العنوان الأزمات العربية المتعاقبة لماذا؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1984
مشاهدات 76
نشر في العدد 664
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 27-مارس-1984
من الأمور التي أصبحت مألوفة في عالمنا العربي التأزيم المستمر في العلاقات العربية، بحيث لا تكاد تنتهي أزمة حتى تنشب أزمة أخرى في تواتر وتناسق يدل على أن وراء هذه الأزمات محرك يحركها؛ حتى لا يقوى عالمنا العربي على التقاط أنفاسه والوعي لذاته، والخروج من نطاق الهيمنة السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والعسكرية، بل واستلاب الأرض، وطرد السكان، ولقد اشتركت كل القوى الاستعمارية في زرع ألغام الأزمات في بلادنا في إطار إجهاض قواها جميعًا.
ولقد كانت أزمة الأزمات التي غرستها بريطانيا أصلًا في بلادنا هي وجود إسرائيل، ولكي تؤدي هذه الأزمة دورها كان لا بد من إنشاء أزمات متفرقة وموقوتة هنا وهناك من أرجاء الوطن العربي؛ لتؤدي دورها المزدوج في الحفاظ على الأزمة الأم (إسرائيل)، وفي تكريس غياب الوعي، واستنزاف الطاقات والقوى العسكرية، والاقتصادية، والبشرية، والفكرية، لتبقى هذه الأمة بقرة حلوبًا خيرها لغيرها، وشرها على نفسها.
- فبالإضافة إلى أزمة الأزمات التي خلفتها بريطانيا في فلسطين، تركت في العراق أزمة حدودية مع إيران، تفجرت في السنوات الأخيرة كأعنف ما يكون التفجير، وما زلنا نعيش الأزمة بكل خطرها وخطورتها.
- وتركت في جنوب السودان أزمة الوثنيين، والنصارى، والشيوعيين الذين يطلون برأسهم بين الحين والآخر، وكلما أشار إليهم المحرك الخارجي بذلك ليؤدوا الدور المرسوم لهم بدقة وعناية.
- وتركت في مصر قواتها على ضفاف قناة السويس، ولم تخرج هذه القوات إلا بناء على معاهدة عقدتها مع عبد الناصر، ينص أحد بنودها على عودة هذه القوات (البريطانية) في حال وقوع تهديد لمصر أو أي دولة من دول الشرق الأوسط بما في ذلك تركيا.
- ولقد رأى كل من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة في ذلك الحين ضرورة خروج القوات الغازية من مصر؛ فخرجت ليبدأ التنافس بين روسيا وأمريكا، وليحل محل التنافس البريطاني الفرنسي.
ومع أن منطقة (الشرق الأوسط) برمتها واقعة تحت النفوذ الأمريكي حسب اتفاقية يالطا التي عقدت بين روسيا وأمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن ذلك لا يمنع من أن تقوم روسيا بين الحين والآخر بالتسلل إلى المنطقة بعلم الولايات المتحدة، أو دون علمها مادام هذا التسلل يخدم الهدف المشترك للدولتين، وهو:
- بقاء المنطقة العربية خاضعة للنفوذ الأجنبي.
- منع عودة وعي الأمة العربية لذاتها، ونقصد بالوعي للذات هنا عودتها إلى دينها الإسلامي، باعتباره عقيدة، وتشريعًا، ونظام حياة.
- الحفاظ على الكيان الإسرائيلي بدعمه سياسيًا، واقتصاديًا، وعسكريًا، وبشريًا، وتوزيع الأدوار بين روسيا وأمريكا بحيث تقوم أمريكا بتزويد إسرائيل بالمال والسلاح، وتقوم روسيا بتزويدها بالمهاجرين اليهود، كما تقوم بالهيمنة على فكر الإنسان العربي بحيث يفصل بين اليهودية، والصهيونية، وإسرائيل، ثم يفصل بين العروبة، والإسلام، وفلسطين.
- ومن أوزار المستعمر البريطاني أن بريطانيا قبل أن تخرج من الأردن تركت ضباطها الإنجليز، وعلى رأسهم (غلوب باشا) الذي أطلق على نفسه اسم (أبو فارس)، وكان جنود البادية الأردنيون يطلقون عليه اسم (أبو حنيك)؛ لأن فكه كان مصابًا برصاصة شوهته، وكان يبذل كل جهد مستطاع ليكون الجيش أداة طيعة في يده، يوجهه كيف شاء بعد أن توهم أنه فصل هذا الجيش عن عقيدته الإسلامية ومعدنه العربي.
وفي جنوب اليمن تركت بريطانيا الحبل على الغارب لكل فكر غير إسلامي، ولم تخرج من هناك إلا بعد أن اطمأنت بأن الفكر الماركسي أو (العروبة الماركسية) هي التي ستسود، وبعدئذ ليس مهمًا أن تبقى في اليمن الجنوبي، أو لا تبقى.
ومثلما تركت بريطانيا في جنوب العراق أزمة حدودية ظهرت آثارها المدمرة فيما بعد، فقد تركت في شمال العراق أزمة حدودية مع تركيا قابلة للانفجار في أي لحظة، وعندما يراد لها أن تنفجر، وها نحن نسمع هذه الأيام أصواتًا في تركيا تطالب بمنطقة الموصل العراقية الشمالية، وذلك في الوقت الذي تجري فيه المساعي حثيثة لإيقاف الحرب المدمرة بين العراق وإیران.
فالمخطط الرهيب لا يعطي فرصة لهذه الأمة لالتقاط الأنفاس، والوعي للذات، والخلاص من إسرائيل.
- فإذا انتقلنا إلى فرنسا ودورها في تأزيم المنطقة العربية، فأننا نجد أن فرنسا هي التي أعطت للموارنة الهيمنة التامة على شؤون لبنان العربي المسلم، ولم يكن هؤلاء الموارنة أيام الخلافة الإسلامية يشكلون سلطة أو هيمنة، بل كانوا -ولا زالوا حتى الآن، وبعد أن أصبح لبنان كيانًا قائمًا بذاته- أقلية عددية رغم أن لهم الهيمنة التامة على كل شؤون الدولة اللبنانية سياسيًا، وعسكريًا، واقتصاديًا، وبرلمانيًا فالدستور الذي وضعته فرنسا للبنان يجعل رئاسة الجمهورية، ورئاسة الجيش، والوزارات الهامة لهم، ولهم أيضًا (٦٠%) من أعضاء البرلمان رغم أن نسبتهم العددية لم تكن في يوم من الأيام وحتى الآن تزيد عن ثلث السكان، وترفض السلطة باستمرار إحصاء السكان حتى لا ينكشف زيف الديمقراطية الفرنسية في لبنان.
ولقد ظهر مؤخرًا -بما لا يدع مجالًا للشك- عمق الشعور الطائفي الماروني في لبنان حين أعلن سليمان فرنجية جهارًا نهارًا أنه مع استمرار الهيمنة المارونية على لبنان، وذلك حين أراد بعض رجال الطوائف الأخرى أن يكون لهم دور في الحياة العامة في بلادهم، وهكذا يتكشف زيف (جبهة الخلاص الوطني) حين ينضم أحد أركانها الثلاثة إلى الجبهة اللبنانية المارونية في ضرورة الحفاظ على مكتسبات المارون، وحين تنقض قوات جنبلاط الدرزية على قوات قليلات المنتمية إلى أهل السنة في محاولة للإجهاز على (المرابطون)، إن هذه التركيبة اللبنانية العجيبة والتي أفرزت في نهاية المطاف هذه الحرب اللبنانية المستمرة- هي في الأصل تركيبة فرنسية.
- وفي تشاد المسلمة حرب أهلية كان لفرنسا الدور الأوفى في صناعتها، باعتبارها كانت مستعمرة فرنسية، ولقد دعمت فرنسا أحد الأطراف المتصارعة، ودعمت ليبيا الطرف الآخر، ولا تزال دماء الشعب التشادي تستنزف، ولا تزال فرنسا تقيم القواعد في تشاد.
- وأما أمريكا ذات الباع الطويل في صناعة الأزمات في المنطقة العربية فيكفي أن نقول إن معظم الانقلابات العسكرية في المنطقة صناعة أمريكية بدءًا من انقلاب حسني الزعيم في سوريا، وإذا كان لبريطانيا دور واضح في صناعة بعض الأحزاب العلمانية العربية لتحل محل العسكر، فإن أمريكا لجأت في الآونة الأخيرة إلى دعم الطوائف والأقليات الطائفية أو العرقية كبديل عن الأحزاب والعسكر، أو كاحتياط إستراتيجي، وذلك حتى يشتد أوار الأزمات، وحتى لا تخرج المنطقة من أزمة إلا لتقع في أزمة أخرى.
هذا عن الأزمات السياسية والفكرية، وأما الأزمات الاقتصادية فهي مرتبطة بالأزمتين السابقتين، فلو كانت الأمة تتمسك بعقيدتها الربانية وتشريعها الإلهي؛ لما كانت هناك أزمات سياسية، وبالتالي لاختفت الأزمات الاقتصادية التي لم تعد قاصرة على البلاد العربية ذات الموارد القليلة والكثافة السكانية، بل امتدت هذه الأزمات لتشمل البلاد العربية ذات الموارد الكثيرة والتخلخل السكاني.
وإذا كان الفكر غير الإسلامي قد انطلق في الدول الفقيرة ليقول إن الحل في تحديد النسل ورفع الأسعار فإن الفكر غير الإسلامي قد انطلق في الدول الأخرى ليميز بين المسلم وأخيه، في الوقت الذي يفسح المجال للانشداد الأعمى باتجاه العالم الاستعماري.
على أن الخروج من جميع هذه الأزمات بسلام لا يكون إلا بالخروج عن النهج اللاديني المستورد الذي نسير فيه مع التخلي عنه، فالغرب أو الشرق الذي أسهم في إيجاد هذه الأزمات لا يمكن أن يسهم في حلها، والبعد عن منهج الله لا يمكن أن يكون بديلًا عن طريق الهدى، وإسرائيل التي أوجدتها الدول الكبرى لا يمكن أن تزول على يد الدول الكبرى.
والمخرج الوحيد الذي لا مخرج سواه هو في العودة إلى النهج الذي أخرج هذه الأمة من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن المذلة إلى العزة، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن جور الإنسان إلى عدل الرحمن، ومن التكالب على الدنيا إلى الجهاد في سبيل الله، فهل نحن مهتدون؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الصف10:11)