاكل بين الطوائف المختلفة بصورة دائمة.

وقد أثبت تفكك الاتحاد اليوغسلافي -بعد أن كان مرشحًا لذلك- رغبة المجموعات العرقية في العودة إلى التوجهات القومية والعرقية، ضمن هذا السياق كانت المصالح القومية الصربية والكرواتية والسلوفينية تلعب الدور الحاسم والمؤثر في مسيرة الأحداث التي مر بها الاتحاد وتتحول بشكل سريع إلى مولد للمزيد من التوترات والنزاعات في المنطقة، وكان وضع المسلمين بين الأطراف المتنازعة بائسًا للغاية، بل هذا هو وضعهم منذ الانسحاب العثماني عن شبه جزيرة البلقان عام 1912.

وبناء على ما سبق يمكننا الوصول إلى استنتاج عام وهو أن الخلافات والتناقضات الداخلية بين الشعوب اليوغسلافية المختلفة لن تنته بانتهاء الحرب في البوسنة والهرسك، وإذا تم بالفعل إنهاء هذه الحرب بأي أسلوب من الأساليب، فإن ذلك لن يكون سوى مجرد حل جزئي ذي نتائج محدودة، ونرجع إلى تفصيل هذه النقطة فيما بعد.

 

3. الخلفية الدينية

عند النظر إلى القضية نظرة شمولية متكاملة يتضح لنا بجلاء أن البعد الديني كان يؤثر كثيرًا في توجيه الصراعات والمواقف بين الصرب والكروات من جهة وبين المسلمين والصرب من جهة ثانية، وبين الكروات والمسلمين من جهة ثالثة.

ويبدو ذلك أكثر جلاء خلال الأزمة الحالية، فبالنسبة للصراع بين الصرب والكروات، فإن الكنيستين الأرثوذوكسية والكاثوليكية تريان -وتجاوزًا لكافة العوامل السياسية- أن هذه الحرب تمثل صراعًا مذهبيًّا بينهما، وهذا هو السبب الذي حدا بالكنيسة الأرثوذوكسية الصربية إلى تأييد النظام الصربي بزعامة «ميلوسوفيتش» منذ البداية، كما أن السبب ذاته حدا بالفاتيكان وإيطاليا وألمانيا أن تكون من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال سلوفينيا وكرواتيا«3».

ومن الجانب الإسلامي فإن هذا البعد الديني أثر كثيرًا –ولا شك- في تفاعل الشعوب المسلمة وعلى المواقف التي تبنتها الدول الإسلامية بعد العدوان الدامي على المسلمين من قبل الصرب في البوسنة والهرسك.

ولهذا يمكن القول -دون تهويل أو تهوين- أن الروح الدينية المتبوعة بمشاعر التخوف من خطر أي وجود ديني بين الأطراف المتصارعة، ستظل عاملًا أساسيًّا في عدم استقرار المنطقة، إضافة إلى عوامل النزاع الإقليمي والاختلاف السياسي.

 

توقعات مستقبلية

بناء على ما تقدم من معطيات موضوعية يمكن الوصول إلى بعض التوقعات لمستقبل منطقة البلقان، ولعل عنوان هذا المقال أصبح الآن من التوقعات الأقرب إلى الحقيقة خاصة بعد بروز بعض المؤشرات والمقدمات الأساسية كمبررات موضوعية لنتيجة هذا التوقع في طليعتها:

1. تطلعات الأقليات

تطلع عدد كبير من الأقليات المختلفة في يوغسلافيا -سابقًا- إلى تحقيق المساواة مع غيرها من المجموعات العرقية الكبيرة. «ومن أهم هذه الأقليات: الهنجاريون والألمان في «فويفودنا» والألبان في مقدونيا وكوسفو، والغجر في صربيا ومقدونيا والبوسنة والهرسك، وتؤثر هذه الأقليات تأثيرًا مباشرًا في استقرار المنطقة كلما تم تحريكها واستثارتها من قبل وطنها الأم«4».

ولعل الوضع في كوسفو بدأ ينذر بالخطر بسبب المضايقات الصربية للألبان المسلمين في كوسفو والوضع العام حسب المراقبين مرشح للتفاقم والتعقيد، ويرى المحللون أن الصراع في كوسفو بين الصرب وبين المسلمين الألبان الذين يشكلون الأغلبية سيتحول إلى أكثر الحروب البلقانية العرقية دموية في التاريخ الحديث إذا ما حاولت صربيا وضع الألبان المسلمين أمام خيار واحد، وهو بقاء كوسفو كجزء من صربيا، وهو ما يرفضه سكانها الألبان بشدة.

ومعلوم أن إقليم كوسفو تم الاستيلاء عليه وضمه من قبل صربيا في أعقاب حربي البلقان (1912- 1913م)، ومن الصعب جدًّا تجاهل حقيقة أن كوسفو تشكل جزءًا لكيان سياسي واحد مع ألبانيا وأي تحرك صربي هادف إلى المساس بمواطني كوسفو وحقوقهم سيدفع ألبانيا إلى التدخل خاصة، وأنها عبرت بقوة عن موقفها تجاه الأقليات الألبانية في يوغسلافية إلى حد الاعتراف باستقلال إقليم كوسفو مباشرة بعد إجراء الاستفتاء العام بخصوص استقلال كوسفو عن يوغسلافيا من قبل الأغلبية الألبانية التي تعيش في هذا الإقليم.

