العنوان المسؤولية في حياة الداعية
الكاتب حسن الطوخي
تاريخ النشر السبت 24-أبريل-2004
مشاهدات 64
نشر في العدد 1598
نشر في الصفحة 54
السبت 24-أبريل-2004
الداعية الحق يلحق العمل بالعمل والتعب بالنصب.. مستقيمًا على منهج الله ساعيًا لمرضاته
سلاحه.. الإيمان والأخلاق والعلم.. يصبغ بيته بالطابع الإسلامي ويصبر على الأذى ويحسن دراسة البيئة المحيطة
كلنا يسمع ويرى ما آل إليه حال أمتنا الإسلامية من تشرذم وضعف ووهن، فهل نستسلم ونستكين لهذا الواقع المخزي والحل بين أيدينا؟
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
يقول أ. سيد قطب: «إن هذا الدين منهج إلهي للحياة البشرية يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد البشر أنفسهم في حدود طاقتهم البشرية...» (۱)
فلابد من تصحيح المسار والخروج من هذا السبات باستراتيجية طويلة المدى يجب على الداعية فيها كما يقول أ. مصطفى مشهور: «أن يلحق العمل بالعمل والتعب بالنصب والجهد بالمشقة وعدم ضياع الوقت والاستعداد لتحمل المسؤولية»..(۲)
والمسؤولية في حياة الداعية متعددة الجوانب منها:
أولًا: إصلاح نفسه: إن تسابق الداعية إلى أعمال الخير والطاعات سواء كانت من أعمال العبادات أو المعاملات أو الأخلاق والعادات لهو الرقي إلى أعلى درجات الجنة، ومن لم يشحذ همته في هذا السباق كان في المؤخرة.
قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الحديد: 21).
إن استقامة الداعي هي سر نجاح دعوته يقول د. فتحي يكن: «إن الداعية القدوة ليس لديه انفصام في الشخصية، فلابد أن يكون ظاهره كباطنه، وقوله كعمله، فلا يوجد من يدعو الناس إلى مكارم الأخلاق وأخلاقه سيئة أو يدعو الناس إلى الجهاد دون أن يكون مجاهدًا ...».(۳)
وقال -صلي الله عليه وسلم-: «إن الرجل لا يكون مؤمنًا حتى يكون قلبه مع لسانه سواء، ويكون لسانه مع قلبه سواء، ولا يخالف قوله عمله ويأمن جاره بوائقه» «رواه الأصبهاني».
قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ (الشمس: 7-10).
يقول د. يوسف القرضاوي: إننا نريد للداعية أن ينتصر في معركته على الجهل ولهوى والتسلط والفساد، وأن يتسلح بأسلحة شتى لازمة له في الدفاع والهجوم، وأول هذه الأسلحة ولا ريب:
1- الإيمان: فبدونه يبطل كل سلاح وتفشل كل ذخيرة، وليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.
2- الأخلاق: وهي من لوازم الإيمان الحق وأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا.
3-العلم أو الثقافة: فهذه هي العدة الفكرية للداعية بجوار العدة الروحية والأخلاقية والدعوة عطاء وإنفاق ومن لم يكن عنده علم ولا ثقافة كيف يعطي غيره وفاقد الشيء لا يعطيه؟(4).
ويقول د. سيد نوح: إن من العوامل المساعدة على التغيير:
1- الإقلاع عن الذنب والتوبة.
2- الاستعانة بالله.
3- دوام الذكر .
4- محاسبة النفس.
5- تذكر الأجر.
6- تذكر قصر الحياة ودنو الأجل.
7- مصاحبة أهل الجد.
8- اغتنام الأوقات والاستفادة منها.
9- التخطيط الواقعي. (٥)
ومن العوامل التي تعوق التغيير:
1- التسويف.
2- كثرة اللهو والهزل.
3- مصاحبة البطالين.
4- كثرة المباحات.
5- الركون إلى الدنيا .
6- إتباع الهوى (٦)
فالداعية الحق يستطيع تغيير نفسه وتوجيهها إلى الحق وتحبيبها في الخير وتنفيرها من الشر وإخراجها من الظلمات إلى النور.
