العنوان ملوك الآخرة (٣٢).. الصفة الثامنة: محبة الإنفاق
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 21-نوفمبر-2009
مشاهدات 65
نشر في العدد 1878
نشر في الصفحة 55
السبت 21-نوفمبر-2009
تحدثنا في العددين الماضيين عن صفة الاعتدال والوسطية، وتتناول في هذا العدد صفة الإنفاق.
الإنفاق صفة جليلة
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67)، وبالرغم من وضوح صفة الاعتدال والوسطية من خلال هذه الآية، وهو ما تناولناه سابقًا، إلا أن الآية تتحدث بالأصل عن صفة إنفاقهم، فصفة الإنفاق إذن من أبرز صفاتهم، وإنما تناولت الآية الاعتدال في هذا الإنفاق كمثال لحياة الوسطية والاعتدال في حياتهم.
والرعيل الأول من الصحابة الكرام أصدق صورة ومثال لعباد الرحمن الذين تجسدت فيهم هذه الصفة، حيث ضربوا أروع الأمثال في الإنفاق، حتى غدت مواقفهم وقصصهم في الإنفاق أقرب إلى الخيال.
إنفاق الصديق
لم يستطع أحد من الصحابة أن يسبق الصديق بإنفاقه، وكان المنافس الأول له في كل خير الفاروق رضي الله عنهما، ومما يرويه في ذلك قوله: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك عندي مالًا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟»، قلت: مثله وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: «يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟»، قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبدًا» (1).
وقال تعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ (الليل: 17- ١٨)، إلى آخر السورة، قال الإمام ابن الجوزي: «أجمعوا على أنها نزلت في أبي بكر» (٢).
وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه و قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر» (۳)، فبكى أبوبكر، وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله (٤).
إنفاق الفاروق
كما مر في الرواية السابقة أنه أنفق نصف ماله في حادثة واحدة، فكيف في بقية الحوادث؟
لقد كان الفاروق من أجود الناس، وأبي إلا أن يقتفي سيرة صاحبه الصديق بعد موته فعاش فقيرًا، ولم يترك لديه من مال إلا أنفقه في سبيل الله، ولو شاء لأصبح أغنى الناس، ولكنه أبى إلا أن يبيع الدنيا، ويشتري الآخرة.
فقد أخرج ابن سعد عن الأحنف بن قيس قال: «كنا جلوسا بباب عمر، فمرت سرية (٥)، فقالوا: سرية أمير المؤمنين، فقال عمر: ما هي الأمير المؤمنين بسرية، ولا تحل له، إنها من مال الله، فقلنا: فماذا يحل له من مال الله تعالى؟ قال: إنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتين: حلة للشتاء، وحلة للصيف، وما أحج به وأعتمر، وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين (٦).
وكذا بقية الصحابة والتابعين
وعلى طريق الصديق والفاروق مشى بقية الصحابة رضي الله عنهم بالإنفاق في سبيل الله، فهذا عثمان ذو النورين رسالة اشترى الجنة عدة مرات بما أنفقه في سبيل الله، وقد جهز جيش العسرة بثلاثمائة بعير فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما على عثمان ما فعل بعد هذه، ما على عثمان ما عمل بعد هذه» (۷).
وعلي رضي الله عنه، وعبد الرحمن بن عوف الذي «تصدق مرة بأربعين ألفًا، وبقافلة جاءت من الشام كما هي» (٨).
وكذا كان جيل التابعين، وبرز في الإنفاق الكثير منهم، كأمير المؤمنين في الحديث عبد الله ابن المبارك الذي كان يتاجر من أجل الإنفاق على العلماء، ويحجج الناس من ماله الخاص، وغيرهم كثير.
رجل من عصرنا
لا يخلو جيل إلا ويبرز فيه من يتصف بصفات عباد الرحمن، والتي منها صفة الإنفاق فالخير في أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ومن أبرز من رأيت في حياتي من المنفقين في سبيل الله المنفق الكبير العم عبد الله علي عبد الوهاب المطوع «أبو بدر» يرحمه الله، الذي كان يرأس جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت.
فلقد رأيت من هذا الرجل العجب العجاب من صور الإنفاق، حتى لكأنه في هذه الصفة صحابي أو تابعي جاء من ذلك الزمان ليرينا بعض خصالهم، فما مررت عليه في مكتبه في يوم من الأيام، إلا ورأيته يتصدق بما يزيد أحيانًا على الألف والألفي دينار، فكيف بالساعات التي كانت قبل مجيئي، وما بعدها؟! رجل كان ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر أبدًا، وفي رمضان يقف بباب مكتبه العشرات من الفقراء، حيث يسلمهم المساعدات بيده شخصيًا، ولا أعرف أنه رد أحدًا ممن تقدم له بمساعدة أبدا.
وقد جاء في سيرته: «تربو المساجد التي أسسها أو شارك في عمارتها على ۲۰۰ مسجد، ويروي الشيخ أحمد القطان عنه: كنت معه في مجلس دار فيه الحديث عن بعض المآسي والنكبات والكوارث التي حلت ببعض المسلمين فتأثر وأصدر قرارًا مباشرًا بوقف مجموعة عمارات له لخدمة هؤلاء، وكانت هذه العمارات يقدر ثمنها بملايين الدنانير».
«كما دفع مليون دينار لتأسيس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، وأوقف عمارتين لها، كما أنه كان داعمًا لجميع الجمعيات الخيرية في الكويت وخارج الكويت ممن يقدمون إليه طالبين الدعم طوال أيام العام، كما بنى قرية لمشردي بورما، وبنى الكثير من المدارس خارج الكويت للمسلمين، وقام بكفالة ٤٨٥ يتيمًا، وحفر الكثير من الآبار» (٩)، هذا ما نعلمه والله أعلم بما قدمه بينه وبين الله تعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل