العنوان إيران في الطريق إلى انقلاب عكسي «2»
الكاتب محمد عبد الهادي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1984
مشاهدات 57
نشر في العدد 667
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 17-أبريل-1984
- كتلة رافسنجاني ترتبط بالعسكر تطالب بإنهاء الثورة والالتفات إلى التأصيل السياسي.
- مجموعات من رجال الدين يعادون خط «خميني» ويطالبون بعزل الملالي عن توجيه الحكم والتفرغ لتوجيه الجانب الخلقي للمجتمع.
- البازار والعسكر محطتان تستند إليهما دائمًا القوى الراغبة في التغيير.
في العدد الماضي خلصت المجتمع إلى أن الانتخابات الخاصة بمجلس الشورى في إيران لن تأتي بجديد مؤثر على السياستين الداخلية والخارجية ولا سيما وأن المعارضة التي انتصر عليها الحزب الجمهوري الحاكم لن تدخل الانتخابات ليظل الترشيح للمجلس الجديد محصورًا في أعضاء الحزب الجمهوري كذلك خلصت الحلقة السابقة إلى أن هنالك معارضة لنهج الخميني داخل الحزب الجمهوري يمثلها بعض رجال الدين فضلًا عن المعارضة الجديدة للحركة الدينية المسماة بـ «الحجتية» لكن تظل معارضة مراكز القوى المؤثرة في الحزب الجمهوري لنهج «خميني» هي صاحبة الوزن الأكبر في تغيير مجرى السياسة الراهنة، ولا سيما هنالك من يلح في التصريح -كحسين منتظري -أن إيران- والحالة الداخلية كهذه -تسير في الطريق إلى انقلاب عكسي. طالما أنها كانت منذ خمس سنوات وما زالت تعاني عنفًا رهيبًا دمر المبادئ ومزق الشمل باسم الإسلام على حد تعبير حسين منتظري.
وإذا كانت مراكز القوى الحزبية -والدينية داخل الحزب الجمهوري تتخذ اليوم أكثر من أي وقت مضى مواقف معلنة تخالف نهج خميني تجاه أكثر القضايا حساسية كالحرب في الخليج. فإن المعارضة الدينية التي تمثلها الحجتية في الجانب العقائدي بشكل خاص أو تمثلها حركة تحریر إیران «حزب مهدي بازر كان رئيس الوزراء الأسبق» في الجانب السياسي تحتاج إلى وقفة.
- صراع موسوي مع الحجتية:
تتصدى الحكومة كمدافع عن توجه الحزب الجمهوري الحاكم لحركة الحجتية وزعمائها ومعروف أن الحجتية كانت تشارك في الحكومة حتى لشهور قليلة خلت. كما أن الحجتية ساهمت إلى جانب الحزب الجمهوري في تصفية حزب تودة في السنة الماضية. ويبدو أن خميني الذي تخلص من حزب تودة خطط للتخلص من الحليف الآخر المتمثل بالحجتية وزعيمها الشيخ محمود الحلبي الذي نقلت التقارير أنه حاول التأثير في نهج خميني منتقدًا تفرده في الحكم ورافضًا لمبدأ وصاية الفقيه التي جعلت من الخميني حاكمًا أوحد للأمة، ولكن محمود الحلبي فشل في محاولاته واختلف مع الخميني والمقربين إليه وعلى رأسهم رئيس الوزراء الحالي الأمر الذي جعل الحلبي يلجأ إلى مشهد ليتحالف مع أحد مراكز القوى الدينية وهو «قمي» وهو معروف بعدائه للخميني. لكن رئيس الوزراء انتهز فرصة نقد «الحجتية» للسياسة الاقتصادية فأمر بتعقب أتباعها الأمر الذي أدى إلى المواجهة المسلحة بين الطرفين. لكن الحجتية الذين يرون في قوة «البازار» مساعدًا لهم في وجه الحكومة لم يدخروا جهدًا في تحريض البازار على السياسة القائمة، والخطر في هذا التكتيك على نهج خميني يأتي من تعاطف بعض مراكز القوى الدينية المعروفة معالبازار، ويؤكد كثير من المطلعين على الداخل الإيراني أنه يتعاطف مع رجال البازار وحركته القائمة عدد من الملالي الكبار من أمثال «مرعشي، وكلبا ذكياني- ونجفي- وقمى». وكل هؤلاء يتهمون موسوي والحكومة القائمة بأنهم يجعلون من البازار كبش محرقة تضحي به الحكومة لتغطية فشلها، ولكن هل تستطيع الحكومة الوقوف في وجه البازار؟ وهل ستستمر الحكومة الجديدة بعد الانتخابات في عداء البازار؟ أن معظم المراقبين لأوضاع إيران الداخلية يعتقدون أن من يعادي البازار يسعى إلى نهايته ويقولون: لن يشذ حسين موسوي عن هذه القاعدة كما لن تشذ نهاية أية حكومة تفرزها الانتخابات عن هذا؟ ومعنى ما يذهب المراقبون إليه أن القوى الدينية ستجعل من البازار محطة أساسية من محطات التنافس في إطار صراعها على السلطة ومسألة خلافة خميني.
- حركة تحرير إيران:
وهي عبارة عن حزب يتبع مهدي بازركان وكانت الحركة فيما مضى شاركت في إسقاط الشاه في حلفها مع خميني لكن ماذا بقي من هذه الحركة؟
منذ أن تسلم مهدي بازركان السلطة من «شابور بختيار» شكل حكومته المؤقتة ومن هنا بدأ صراع حركة تحرير إيران مع خميني والحزب الجمهوري وما زال هذا الصراع مستمرًا حتى الآن لكنه يعتبر صراعًا من الدرجة الثانية إذا قيس بصراع أركان الحزب الجمهوري فيما بينهم من ناحية أو إذا قيس بصراع حكومة «موسوي» مع الحجتية وحلفائهم من رجال الدين من ناحية أخرى، أما قصة الخلاف مع بازركان فتبدأ من نقض الحزب الجمهوري لاتفاق كان يقضي أن يتسلم بازركان الإشراف على جميع النواحي السياسية وعلى الهيئة التنفيذية في البلد، بينما تكون المؤسسات الثورية من حصة الحزب الجمهوري.
لكن الحزب الجمهوري سعى منذ البداية لإعطاء بازركان دورًا ثانويًا لا يتعدى الخدمة في مرحلة انتقالية، وفعلًا تمكن الحزب الجمهوري من إسقاط بازركان وإبعاد حركة تحرير إيران من خلال الحملات الإعلامية من ناحية والإجراءات التي أطلقت يد خميني في كل شيء مثل إنشاء مجلس الخبراء وتقرير قضية ولاية الفقيه، ثم فرض دستور ولاية الفقيه أيضًا وهذه أمور مكنت الخميني والحزب الجمهوري من إبعاد شركاء الأمس عن المشاركة في الحكم وفعلًا كانت فرصة الحزب الجمهوري الذهبية سانحة عندما كلف بازركان بلقاء المستشار الأمريكي «بريجينسكي» في الجزائر حيث تم احتلال الطلبة المدفوعين من قبل الحزب الجمهوري للسفارة الأمريكية الأمر الذي جعل بازركان -الذي يعرف اللعبة -يسرع في تقديم استقالته.
ويتوقع مراقبون في العاصمة الإيرانية أن حزب حركة تحرير إيران يتعامل مع الواقع السياسي داخل البلاد بشيء غير قليل من السلبية، ويتوقع المعارضة الحزب أن تنجح فيما لو تم التنسيق مع الحجتية؛ لكن مراقبين آخرين على صلة بالمعارضة خارج إيران يعتقدون أن بازركان يترقب بهدوء ولا يخلو ترقبه من تنسيق ما مع قوى أساسية داخل الحزب الجمهوري نفسه وهذا يزيد من زحمة القوى المتنافسة على السلطة داخل الحكمالقائم حاليًا.
- الصراع داخل السلطة القائمة:
على الرغم من أن الحزب الجمهوري أنشأ مجلس الخبراء لاحتواء أي خلاف بين مراكز القوى الدينية والسياسة بعد موت خميني فإن كثيرًا من المراقبين يعتقدون أن مجلس الخبراء لا يستطيع أن يقضي على خلافات مراكز القوى بعد خميني لأن كثيرًا من مراكز القوى هم أعضاء في مجلس الخبراء وهذا يعني أن الصراع بين تلك المراكز سينعكس على مجلس الخبراء نفسه، وكان خميني حدد مهمة هذا المجلس باختيار خليفة له.
وفي حالة عدم توصل المجلس لاختيار خليفة واحد يختار لجنة «مجلس وصاية» تقوم بمهام خميني.