الداعية الذي تحتاجه الأمة هو الذي وصفه د. أحمد حسن الزيات بقوله: «إن الداعية الحق إذا دخل قرية أشرقت أرضها واهتز أهلها لمقدمه فيهرعون إليه ويعكفون عليه، ويجدون فيه الدليل إلى الله، فمصافحته عهد لا ينقض، وإشارته كلام لا يرد ودعوته بركة لا تنقطع عبر وهو صامت، ويؤثر وهو ساكن والقوم من حوله مطرقون مستغرقون قد فرغت قلوبهم من مطامع الدنيا، وخلت صدورهم من وساوس الشيطان» (۷)
ثانيًا: تكوين البيت المسلم:
البيت أهم وحدات المجتمع، في كنفه تنبت الطفولة ومنه تمتد وشائج الرحمة وأواصر التكافل ويستقي منه الفرد القيم والمبادئ وتتكون فيه شخصيته، كما أنه يقوم بتصحيح انحرافات أفراده سواء كانت فكرية اعتقادية أو سلوكية خلقية، وإن سلام هذا البيت أكبر من كل شأن وإن اضطرابه وقلقه أخطر على الجماعة المسلمة من هجوم أي عدوان عليها (۸).
إذًا لابد من استقرار الحياة البيئية التي يتم فيها إعداد وتربية رجال ذوي شخصية متوازنة تتحمل المسؤولية وتخوض معركة الحياة وتحمل الراية لنصرة هذا الدين.
يقول الإمام الشهيد حسن البناء: «إن الإسلام بين أن الأسرة أساس اجتماعي وأساس للحياة الصحيحة التي تقوم على التعاون الروحي العملي وحبب فيها ورغب في تكوينها»(۹).
وواجب الداعية نحو بيته أن يطبعه بالطابع الإسلامي، فيكون مظهر البيت متفقًا مع متطلبات الإسلام من أثاث البيت وآداب الطعام والشراب والاستئذان وتعامل الأفراد مع بعضهم البعض وكيفية التعامل مع الجيران والبيئة المحيطة بهم.
وواجب هذه الأسرة نحو المجتمع هو تخريج جيل مسلم ذي:
1- عقيدة صحيحة في الله وفي الكون والحياة والإنسان.
2- عبادة سليمة لله عز وجل وفق ما شرع.
3- ممارسة العدل والإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا.
4- التعامل وفق النظم والقيم والمبادئ التي أقرتها الشريعة الإسلامية.
5- الأخذ بعيدًا ممارسة الحقوق وأداء الواجبات بين أفراد الأسرة الواحدة، والأسر كلها والمجتمع في مختلف قطاعاته، بل المجتمع المسلم مع غيره من المجتمعات. (۱۰)
ثالثًا: تكوين مجتمع مسلم:
يقول أ. علي عبد الحليم: «إن المجتمع الذي أقامه سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وفق منهج الله ونظامه هو المجتمع الذي استطاع -فيما يقارب نصف قرن من الزمان- أن ينشر مبادئه وما تتضمنه من عقائد وعبادات ومعاملات وعدل وإحسان وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وجهاد في سبيل الله فيما يقرب من نصف الكرة الأرضية وقتها ولم يكن إعجازًا إنما كان ميسرًا بفضل الله والالتزام بمنهج الإسلام في بناء المجتمع الراشد». (۱۱)
يقول د. محمد أمين المصري «إنه لأمر خطير جدًا أننا نحمل اسم الإسلام ولا نحمل رسالة الإسلام» (۱۲).
قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110).
يقول أ. سيد قطب: «إن شطر هذه الآية يضع على كاهل الجماعة المسلمة في الأرض واجبًا ثقيلًا بقدر ما يكرم هذه الجماعة ويرفع مقامها، ولا تتم الخيرية لهذه الأمة إلا إذا تم شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد الإيمان» (۱۳)
يقول رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم» «رواه البخاري»
ويجب على الداعية عند سلوكه هذا الطريق مراعاة أساليب عدة تعينه على الوصول إلى هدفه.
يقول د. عبد الله ناصح علوان: على الداعية أن:
1- يبدأ بالأهم فالمهم: البدء في الدعوة بالعقيدة قبل العبادة، وبالعبادة قبل مناهج الحياة، وبالكليات قبل الجزئيات وبالتكوين الفردي قبل الخوض في غمار السياسة.
2- الصبر على الأذى: ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فهو الذي أصابه من الأذى ما لم يصب داعية قبله ولا بعده ومع ذلك كله لم يبال، بل أعطى الدعاة المثل الأعلى في الصبر والتحمل والثبات والصمود:
3- قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ (العنكبوت: 1-3).
