العنوان القٰافِلة عَلىٖ الطَرِيْق
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1976
مشاهدات 98
نشر في العدد 319
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 05-أكتوبر-1976
إن القافلة اليثربية حينما سمعت نداء الحق أسرعت إليه وتقابلت مع الرسول صلى الله عليه وسلم في جوف الليل المظلم بعيدًا عن أنظار من الأعداء، وقد بايعت الرسول صلى الله عليه وسلم على ألا تشرك بالله شيئًا ولا تسرق ولا تقتل أولادها... ولا تأتي ببهتان تفتريه ولا تعصيه في معروف ولقد أعطت كلمة الشرف وكلمة العزة للرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: «خذ لنفسك ولربك ما أحببت» يا لكرم هؤلاء الناس ويا لحبهم للإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» فقالوا: «فو الذي بعثك بالحق نبيًا لنمنعك مما نمنع منه أزرنا.. فنحن والله أبناء الحرب. إن تلك العصبة المؤمنة التي أعطت الدعوة الجديدة عهدها لم تهن ولم تضعف ولم تشرك مع الإسلام نفسًا ولا والدًا ولا ولدًا، بل ذوبت قلبها ونضاره وجودها في سبيل الحق وفي سبيل النور الذي جاءها، إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير ووقف المسلمون في بدر، ورأى سعد بن معاذ علامات على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للرسول عليه الصلاة والسلام: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم -أجل-.
فقال سعد.. لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة... فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك..
القافلة المؤمنة تفي بوعدها..
لقد انتصر المسلمون في بدر انتصارًا عظيمًا على المشركين فولد ذلك نار الحقد والكراهية نار الثأر والقتل - حتى إذا كان عام القادم تقابلت القافلة المؤمنة مع الكفار في أحد، والتحم الجيشان، وانكشف المشركون في بادئ الأمر وفر منهم من فر، لكن المسلمين نسوا أوامر القيادة وغطت الغنائم والنصر كرة العدو عليهم وتحرك الرماة من أماكنهم فانقلب النصر هزيمة ودب الرعب في نفوس المسلمين حتى قتل المسلمون بعضهم بعضًا، ومن الذين أبلوا بلاءً حسنًا وأظهروا بطولة نادرة عن الذات النبوية الحبيبة ساعة المحنة أبو دجانة الأنصاري... فقد كان أبو دجانة من الخلصاء الأبطال الذي أقام من نفسه سورًا ليقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع سهام العدو المنهالة عليه، فقد ترس بنفسه دونه معرضًا جسمه لسيل نبال العدو المنهمر من أقواس المشركين، وقد كانت نبال المشركين تقع في ظهر أبي دجانة حتى أن ظهره أشبه بظهر القنفذ.
هذه صورة من صور أحد ومشهد من مشاهد تاريخ هؤلاء الأبطال في ميدان أحد الذي يوحى لنا الليلة المظلمة - ليلة العقبة.. ليلة البيعة كيف أن هؤلاء لم يتهاونوا ولم يتخاوروا بل ثبتوا عند كلمتهم، لأنهم كانوا يعاملون رب العباد لا العباد.
لم يهنوا في أحلك الساعات -ساعة الاختبار- ساعة الموت، بل ثبتوا ثبات الأبطال ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾. (آل عمران: 146).
لقد صغرت الدنيا في أعينهم وسمت أرواحهم إلى العالم العلوي وغسلوا حياتهم الأرضية بدمائهم الطاهرة الزكية، وتطلعت نفوسهم إلى حياة الخلد والنعيم.. إنها نظرة ذات آثار عظيمة.. لقد فارقوا هذه الحياة وبعدوا عن أعين الناس.. أمواتًا.
ولكنهم في الحقيقة أحياء عند ربهم يرزقون ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. (آل عمران: 169).
«إنهم أحياء.. فما الذي يجعل هذه النقلة موضع حسرة وفقدان ووحشة وهي أولى أن تكون موضع غبطة ورضى وأنس عن هذه الرحلة إلى جوار الله. هذا هو الطريق» ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش. فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تبغون؟.
فقالوا يا ربنا وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك ثم عاد إليهم بمثل هذا. فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا قالوا نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى -لما يرون من ثواب الشهادة- فيقول الرب جل جلاله: - إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون».
المراجع
۱ - تهذيب سيرة بن هشام ج ١
٢ - على الطريق د. محمد أديب صالح
٣ - شهداء الإسلام في عهد النبوة د. سامي علي النشار
٤ - غزوة أحد محمد أحمد باشميل
٥ - طريق الدعوة في ظلال القرآن سيد قطب