; التفكير.. والهجرة (١) خلوة فكرية.. مع الهجرة النبوية | مجلة المجتمع

العنوان التفكير.. والهجرة (١) خلوة فكرية.. مع الهجرة النبوية

الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2011

مشاهدات 58

نشر في العدد 1979

نشر في الصفحة 54

السبت 03-ديسمبر-2011

  • على المسلم أن ينظر فيها نظر عبر وانتفاع فهي ليست حدثا عابراً إنما هي تاريخ أمة وخاتمة رسالة 
  • كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم- ومازالت - كتابا حيا يقرأ وتاريخا خالدا يدرس وقدوة مثالية تتبع 

هذه دعوة لكل من أراد أن يرقى تفكيره، وينضج فكره، وتنقح خواطره .. دعوة لصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته المباركة، والتجول في أروقتها، والتفكر في أرضها، والسياحة في سمائها، ففيها غذاء الفكر وفيها دواء السقم، وهي للمُحِب شفاء. 

كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم- ومازالت - كتاباً حيّاً يُقرأ، وتاريخاً خالداً يُدرس، وقدوة مثالية تتبع، يرقى معها تفكير الإنسان إذا عاش في رحابها وخلا بها خلوة خالصة يبغي منها تجديد إيمانه وإصلاح حياته، إنها خلوة المحب بحبيبه حتى تقوى روحه وينمو عقله ويثبت قلبه ويشتد ساعده، خلوة له منها لفكره الغذاء ولتفكيره النضج والنماء. 

لذا فإن على المسلم أن ينظر صادقا في هذه الهجرة المباركة نظر عبر وانتفاع فهي ليست حدثا عابرا كبقية الأحداث، إنها تاريخ أمة وخاتمة رسالة، ومجيء حق وزهاق باطل هداية أرواح وتربية وبناء، تأليف قلوب وبذل وعطاء، من يعش معها يجد بين ثنايا أحداثها العلاج الشافي والجواب الكافي، فكم فيها للفكر من غذاء وقوة ونشاط وصحة، وكم فيها من علاج لأسقامه ليشفى ويستقيم. 

ألا فليراجع كل منا نفسه ويختبر أفكاره ويقيّم مفاهيمه، وليُعد التفكير من جديد في أحداث هذه الهجرة بما يناسب حاله ومقامه فسيجد فيها هدفه ومبتغاه. 

لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعاً حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ ولعلنا نعيش معها من البداية، وذلك الحدث العجيب حيث السيدة خديجة رضي الله عنها، وابن عمها ورقة بن نوفل وحديث مع النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه الوحي أول مرة؛ فَقَالَ: «يَا خَدِيجَةَ، مَا لي؟»، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، وَقَالَ: «قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسى»، فَقَالَتْ لَهُ: كَلا، أَبشر فَوَالله لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصلُ الرَّحمَ وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ وَتَحمل الكل وَتَقري الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائب الْحَقِّ. ثُمَّ انْطَلَقَتْ به خَديجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوِّفَل بن أَسَد عَبْدِ الْعُزَّى بن قُصَيٌّ وَهُوَ ابْنُ عَمَّ خَدِيجَةً أَخُو أَبَيهَا، وَكَانَ امْرَأَ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ فَيَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةَ مِنْ الإنجيل مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كبيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَي ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ من ابن أخيكَ. فَقَالَ وَرَقَةُ : ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَا رَأَى فَقَالَ وَرَقَة: هَذَا النّامُوسُ الذي أنزِلَ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فيهَا جَذَعاً أكونُ حَيّاً حينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟»، فَقَالَ وَرَقَة: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُل قَطْ بِمَثْل مَا جِئْتَ به إلا عُودِيَ، وَإِنْ يُدركني يَوْمُك أنصُرِّك نَصْرًا مَوْزَرًا . 

قبل الهجرة: وقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم في مكة صادقا أمينا ، لم تؤخذ عليه كذبة قط، لم يخن ولم يغش قط، سيرته مع الجميع تشهد بحسن خلقه وكريم فعاله، ألم يكونوا يلقبونه الصادق الأمين؟ يقولون: هذا الأمين، جاء الأمين رضينا بالأمين.. إلى أن بُعث صلى الله عليه وسلم نبيا رسولا فتبدلت حالهم وانتكسوا وتضاربت أقوالهم فيه واختلفوا! وإذا هم يصفونه بالسحر والكذب؛ ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: 4] ويقولون: إنه شاعر ويتهمونه بالجنون؛ ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ﴾ [الصافات: 36]، يقولون ذلك وهو الكامل المعصوم  ، فداه أرواحنا وأموالنا وأنفسنا وأهلونا . 

وها هو الحبيب صلى الله عليه وسلم، إنه قائم بينهم يدعوهم إلى الإيمان بشتى الوسائل وأحسن الطرق، يدعوهم بالترغيب والترهيب وبالتشويق والتخويف، وظل على ذلك سنين عدداً يدلهم على الهداية بصبر وحكمة وموعظة حسنة ودفع بالتي هي أحسن، أوذي أصحابه أمام عينيه ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: 146].. وهو لا يملك دفع الضر عنهم، إلا أن يحثهم على الصبر والتصبر: «صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». 

