; إسرائيل شاحاك و نورتون ميزفينسكي يكشفان خبايا الأصولية اليهودية في إسرائيل | مجلة المجتمع

العنوان إسرائيل شاحاك و نورتون ميزفينسكي يكشفان خبايا الأصولية اليهودية في إسرائيل

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-2000

مشاهدات 67

نشر في العدد 1384

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 18-يناير-2000

 الأرثوذكسية اليهودية لا تعتبر التوراة مرجعًا مقبولًا لديها ما لم تفسرها أدبيات التلمود.

 الأصوليون اليهود يعيشون في قلب الحياة السياسية في الدولة العبرية.. ويشارك 80% منهم في الانتخابات العامة.

 يحافظ الحاريديم على مجتمعهم عبر سياسة الفصل والعزلة عن المجتمع العلماني.. ويصرون على أن يتقبل العلمانيون التعاليم الدينية.

 يحصل الحاريديم على أموال طائلة من خزانة الدولة ولكن لا يخضع اتفاقها لرقابة الدولة.. الأمر الذي أدى إلى زيادة حالات الفساد المالي.

في هذا الكتاب الجديد يكمل البروفيسور الإسرائيلي إسرائيل شاحاك ما بدأه في كتابه «التاريخ اليهودي.. الديانة اليهودية»، من نقد وتفنيد لأسس الديانة اليهودية ويحذر من ظاهرة تنامي الأصولية اليهودية في المجتمع الإسرائيلي، وهي الظاهرة الأكثر بروزًا في الدولة العبرية منذ بداية عقد التسعينيات.

ولا يتردد شاحاك ومعه الكاتب الأمريكي اليهودي ميزفينسكي في التحذير من خطر الأصولية اليهودية في «إسرائيل» وفي اعتبارها عائقًا رئيسًا أمام ما يسمى بالسلام في منطقة الشرق الأوسط حيث يعارض الأصوليون اليهود أي انسحاب من الأراضي التي تحتلها الدولة العبرية، ويوزعون- على حد قول شاحاك- أطالس تحدد أرض «إسرائيل» التي تشمل فلسطين كلها وسيناء والأردن ولبنان، ومعظم سورية وكذلك الكويت وهم يطالبون بتحرير هذه الأراضي التي لا تخضع للاحتلال الإسرائيلي.

خلال العقد الحالي أولى علماء الاجتماع الإسرائيليون وغيرهم من الأكاديميين المختصين اهتمامًا متزايدًا وغير مسبوق بدراسة الآثار الاجتماعية للأصولية اليهودية في المجتمع الإسرائيلي، ويكاد هؤلاء يجمعون على أن مؤيدي التيار الأصولي اليهودي في «إسرائيل» هم أعداء للديمقراطية والحريات الإنسانية، وهم يعارضون «أكثر من غيرهم من الإسرائيليين» مبدأ المساواة بين جميع المواطنين وخصوصًا غير اليهود.

يشكل اليهود غير المتدينين «العلمانيين» الأغلبية بين الإسرائيليين في الوقت الحالي، وفي دراسة مسحية نشرت في صحيفة «يديعوت أحرونوت» العام الماضي كشفت عن أن غالبية رواد المسارح والمتاحف هم من العلمانيين أو غير المتدينين، وهو ما يشير إلى إدانة المتدينين اليهود للأنشطة الثقافية في «إسرائيل».

يركز كتاب شاحاك وميز فينسكي الجديد على ما اعتبراه أكثر المشكلات والقضايا المتعلقة بالأصولية اليهودية، ولا يخفي شاحاك تخوفه من رد فعل الأصوليين اليهود على ما يكتبه العلمانيون الإسرائيليون من انتقاد لليهود واليهودية ويعطي شاحاك مثالًا على التعسف الأصولي ضد منتقدي الديانة اليهودية بالهجوم العنيف الذي تعرض له تسيفي راكيلفسكي من الجماعات الأصولية الإسرائيلية بسبب نشره كتابه «حمير المسيح» الذي حقق أعلى نسبة مبيعات وأكثر ما أثار حرجًا لدى هؤلاء الأصوليين ما نسبه راكيلفسكي إلى الحاخام كوك الذي يعتبر الأب الروحي للتيار اليهودي المؤمن بعقيدة عودة المسيح المخلص «حسب الديانة اليهودية المحرفة» والذي قال إن الفرق بين روح اليهودي وأرواح غير اليهود هو أكبر وأعمق من الفرق بين الروح الإنسانية وأرواح البهائم، وقد فضل شاحاك هو الآخر وفي كتابه الجديد تسليط مزيد من الضوء على النصوص التي يتناقلها الأصوليون اليهود عن الحاخام كوك الذي يروج لعقيدة «القبّالاه» وهي مدرسة فكرية صوفية يهودية سيطرت على الديانة اليهودية منذ أواخر القرن السادس عشر وحتى بداية القرن التاسع عشر، وأحد أهم الأسس التي تقوم عليها هي التفوق المطلق لروح اليهودي وجسده على روح غير اليهودي وجسده، ووفقًا لعقيدة القبالاه، فإن الله خلق العالم من أجل اليهود أساسًا، وأن وجود غير اليهود كان أمرًا ثانويًا، وقد تناولت المجتمع هذا الموضوع بالتفصيل في العدد (۱۲۸۷) الموافق 23/ 12/ 1997م.