ويعتقد المراقبون هنا أن أية قيادة جماعية ستكونأكثر عرضة لظهور صراعات على النفوذ داخل إيران التي تشهد كل أروقتها السياسية منذ الآن خلافات في التوجه السياسي بين مراكز القوى المشاركة في الحكم والتي تتشكل ضمن كتل منها:
١- كتلة علِي خامئني رئيس الجمهورية وحسين موسوي رئيس مجلس الوزراء،وتعتقد هذه الكتلة أن المنهج الثوري «منهج خميني» يجب أن يستمر.
وأن التجربة السياسية الداخلية ما زالت تحتاج إلى قطع أشواط على خط خميني نفسه. ويعتقد «أمير طاهري» وهو إيراني معارض أن هذه الكتلة بدأت تفقد نفوذها وتأثيرها في الشارع السياسي بعد أن استهلكها خميني، لكن هناك شيئًا تتميز به هذه الكتلة عن توجهات كثير من رجال الدين ممن يؤيدون نهج خميني هذا الشيء هو اعتقادها بضرورة فصل المهام الدينية وإسنادها إلى لجنة من رجال الدين عن المهام السياسية التي يستقل رئيس الجمهورية وحكومته في تسييرها.
٢- كتلة هاشمي رافسنجاني المؤيد لخلافة منتظري، وتتبنى هذه الكتلة ترشيح منتظري خليفة لخميني خلافًا لكثير من توجهات مراكز القوى الدينية في إيران وتختلف هذه الكتلة اختلافًا جوهريًا مع كتلة خامئني وموسوي بشأن استمرار التجربة السياسية الثورية حيث يطالب رافسنجاني بإنهاء الثورة والبدء بمرحلة جديدة هي مرحلة البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهذا التوجه في فكر الكتلة يلقى ترحيبًا عند منتظري الذي حذر من أن تكون إيران في الطريق إلى انقلاب عكسي بسبب الدماء التي دمرت كل شيء خلال خمس سنوات.
ومن كبار مؤيدي كتلة رافسنجاني قائد الحرسالثوري. وهذا يعطي الكتلة قوة خاصة في إطار التنافس على السلطة في إيران كذلك يؤيد الكتلة محمد جارازي وزير البترول والذي يترأس مجموعة تسمي نفسها «مجاهدي إسلام» وهي تنظيم مسلح.
وكما أشرنا في الحلقة الماضية فإن هاشمي رافسنجاني وأعوانه ينشطون باتجاه إقامة تنظيم مسلح ترتبط خيوطه ببعض التشكيلات في الجيش والحرس الثوري لتكون مهمة هذا التنظيم في المستقبل مواجهة مراكز القوى الأخرى وإزاحتها من الطريق.
٣- وهناك كتلة ثالثة لها وزنها ويتزعمها رجل دين يطلق عليه الإيرانيون اسم «آية الله أكبر» وتعارض كتلة هذا الرجل مجموعة رجال الدين المقربة من خميني وتطالب بأن يقتصر دور هؤلاء على المراقبة الأخلاقية في المجتمع. وإذا كانت كتلة رافسنجاني ترتبط بمراكز قوى عسكرية وثورية فإن هذه الكتلة ترتبط ارتباط قويًا بالبازار الذي لا يقل في قوته عن القوى الأخرى في الساحة الإيرانية. ويقيم زعيم هذه الكتلة تحالفات مع عدد من رجال الدين في إطار اتفاق يسعى كما هو معلن إلى تجنيب البلاد فوضى سياسية بعد خميني.
بعد هذا الاستعراض لأبرز المواقع المتنافسة على الساحة السياسية البارزة في إيران نسأل:
أين يقف العسكر كقوة للتغيير؟
- يقول الكاتب الصحفي أمير طاهري وهو إيراني:
«العسكريون هم الحصان الذي يراهن عليه كثير من زعماء المعارضة في الخارج، ويجمع الخبراء على أن الود مفقود بين النظام القائم والجيش نتيجة الخلافات حول معالجة النزاع مع العراق»
هذه هي الصورة في إيران، وهي صورة لا يمكن وصفها بالثبات طالما أن الأمور لا توصف بالاستقرار في هذا البلد ومع ذلك فإن هذه الصورة للواقع السياسي الداخلي تشير إلى أن صراعًا ما سينشب بعد الخميني ولن يقتصر على هذه العناصر. فهناك مجموعات من المثقفين والسياسيين الذين آثروا الانزواء بعيدًا عن الأضواء تجنبًا للقمع الثوري القائم في انتظار الوقت الملائم، ثم هناك مجموعة المعارضة في الخارج فهل حقًا أن إيران تسير في الطريق إلى انقلاب عكسي كما قال منتظري؟