تحمل الأذى فلم يجزع أو ييأس، وعُودِيَ فما انتقم، قالت عائشة رضي الله عنها له: هل أتى عليك أشد من يوم "أحد"؟ قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك ، وقد بعث الله إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد فقال : ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا» (رواه البخاري). 

كلمة واحدة 

وقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم معهم في مكة ثلاث عشرة سنة من عمر الرسالة دعاهم إلى الله سراً وجهاراً ليلاً ونهاراً، كان حريصاً على هدايتهم أشد الحرص حزينا على عدم استجابتهم غاية الحزن فيتنزل عليه القرآن: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3]، وهذه تسلية من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8] ، وكقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ ﴾ [الكهف: 6]؛ أي: قاتل نفسك ومهلكها مما تحرص وتحزن عليهم. 

وعلى قدر حرصه عليهم قابلوا دعوته بالجحود والإيذاء، وصبره بالتهكم والاستهزاء وحبه بالبغض والعداء حيث تعطلت عندهم آلات الإبصار وانطفأ نور البصيرة فقالوا: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الأنفال: 32]. 

كان يدعوهم إلى كلمة سواء عليها مدار صلاحهم وصلاح حالهم، لكنهم ناصبوه العداء.. كلمة ضرب الله لها مثلا مشوقا في القرآن فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾ [إبراهيم: 24]، قال ابن عباس: إنها شهادة أن لا إله إلا الله. وقال مجاهد وابن جريج: الكلمة الطيبة الإيمان. 

لكن مشركي مكة أصروا على عنادهم وعطلوا عقولهم وجوارحهم عن النظر والتفكر في هذه الكلمة الطيبة، وتعصبوا لرأيهم وفكرهم وكبريائهم، وجاههم وسلطانهم، وحسدهم وبغيهم، وتقليدهم الآباء في باطلهم فأخذتهم العزة بالإثم وما أعطوا أنفسهم الفرصة للتخلص من كل ذلك، وهذا هو التعصب الممقوت، فعن ابن عَبّاس رضي عنهما قَالَ: مَرضَ أَبو طالب فَجَاءَتْهُ قُرَيْشٌ وَجَاءَهُ النبي صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَ أَبي طَالِب مَجْلِسُ رَجُل فَقَامَ أَبُو جَهْلِ كَيْ يَمْنَعَهُ، قَالَ وَشَكُوهُ إِلى أَبِي طالب فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي مَا تُرِيدُ مِنْ قَوْمِكَ؟ قال: «إني أريد منهم كلمة واحدة تدِينَ لَهُم بِهَا العرب وتؤدّي إليهمُ العَجَمُ الجِزْيَةَ»، قالَ كَلِمَةً وَاحِدَةً؟  َقالَ: «كَلمَة وَاحِدَة»، فَقَالَ: «يَا عَمْ، يقُولُوا: لا إلَهَ إلاّ الله. فَقَالُوا : «إِلَهَا وَاحِدًا»؟ «مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فى الملة الآخَرةَ إِنْ هَذَا إِلَّا اختلاق»، قَالَ: فَنَزَلَ فيهِمُ القُرآنُ: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: 1، 2]، إلى قَوْلِهِ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: 7]

روى عبدالله بن مسعود رضي الله قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة، وجمع قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي، أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به، ثم يمهله، حتى إذا سجد، وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدا، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة عليها السلام، وهي جويرية، فأقبلت تسعى، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدا، حتى ألقته عنه وأقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش»، ثم سمى: «اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد»، قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم "بدر"، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأتبع أصحاب القليب لعنة» (رواه البخاري). 

وبرغم الإيذاء الشديد الذي تنوعت أساليبه وتعددت أشكاله واختلفت أوقاته، فإن الله تعالى أمره بالصبر والثبات والاستمرار في الدعوة حتى تقوم عليهم الحجة وتبلغهم الرسالة، وتلك هي مهمته صلى الله عليه وسلم: "إن عليك إلا البلاغ"، و"ليس عليك هداهم.."، والبلاغ يحتاج لزاد، ومن هنا كانت تتنزل عليه الآيات ترشده وتقويه وتثبته؛ ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: 48]؛ أي فاصبر على ما حكم به عليك ربك من تبليغ الرسالة، واصبر على أذى قومك لك وتكذيبهم، ولا تعجل ولا تغاضب فلا بد من نصرك، فإن الله سيحكم لك عليهم، ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة. 

قال قتادة: إن الله تعالى يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ويأمره بالصبر، ولا يعجل كما عجل صاحب الحوت، وذلك أن يونس بن متى عليه السلام بعثه الله إلى أهل قرية نينوى وهي قرية من أرض الموصل فدعاهم إلى الله تعالى فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبا لهم ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

935

الثلاثاء 17-مارس-1970

ناس.. وقضايا.. وتعليقات

نشر في العدد 2147

140

الثلاثاء 01-سبتمبر-2020

الهجرة النبوية.. من دلالات المشهد