ويدافع شاحاك وزميله عن راكيلفسكي الذي فضح أنصار الحاخام كوك، ويتهمان من يهاجمه بأنهم مجرد منافقين، فالحاخام كوك كان نباتيًا وكان يحترم حقوق النباتات في الحياة إلى حد أنه لم يسمح بقطف الزهور أو قص الأعشاب ولكنه مع ذلك لم يغير موقفه من موضوع المقارنة بين أرواح اليهود وغير اليهود! وكوك هذا لم يخف ابتهاجه لمقتل ملايين الجنود خلال الحرب العالمية الأولى واعتبر ذلك علامة على اقتراب خلاص اليهود ومجيء المسيح.

في هذا الكتاب يقسم شاحاك التاريخ اليهودي إلى أربع فترات رئيسة:

الأولى: الفترة التوراتية التي «كُتب» فيها معظم «الكتاب اليهودي» الذي يسميه المسيحيون بالعهد القديم، ولا يعرف تاريخ بداية هذه الفترة التي استمرت حتى القرن الخامس قبل الميلاد، ولم تكن الخصائص الرئيسة للديانة اليهودية قد تحددت في تلك الفترة، ولم تكن كلمة «يهوديم» أو يهود تدل على سوى سكان مملكة يهودا الصغيرة وكانت تستخدم لتمييزهم عن بقية السكان الآخرين.

الثانية: التي تدعى فترة الهيكل الثاني كما يقول الكتاب والتي بدأت في القرن الخامس قبل الميلاد حتى تدمير الهيكل الثاني من قبل الرومان سنة ٧٠ ميلادية، وكانت هذه هي الفترة التي تشكلت فيها اليهودية، حيث ظهر فيها مصطلح «يهود» نسبة إلى الديانة اليهودية- وليس إلى مملكة يهودا كما هو الحال في الفترة الأولى- وفي أواخر هذه الفترة سيطر اليهود على معظم الأراضي الفلسطينية، ومن مميزات تلك الفترة بروز ظاهرة العنصرية اليهودية والتعصب للجنس اليهودي وانفصال اليهود عن بقية الأمم، ولأول مرة بدأ اليهود يشيرون إلى غيرهم باسم «جنتايل» وهم كل الشعوب غير اليهودية من وثنية ومسيحية «اليهود يسمون المسيحيين بالوثنيين».

الثالثة: وتبدأ منذ عام ٧٠ ميلادي وقد انتهت هذه الفترة في أوقات مختلفة وفي بلاد مختلفة مع ظهور دول وأمم حديثة حيث كان اليهود يتمتعون فيها بحقوق متساوية مع غير اليهود والتي انتهى فيها الحكم الذاتي الذي كان ممنوحًا لليهود تحت هيمنة الحاخامات، ويقول الكاتب إن هذه الفترة انتهت على سبيل المثال في الولايات المتحدة وفرنسا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وفي روسيا في عام ۱۹۱۷م وفي اليمن في الخمسينيات من هذا القرن ويدعي الكاتب بأن ثورات اليهود على الرومان نتج عنه ضياع السكان اليهود في فلسطين وتشتتهم، وازدادت أهمية يهود الشتات «الدياسبورا» وخصوصًا في القرن الخامس الميلادي، كما يزعم أن فشل الثورات اليهودية على الرومان تسبب في فقدان اليهود الأمل في إمكان إعادة بناء الهيكل المدمر قبل عودة المسيح المخلص «حسب الديانة اليهودية» وكان من مميزات هذه الفترة ظهور الحركات اليهودية المتصوفة المعروفة باسم «القبالاه» في أواخر الفترة، ويعتقد شاحاك أن التصوف ما زال يشكل جزءًا حيويًا من الأصولية اليهودية ولذلك ينظر الأصوليون اليهود إلى هذا الجزء الأخير من الفترة الثالثة باعتباره العصر الذهبي لليهود والذي يرغبون باستعادته، وقد انتشرت الأدبيات والكتب اليهودية خلال تلك الفترة وهو ما أوجد شعورًا قويًا بالوحدة بين اليهود معتمدة على وجود ديانة ولغة عبرية مشتركة، حيث يشير شاحاك إلى أن معظم اليهود المتعلمين تقريبًا وبغض النظر عن اللغة التي كانوا يتحدثونها، كانوا يفهمون اللغة العبرية ويستخدمونها خدمة لدينهم.