2. العامل الدولي وتضارب المصالح

يؤكد المحللون والسياسيون على أن العامل الدولي يشكل العامل الأكثر حسمًا في أحداث البلقان التي بدأت تتسع رقعتها بعد انتقال الحرب إلى البوسنة والهرسك، لكن الظاهر أن منطقة البلقان بالذات ليست سوى مضلع دولي تلتقي عليه مصالح القوى الأجنبية وتتشابك وتتعارض بشكل مستمر، الأمر الذي يجعلنا نستبعد أي حل عادل للأزمة القائمة على المستوى الدولي، ونميل إلى القول بأن المصالح الأجنبية المتوافقة والمتشابكة والمتعارضة هي أكثر العوامل تأثيرًا في «البلقنة»، وفي تدويل الحرب إذا ما لم يتم حسمها بصورة عادلة في البوسنة والهرسك، ونستعرض فيما يلي بإيجاز هذه المصالح الأجنبية تبعًا للأهمية التاريخية والجغرافية والاستراتيجية لمصالح الدول التي تلعب أدوارًا هامة في قضية البلقان.

3. مصالح الدول المجاورة

فالدول المجاورة ليوغسلافيا مهتمة ومعنية بشكل مباشر بـ كيفية التوصل إلى حل للأزمة الحالية، وينبع هذا الاهتمام من ثلاثة أسباب رئيسية وهي:

•       الادعاءات الإقليمية.

•       الأقليات القومية.

•       الخطر الذي قد ينتج عن قيام دولة مجاورة قوية.

فلقد كانت كل من اليونان وبلغاريا وحتى ألبانيا تبدي اهتمامًا بارزًا بشأن المستقبل الذي ستؤول إليه جمهورية مقدونيا؛ حيث إن ادعاءات إقليمية لكل من اليونان وبلغاريا تتعلق بأحقية كل منهما في جزء من أراضي هذه الجمهورية، ويعود انضمام اليونان بالذات إلى الأزمة من تلك الناحية لسببين رئيسيين:

أولهما: يتمثل في أن اليونان تضررت وبشكل كبير من باقي الأعضاء في المجموعة الأوروبية بسبب القيود الاقتصادية التي فرضتها المجموعة الأوروبية على صربيا والجبل الأسود.

وثانيهما: يتمثل في أن اليونان تعارض وبشدة الاعتراف بمقدونيا خوفًا من أن تشكل مقدونيا خطرًا كامنًا لسلامة ووحدة أراضي اليونان؛ حيث إن أجزاء كبيرة من أراضي اليونان الشمالية تسكنها مجموعات سلافية ذات أصول مشابهة لأصول المقدونيين اليوغسلاف.

أما بلغاريا التي كانت أولى الدول الأوروبية اعترافًا باستقلال مقدونيا فإنها لا تعترف بالمقدونيين كأمة مستقلة مدعية أن مقدونيا تشكل مصطلحًا - جيوسياسي- يعبر عن أحد أجزاء الأمة البلغارية.

كما أن المجر أعلنت أنها في حالة تقسيم الأراضي اليوغسلافية، وإعادة تنظيم حدودها الخارجية ستكون في غاية القلق بشأن الجزء الشمالي من «فويفودينا» المتاخم للأراضي المجرية والذي تقطنه بعض الأقليات العرقية المجرية تبلغ 350 ألفًا، أي ما يعادل ثلثي مجموع السكان هناك.

وبالإضافة إلى ذلك فإن بعض الأحزاب الإيطالية الفاشية الجديدة وبدعم من النظام الصربي قامت بالإعلان عن حقها التاريخي في شبه جزيرة «استرا» وبعض أجزاء «دالماسيا» اللتين كانتا جزءًا من إيطاليا تم اقتطاعهما من قبل يوغسلافيا عام 1948م عقب الحرب العالمية الثانية، وتتبعان حاليًا جمهورية كرواتيا«5».

وهذا كله سيؤدي عاجلًا أم أجلًا إلى تفاقم الوضع في شبه جزيرة البلقان، ويضع أوروبا بكاملها أمام خطر حقيقي، خاصة وأن المجموعة الأوروبية أضحت عاجزة عن التحكم في تداعيات الأزمة الحالية بالبوسنة والهرسك نتيجة لاختلافاتها الداخلية وتباين أهداف ومصالح الدول في المجموعة، فهل ستكون منطقة البلقان العامل الأساسي في مسيرة التفكك الواسعة في القارة الأوروبية وما ينتج عن هذه المسيرة من تصادم وحروب بين الحركات القومية والانفصالية المتجددة؟ وفي ظل غياب الموقف الدولي الفاعل تجاه حملة إبادة المسلمين في المنطقة والخوف من أن يؤدي الوجود الإسلامي في البلقان إلى ظهور دولة إسلامية في قلب أوروبا؟ هل سيحرك الشعور الإسلامي العالمي بنسبة موازية لمشاعر روح الحروب الصليبية ليبدأ التصادم الحقيقي بين الصليبية والإسلام؟

أسئلة جادة بدأت تفرض نفسها في الواقع، ولعل نهاية هذا العام 1992 ستكون حسب رأينا نهاية لهذه التساؤلات.

«1»«2»«3»«4»«5» كتاب «الصراع في يوغسلافيا ومستقبل المسلمين» عبد الله أسما يعشى، معهد الدراسات السياسية- باكستان.

اقر أيضا
 دور الكنيسة الصربية في حرب البوسنة والهرسك



 

الرابط المختصر :