4- دراسة البيئة المحيطة: يقوم الداعية بدراسة المكان الذي يبلغ فيه الدعوة ويعرف مراكز الضلال ومواطن الانحراف والأسلوب الذي يتفق مع عقلية الناس واستعدادهم ومستوى تفكيرهم ومبلغ استجابتهم وتقبلهم. (١٤)
رابعًا: مسؤولية الفرد داخل الحركة الإسلامية:
يقول د. محمد أمين المصري: «إن تربية الإسلام هي تربية روح المسؤولية، وللقيادة مكانتها وحبها واحترامها، ولكن الإسلام أوجد الانسجام الكامل بين طاعة القيادة واحترامها وامتثال أمرها -مادامت تمثل الفكرة الإسلامية تمثيلًا صحيحًا- وبين تنمية روح النقد البناء وتحمل التبعات» (١٥)
وهكذا كان يربي الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه على الطاعة التامة للقيادة، وفي نفس الوقت يربيهم على قول الحق والجهر به أينما كانوا.
فالحركة الإسلامية تريد تربية قادة يتحملون التبعات لا أتباعًا يسيرون وراء كل مناد.
ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة: ففي موقعة بدر يستشير الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه ويدع رأيه لرأيهم.
وفي غزوة أحد ينزل الرسول -صلى الله عليه وسلم- على رأي الشباب في الخروج لملاقاة العدو خارج المدينة.
وفي غزوة الخندق ينفذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- مشورة سلمان الفارسي في حفر الخندق.
ومن خلال هذه التربية يشعر كل فرد أنه مسؤول عن الدعوة وأهدافها حتى ولو كان وحده.
ومن خلال هذه المسؤولية يجب على الفرد داخل دعوته الالتزام ببعض السلوكيات التي عددها أ. مصطفى مشهور:
1- أن يحيط الفرد دعوته بكل ما تطلبه منه من مهام والتزامات في موقعه الذي يشغله وأن يطوع ظروف حياته كلها لصالح دعوته.
2- أن يلتزم بالفهم الصحيح الشامل الذي ارتضته دعوته.
3- أن يلتزم طريق العمل وخطواته كما حددته دعوته لتحقيق هدفها المنشود.
4- أن يكون حارسًا أمينًا على أهداف دعوته التي أقيمت من أجلها.
5- الإخلاص والولاء لدعوته والتخلص من أي ولاء لسواها.
6- أن يلزم نفسه امتثال الأمر الصادر من قائده أو مسؤولة وإنفاذه في العسر واليسر والمنشط والمكره ما كان في غير معصية.
7- توفير الثقة بينه وبين قادته.
8- أن يتجنب الأساليب الحزبية السيئة وكذا التحزب حول أشخاص أو عصبيات إقليمية.
9- أن يتجنب إحداث مشكلات في الصف أو مجالات العمل وألا يشغل إخوانه وقيادته بخلافات شخصية بينه وبين غيره من الأفراد تكون على حساب الدعوة وإنتاجها (١٦)
إن بناء أمة مسلمة تحمل مسؤولية هذا الدين وتنشره في الأرض يستلزم التدرج في خطوات هذا البناء وتأسيسه على قواعد صلبة متينة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ (الحج: 77-78).
الهوامش
1- «هذا الدين» أ. سيد قطب.
2- «من فقه الدعوة» أ. مصطفى مشهور.
3- «الاستيعاب في حياة الداعية» د. فتحي يكن.
4- «ثقافة الداعية» د. يوسف القرضاوي.
5- «آفات على الطريق» ج ٣ د. سيد نوح.
6- المرجع السابق.
7- من مجلة «الرسالة» العدد الثامن.
8- الظلال- أ. سيد قطب.
9- «حديث الثلاثاء».. الإمام الشهيد حسن البنا .
10 -إعداد أ. حسن عاشور.
11- «تربية الناشئ المسلم» أ. علي عبد الحليم.
12- نفس المرجع السابق.
13- «سبيل الدعوة الإسلامية» د. محمد أمين المصري.
14- الظلال، أ. سيد قطب.
15 -«حتى يعلم الشباب» د. عبد الله ناصح علوان.
16- «سبيل الدعوة الإسلامية» د. محمد أمين المصري.
17- «من فقه الدعوة» أ. مصطفى مشهور.