أما الفترة الرابعة والأخيرة فهي التي نعيشها الآن والتي بدأت في فترات مختلفة وفي دول مختلفة وهي فترة مهمة خاصة لدى اليهود الشرقيين كما يقول الكتاب.

يكشف شاحاك وزميله الأهمية السياسية للأصولية اليهودية في «إسرائيل» التي يعرفها بأنها «الأرثوذكسية اليهودية» المستندة في معتقداتها إلى التلمود البابلي وبقية الأدبيات التلمودية وإلى الشريعة اليهودية التي تعرف بـ«الهالاكا» ويعتقد الأصوليون أن التوراة نفسها لا تعتبر مرجعًا مقبولًا لديهم ما لم تفسرها الأدبيات التلمودية تفسيرًا صحيحًا ولا توجد الأصولية اليهودية في «إسرائيل» فقط بل في كل بلد فيه جالية يهودية كبيرة، لكن أهمية الأصولية في «إسرائيل» تظل الأقوى والأكبر حيث يستطيع أنصارها ممارسة النفوذ على الدولة بطرق شتى، وتوجد اختلافات كبيرة وواضحة بين الأصوليين أنفسهم داخل الدولة العبرية، فمعظمهم، على سبيل المثال، يريد إعادة بناء الهيكل على ما يسمونه زورًا جبل الهيكل «المسجد الأقصى» في القدس أو يريدون على الأقل إبقاء الموقع خاليًا من الزوار أي منع المسلمين من الصلاة فيه، كما أن عددًا كبيرًا من اليهود غير الأصوليين في إسرائيل يتبنون هذا الرأي ويدعمون المطالب الأخرى المشابهة.

والأصوليون اليهود على درجات مختلفة من الخطورة، كما أن الأصولية اليهودية لا تؤثر فقط على السياسة الإسرائيلية التقليدية بل تتعدى ذلك إلى تأثيرها الكبير على السياسة الإسرائيلية النووية.

والأصوليون اليهود لا يعيشون على هامش الحياة السياسية في الدولة العبرية بل هم في قلبها، كما بلغت نسبة المشاركين منهم في التصويت أكثر من ٨٠% ويقسم شاحاك اليهود في إسرائيل اليوم إلى صنفين: إسرائيل «أ»، وإسرائيل «ب»، والصنف الأول «أ» يقصد به عادة اليسار وهو ممثل سياسيًا بحزبي العمل وميرتس، بينما يقصد بالصنف «ب» الأحزاب اليمينية والدينية وتضم جميع الأحزاب الأخرى غير العمل وميرتس، وكل من ينضوي تحت الصنف «أ» تقريبًا، والغالبية العظمى من إسرائيل «ب» يؤيدون بقوة الأيديولوجية الصهيونية «الاستثناء هنا هو لبعض الأصوليين اليهود الذين يرفضون الصهيونية كونها نظامًا علمانيًا»، ويعني هذا أن الغالبية العظمى من الإسرائيليين اليهود يؤمنون بضرورة هجرة جميع اليهود إلى فلسطين «التي يعتبرونها أرض إسرائيل وبالتالي هي ملك جميع اليهود ولا بد من إقامة دولة يهودية فيها» وعلى الرغم من خطوط التقاطع الكثيرة بين هذين الصنفين هناك حالة عدائية قوية ومتنامية بينهما والتي تعود لأسباب كثيرة أحدها وهو المتعلق بموضوع الكتاب يرجع إلى تعاطف «إسرائيل ب»- بما فيهم العلمانيون- مع الأصولية اليهودية بينما لا يتعاطف اليسار الإسرائيلي معها كما يقول شاحاك، ويتضح من دراسة نتائج الانتخابات خلال السنوات العشرين الأخيرة بتقدم اليمين الإسرائيلي تقدمًا مطردًا على اليسار وبهامش كبير «عرب عام ١٩٤٨م الذين يشكلون ۲۰% من الناخبين الإسرائيليين تقريبًا هم الذين يرجحون كفة اليسار ولولا ذلك لاتضح هذا الفارق الكبير الذي يتحدث عنه شاحاك»، ويشير ذلك إلى أن عدد اليهود المتأثرين بالأصولية اليهودية في تزايد مستمر.

وينقسم اليهود المتدينون في إسرائيل إلى قسمين مختلفين اختلافًا واضحًا: أعضاء الجماعات الدينية المتطرفة الذين يدعون «الحاريديم» والذين يرتدون اللباس الأسود الكامل إضافة إلى «طاقية» سوداء صغيرة ولكن غير منسوجة يدويًا أو قبعة سوداء كبيرة.. وما يسمى باليهود المعتدلين أو اليهود القوميين المتدينين الذين يضعون «طاقية» صغيرة منسوجة يدويًا ويتركز الخلاف بين الحاريديم والقوميين الدينيين أن الجماعة الأولى تؤمن بأن اليهود يعيشون في زمن الخلاص وقرب مجيء المسيح، بينما الثانية تعتقد أنهم ما زالوا يعيشون في زمن عادي.

كما أن الحاريديم أنفسهم منقسمون إلى حزبين: الأول حزب يهودات ها توراة «يهودية القانون» وهو حزب الحاريديم الأشكيناز «من أصل أوروبي شرقي» وهذا الحزب نفسه عبارة عن ائتلاف من فرقتين، أما الحزب الثاني للحاريديم فهو حزب شاس وأعضاؤه من الحاريديم الشرقيين «من أصول شرق أوسطية» أما اليهود القوميون المتدينون فينتظمون في الحزب القومي الديني، ووفقًا لنتائج انتخابات عام ١٩٩٦م- تم إعداد هذا الكتاب قبل انتخابات مايو ۱۹۹۹م- فإن حزبي الحاريديم فازا بما مجموعه ١٤ مقعدًا «ارتفع إلى ۲۲ مقعدًا في الانتخابات الأخيرة» في الكنيست المكون من ۱۲۰ مقعدًا.

ويتساءل المؤلفان: كيف يمكن للحاريديم الذين لا يشكلون سوى نسبة قليلة من السكان اليهود- سواء بشكل مستقل أو بمساعدة الحزب القومي الديني- أن يفرضوا إرادتهم على بقية المجتمع الإسرائيلي؟ ثم يردان على هذا التساؤل بالقول لأن كلًا من حزبي العمل والليكود يتزلف للحاريديم طمعًا في دعمهم السياسي، ومع ذلك لم يكن شاحاك وصاحبه مقتنعين بأن هذه هي كل الإجابة، حيث إن التزلف للحاريديم ظل متواصلًا بين عامي ١٩٨٤م و١٩٩٠م وهي الفترة التي شهدت حكومة ائتلاف بين العمل والليكود، حيث التزلف للحاريديم وقتها لم يكن ضروريًا، وقد اعتبرا أن العلاقة الحميمة بين الأحزاب الدينية والعلمانية وخصوصًا الليكود ترتكز إلى توافق في وجهات النظر فيما يتعلق بالسياسات الخارجية وإلى الطبيعة العسكرية لليمين الإسرائيلي، فمعظم أتباع الليكود يعتقدون مثل غيرهم من أتباع الأحزاب الدينية الإسرائيلية أن الدم اليهودي يختلف عن دم غير اليهود بمن فيهم الإسرائيليون غير اليهود الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي «العرب والدروز» ويسخر المؤلفان قائلين إن دم غير اليهودي يعتبر عديم القيمة عند المتدينين اليهود، أما عند الليكود فله أهمية محدودة، أما العمل فيتبنى وجهة النظر هذه لكنه لا يصرح بها كما يفعل الليكود، ويستدل صاحبا الكتاب بذلك على تصريح رابين عام ۱۹۸۲م تعليقًا على مذبحة صبرا وشاتيلا التي نفذتها مليشيات حزب الكتائب المارونية تحت سمع وبصر قوات الاحتلال الصهيونية التي كانت قد اقتحمت بيروت وطردت قوات منظمة التحرير الفلسطينية منها: «غير يهود «جينتايلز» يقتلون غير يهود ثم يلومون اليهود عليها».

وقد أدى التحالف بين الأحزاب الدينية واليمينية في الدولة العبرية إلى فوز نتنياهو في انتخابات عام ١٩٩٦م، على الرغم من وجود اختلافين سياسيين كبيرين بينهما الأول يتعلق بالموقف من الديمقراطية وتشكيلة الأحزاب الإسرائيلية حيث تريد الأحزاب الدينية ديمقراطية تحت مظلة أو مرجعية دينية على غرار ما هو موجود في إيران، أما الثاني فهو الاختلاف حول العقيدة الصهيونية، فالأحزاب الدينية وخصوصًا الحاريديم تتصادم مع الصهيونية حول بعض المبادئ منها على سبيل المثال فكرة الصهيونية القاضية بتجميع كل اليهود أو معظمهم في دولة يهودية في فلسطين، فالحاريديم يرون أن ذلك يتناقض مع تفسيرهم للتلمود وأن تأسيس دولة إسرائيل ليس سوى دياسبورا «تشرد» جديدة بالنسبة لليهود ولذلك لا تستخدم الأحزاب الدينية الرموز والشعارات الصهيونية.

نشوء الحاريديم في إسرائيل

حتى عام ١٩٨٨م لم يكن الأصوليون اليهود يجذبون سوى القليل من الأنصار إلى معسكرهم من بين الإسرائيليين الذين تغلب عليهم الطبيعة العلمانية، في ذلك العام دخل الحاريديم إلى الكنيست الإسرائيلي لأول مرة معتمدين على سيطرتهم على المدارس الدينية وطلاب تلك المدارس، وقد أصبح الهم الرئيس لدى الحاريديم هو توسيع نظامهم التعليمي الديني وخصوصًا في المناطق والتجمعات الأكثر فقرًا حيث يقدمون للطلاب مساعدات مالية ووجبات ساخنة.

ويحافظ الحاريديم على مجتمعهم من خلال سياسة الفصل والعزلة عن المجتمع العلماني ومن خلال إصرارهم على ضرورة أن يتقبل العلمانيون التعاليم الدينية، ويكشف الكتاب أحد الأمثلة التي تثير جدلًا في المجتمع الإسرائيلي وهي التبرع بالدم، فالحاريديم حتى هذه الساعة يرفضون التبرع بدمائهم لغيرهم من اليهود العلمانيين فضلًا عن التبرع لغير اليهود ويرفضون الحصول على دماء من غيرهم، ويقول الحاخام أوفاديا يوسف وهو الأب الروحي لحزب شاس أن «الدم الذي يأتي من طعام محرم، أي الذي هو ليس كوشير، قد يكون له تأثير سلبي على من يأكلونه من اليهود، فقد تؤدي إلى ظهور صفات سيئة لديهم مثل الوحشية والوقاحة، «هل هناك أكثر وحشية وأكثر وقاحة من أكلة الكوشير الحلال؟!» ويكمل الحاخام يوسف فتواه قائلًا: «لذلك فإن اليهودي الورع الذي يحتاج إلى دم لكن دون اضطرار شديد يمكنه الانتظار لحين حصوله على دم من يهودي ورع آخر» ومع ذلك تواجه هذه الفتوى بعض الاعتراض من بعض الحاخامات أمثال كبير الحاخامات السابق موردخاي إلياهو الذي اعتبر أن «اليهودي العلماني عند ولادته يولد بدم كوشير ثم إن كل طعام محرم يأكله بعد ذلك يذوب ويتحلل ولا يشكل سوى نسبة قليلة من دمه!!» لكن هذا الحاخام يوافق أخاه أوفاديا يوسف في أن غير اليهودي يولد ودمه غير كوشير!!

ويلخص شاحاك وزميله مطالب الحاريديم فيما يلي:

- ضرورة الاعتراف رسميًا وقانونيًا بالسلطة السياسية الإلهية، ولا بد أن يكون الحاخامات الذين هم «خلفاء الله على الأرض»- في زعمهم -هم صناع القرار.

- يجب أن يشرف الحاخامات على جميع المؤسسات الاجتماعية وتكون لهم الكلمة الفصل فيما يتعلق بالخدمات الاجتماعية ويراقبوا المطبوعات والمجلات المصورة والأشرطة المسجلة.

- يجب وضع تشريعات وقوانين تتعلق بمراعاة حرمة يوم السبت والقوانين الدينية الأخرى والفصل بين الجنسين في الأماكن العامة وإلزام المرأة باللباس والسلوك المحتشم.

- إلزام الأفراد قانونًا بتبليغ السلطات الحاخامية حول الجرائم والآثام التي يرتكبها الآخرون.

مارست أحزاب الحاريديم العمل السياسي بعد عام ۱۹۸۸م ومعظمها بين عامي ۸۸- ۱۹۹۰م، وكان بيريز الذي ما زال في الحكومة بعد عام ۱۹۸۸م، قد ساند مطالبهم كما أن شامير رئيس الحكومة آنذاك كان أكثر تصميمًا على تأييدهم، ومما يدل على النجاح السياسي الذي حققه الحاريديم هو المبالغ المالية الكبيرة التي يحصل عليها أحزاب الحاريديم من ميزانية الدولة من خلال ما يسمى بالمنح المالية الخاصة التي لا تخضع للرقابة المالية من جانب الدولة، وهو ما أدى إلى انتشار حالات الفساد والذي وصل إلى حالات غير مسبوقة في تاريخ الدولة العبرية، لكن هذا الفساد لا يعني أن المبالغ المقصودة كانت تستخدم بشكل غير قانوني كما يقول الكتاب، فحزب شاس استخدم معظم تلك الأموال في بناء شبكة من المؤسسات هدفها ممارسة نفوذ دائم وتدريب كتائب من المليشيات تمكن الحزب من فرض سيطرته على أنصاره وأتباعه، وتألفت هذه الشبكة من سلسلة من المؤسسات التعليمية التي تقدم التعليم الديني للصبية اليهود «يتجاهل حزب شاس تقديم التعليم للفتيات اليهوديات»، كما يشجع الحزب اليهود بين ٤٠- ٥٠ عامًا على ترك وظائفهم وأعمالهم للالتحاق بالمدارس الدينية مقابل إعانات مالية محدودة لكنهم يفضلون حياة الدراسة على العودة إلى وظائفهم وأعمالهم خصوصًا إذا كانت غير ناجحة، ولا يتلقى هؤلاء العلوم الدينية فقط بل يمارسون مهمات سياسية لصالح شاس، وسرعان ما شكل هؤلاء الكادر السياسي لشاس الذي يعتبر الأداة الرئيسة في تحويل الأحياء التي يسكنها الحاريديم إلى مناطق انتخابية مغلقة لصالح الحزب، وسيظل حزب شاس «ارتفع عدد مقاعده في الكنيست من 9 عام ١٩٩٦م إلى ١٧ مقعدًا عام ۱۹۹۹م» هو الحزب السياسي الوحيد الذي يجمع اليهود الشرقيين حوله.

الحزب القومي الديني والمستوطنون المتدينون

تعتبر أيديولوجية الحزب القومي الديني وجماعة غوش إيمونيم -وهي الجماعة الخاصة بالمستوطنين المتدينين- أكثر تجديدًا من أيديولوجية اليهود الحاريديم، وكان الحاخام أبراهام كوك، رئيس حاخامات فلسطين وأبرز الحاخامات المؤيدين للحركة الصهيونية قد ابتدع هذه الأيديولوجية في أوائل العشرينيات من هذا القرن وهو الذي طورها بعد ذلك، وبعد وفاته عام ۱۹٣٥م اعتبرته الدوائر المسؤولة في الحزب القومي الديني قديسًا، وتولى ابنه الحاخام يهودا كوك الصغير زعامة الحزب «توفي عام ۱۹۸۱م» ونال لقب قديس هو الآخر، وقام أتباع مدرسته وتعاليمه بتشكيل طائفة يهودية ذات خطة سياسية محكمة، وفي أعقاب هزيمة الدولة العبرية في حرب أكتوبر عام ۱۹۷۳م والتي شكلت صدمة كبيرة لليهود قام هؤلاء بتشكيل غوش إيمونيم «كتلة المؤمنين» التي مهمتها بناء مستوطنات يهودية وتوسيع المستوطنات القائمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويفضح الكتاب دور شيمون بيريز في تعزيز السياسات الاستيطانية في الأراضي المحتلة، ففي عام ١٩٧٤م عندما كان بيريز وزيرًا للدفاع، حيث بهذه الصفة كان مسؤولًا عن الأراضي المحتلة، نجحت غوش إيمونيم بمساعدة بيريز ومباركته في تغيير السياسة الاستيطانية الإسرائيلية خلال فترة قصيرة، ومن خلال بناء المستوطنات والتوسع في المستوطنات القائمة التي التهمت غالبية أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة تعاظم نفوذ غوش إيمونيم داخل المجتمع الإسرائيلي وعلى السياسات الحكومية الإسرائيلية، وعلى ذمة الكتاب كان وزير الدفاع الأسبق موشي دايان هو الذي يحدد سياسة الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية وغزة بين عامي ١٩٦٧م و١٩٧٤م، ولم يسمح ببناء مستوطنات يهودية في معظم الأراضي العربية المحتلة باستثناء سماحه لعدد محدود من المستوطنين اليهود بالعيش قرب الخليل، وكانت سياسة دايان تقوم على بناء حزام استيطاني في المناطق الخالية من السكان الفلسطينيين في وادي الأردن وشمال سيناء حول المناطق الفلسطينية المأهولة بالسكان، وقدم دايان وعدًا لوجهاء وأعيان القرى الفلسطينية بعدم مصادرة الأراضي التابعة لتلك القرى وأنه التزم بوعده كما يقول المؤلفان، لكن غوش إيمونیم نظمت مظاهرات صاخبة في عامي ١٩٧٤م و١٩٧٥م لمعارضة سياسة دايان الاستيطانية، وعندما تولى بيريز وزارة الدفاع في حكومة رابين «١٩٧٤م- ۱۹۷۷م» ابتدع سياسة جديدة أسماها «التسوية العملية» حيث طلب تأييد غوش إيمونيم لهذه السياسة التي تقوم على إمكان مصادرة كل الأراضي غير المأهولة والتي لا يستخدمها الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة لغرض استخدامها من قبل اليهود، ومقابل ذلك وعد بيريز الزعماء السياسيين الفلسطينيين في الضفة والقطاع بمنحهم حكمًا مطلقًا على الفلسطينيين إذا وافقوا على هذه السياسة، وكان رابين يعارض تلك السياسة في البداية، لكن بيريز كما يقول شاحاك تآمر مع غوش إيمونيم عام ١٩٧٥م ووضع استراتيجية ضد معارضة رابين تقوم على تصعيد المظاهرات وإغلاق الطرق في الضفة الغربية بمساعدة بيريز انتهت بموافقة رابين على تسوية لصالح غوش إيمونيم والتي أدت إلى بناء أول مستوطنة لغوش إيمونيم قرب نابلس تدعى قدوميم، ثم في عام ١٩٧٦م أقاموا مستوطنة عفرا ثم مستوطنة شيلو، وانتقلوا بعد ذلك إلى قطاع غزة حيث بدأوا أعمال الاستيطان هناك، هذه المستوطنات التي أقامتها غوش إيمونيم في عامي ١٩٧٥م و١٩٧٦م تحت رعاية بيريز ما تزال قائمة وهي تنمو وتزدهر يومًا بعد يوم، وبعد مجيء مناحيم بيجن على رأس الحكومة الإسرائيلية في عام ١٩٧٧م ظهر «تحالف مقدس» بين غوش إيمونيم والحكومات الإسرائيلية العلمانية التي تعاقبت على حكم الدولة العبرية منذ ذلك العام حتى يومنا هذا.

وبعد نجاح غوش إيمونيم في تنفيذ سياستهم الاستيطانية بدأ حاخامات غوش إيمونيم في لعب أدوار سياسية بذكاء واستطاعوا أن يهيمنوا على الحزب القومي الديني، ومنذ منتصف عقد الثمانينيات أتبع الحزب القومي الديني أيديولوجية غوش إيمونيم، إن مواقف غوش إيمونيم الآن هي التي تحكم سلوك الحكومة الإسرائيلية تجاه كل الأمور المتعلقة بالأراضي العربية المحتلة عام ١٩٦٧م، إن رفض رؤساء الحكومات الإسرائيلية رابين وبيريز ونتنياهو الضغط على المستوطنين لإخلاء مستوطنة يهودية واحدة في الضفة الغربية أو قطاع غزة يرجع أساسًا إلى نفوذ جماعة غوش إيمونيم حيث إن هذا النفوذ كما يقول شاحاك وزميله كبير وفعال على جميع الحكومات الإسرائيلية والزعماء السياسيين بمختلف توجهاتهم السياسية، وإن موقف غوش إيمونيم من الفلسطينيين هو دومًا اعتبارهم عربًا يعيشون في إسرائيل.

المغزى الحقيقي لظاهرة باروخ جولدشتاين

إن قصة المذبحة التي ارتكبها باروخ جولدشتاين في المسجد الإبراهيمي في ٢٥ فبراير ١٩٩٤م معروفة جيدًا، فقد قام جولدشتاين باقتحام المسجد وإطلاق النار على المصلين من الخلف وقتل منهم ۲۹ بمن فيهم أطفال وجرح الكثيرين، كان جولدشتاين طبيبًا يعمل في الجيش الإسرائيلي وكان يخالف قانون الانضباط العسكري برفضه معالجة العرب حتى الذين يخدمون منهم في الجيش الإسرائيلي، لكنه مع ذلك لم يكن يواجه أي عقوبة عسكرية بسبب تدخل آخرين لصالحه، ويكشف شاحاك عن هذه القصة بالتفصيل متهمًا كل المعلقين السياسيين في إسرائيل بتجاهل التاريخ الشخصي لجولدشتاين وسلوكه أثناء الخدمة في الجيش، ويعطي أمثلة كثيرة على حالات لجنود من العرب والدروز في الجيش الإسرائيلي رفض جولدشتاين معالجتهم وفلت من أي عقوبة عسكرية.

كان جولدشتاين ينتمي إلى جماعة كاخ المتطرفة وفي إحدى المرات أهان الرئيس الإسرائيلي عيزرا وايزمان عندما كان يزور مستوطنة كريات أربع قرب الخليل، ويسلط شاحاك الضوء على موقف المستوطنين اليهود من الجريمة التي اقترفها جولدشتاين في المسجد الإبراهيمي، فقد كانوا سعداء بما فعله جولدشتاين بل إن الحاخام ليفينجر زعيم حركة غوش إيمونيم قد كسب مناظرة استمرت ثلاث ساعات مع أوري أريل الذي أصبح مديرًا لمكتب رئيس الوزراء نتنياهو عام ۱۹۹۸م جرت في قاعة بلدية كريات أربع حين اقترح أريل إدانة مذبحة الحرم الإبراهيمي، لكن ليفينجر وضع ثقله وراء اقتراح بإدانة الحكومة الإسرائيلية بدلًا من جولدشتاين لأنها وضعته تحت ضغط نفسي لم يكن يحتمله وهو الذي دفعه إلى ذلك الفعل ولاحظ شاحاك أن ليفينجر أو أي من المتحدثين في قاعة بلدية كريات أربع لم يستخدم مصطلحات «قتل» أو «مذبحة» في وصف الجريمة التي ارتكبها جولدشتاين، وبدلًا من ذلك استخدموا كلمات مثل «الفعل» أو «الحدث» حيث يقول: إنه وفقًا للشريعة اليهودية «الهالاكاة» فإن قيام يهودي بقتل غير يهودي تحت أي ظرف كان لا يعتبر جريمة قتل.

وللتدليل على رضا المتدينين اليهود عن جريمة جولدشتاين في الخليل وعن نفوذ الأصولية اليهودية على العلمانيين في الدولة العبرية يصف شاحاك الجنازة الرسمية التي أقيمت لجولدشتاين الذي قتل وهو يطلق النار على المصلين المسلمين، فالحكومة الإسرائيلية كانت متأثرة بتقارير الصحف العبرية التي لم يتسرب منها إلى الصحف الأجنبية سوى القليل والتي صورت الشارع الإسرائيلي وخصوصًا أحياء المتدينين في القدس الغربية بأنها كانت مليئة بالصور والبوسترات التي تمجد جولدشتاين وتعدد فضائله وتأسف لأنه لم ينجح في إكمال مهمته وفي قتل المزيد من العرب، ويؤكد شاحاك وزميله أن اليهود الصامتين الذي لا يدينون النازية اليهودية المتمثلة بأيديولوجية جولدشتاين وغينزبيرغ مذنبون ويتحملون التبعات التي يمكن أن تظهر نتيجة صمتهم هذا.

الخلفية الدينية لاغتيال رابين

يؤكد شاحاك وزميله أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين قد قتل لأسباب دينية، فالقاتل إيغال عمير والمتعاطفون معه كانوا وما زالوا مقتنعين بأن قتل رابين أملاه الرب وأنه لذلك كان أمرًا تمليه عليهم الديانة اليهودية، فاستطلاعات الرأي التي نشرتها الصحف العبرية حول موقف سكان أحياء اليهود المتدينين وخصوصًا سكان المستوطنات الدينية أشارت إلى وجود تعاطف كبير مع اغتيال رابين، ومنذ حادث الاغتيال زادت عملية الاستقطاب داخل المجتمع اليهودي لصالح استحسان الاغتيال أو رفضه، فمعظم الإسرائيليين اليهود وعدد كبير من اليهود خارج فلسطين المحتلة لا يملكون معرفة كافية حول التاريخ اليهودي والديانة اليهودية لكي يضعوا حادث الاغتيال هذا في سياقه الصحيح.

ويحاول المؤلفان تقديم خلفية تاريخية- دينية لازمة لفهم اغتيال رابين، فالتاريخ اليهودي مليء بالحروب الأهلية الدينية أو الثورات التي صاحبتها حروب أهلية جرى فيها عمليات اغتيال مرعبة، ويتساءلان إن كان إيغال عمير أو باروخ جولدشتاين، أو يوناه أفروشمي «الذي ألقى قنبلة يدوية على مظاهرة لجماعة السلام الآن وقتل أحدهم وأصاب العديد منهم بجراح» أو عامي بوبر «الذي قتل سبعة عمال فلسطينيين أبرياء واعتبره المتطرفون اليهود بطلًا» إن كان هؤلاء جميعًا جزءًا من التراث اليهودي؟ وهل كانت مجرد صدفة أن قام باروخ جولدشتاين بارتكاب مذبحته في عيد البوريم اليهودي؟ وكانت الإجابة إن ذلك لم يكن صدفة وأنه جزء من التاريخ اليهودي المليء بمثل هذه الأفعال.

ويختم الكتاب بالقول إن موقف الأصوليين اليهود من «المهرطقين» أو «الفساق» اليهود أسوأ بكثير من موقفهم من غير اليهود ويجزم شاحاك وميزفينسكي بأن أي نظام أصولي يهودي إذا ما وصل إلى الحكم في إسرائيل فسيعامل اليهود الإسرائيليين الذين لا يقبلون بمعتقداته معاملة أسوأ من معاملته للفلسطينيين.

الرابط المختصر :