العنوان المساواة في الإسلام
الكاتب هائل سعيد الصرمي
تاريخ النشر السبت 13-يوليو-2013
مشاهدات 86
نشر في العدد 2061
نشر في الصفحة 52
السبت 13-يوليو-2013
- الإسلام حارب كل أنواع العصبية والتفاخر وجمع المسلمين تحت آصرة الإيمان والدين.
- المنهج الإسلامي في تحرير العبيد تحرى العدل في العتق ثم ساوى بين العبد وسيده.
- الإسلام أول من نادى بحقوق الإنسان وشدد على حمايتها.. وتاريخه حافل بالمواقف.
تأكيداً لمبدأ المساواة، ألغى الإسلام الفوارق وكل أنواع العصبية والتفاخر وجعل الآصرة التي تجمعهم هي آصرة الإيمان والدين، يقول عز وجل: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ (التوبة28:).
وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةِ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةِ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّة« (رواه أبو داود)، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: »مَنْ أَعَانَ قَوْمَهُ عَلَى ظلم فَهُوَ كَالبَعِير المتردي يَنْزِعُ بِذَنبِه» (رواه الإمام أحمد).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةً الْجَاهِلِيَّة وَفَخْرَهَا بِالآباء، مُؤْمِنٌ تَقِيُّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ أَنتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابِ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخَرَهُمْ بِأَقْوامِ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْم جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتنَ(1)«
وَعَنْ جَابِرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: كنا في غزاة فكسع رَجُل مِنَ المهاجرين رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا للأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا للْمُهَاجِرِينَ فَسَمَّعَهَا رَسُولَهُ ﷺ، قَالَ: «مَا هَذَا؟« فَقَالُوا: كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ . فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَا للْأَنْصَارِ، الْأَنْصَارٍ، صَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِي: يَا الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنتَةٌ«.
قَالَ جَابِرٌ: وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ حين حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَ، ثُمَّ كَثُرَ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدُ، بَعْدُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَيٍّ : أَوَ قَدْ فَعَلُوا، وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا المنافق قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:»دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ« (متفق عليه).
تحرير العبيد
الإسلام حرر العبيد، وساوى بين العبد وسيده، فقد اتخذ الإسلام منهجا عادلا في تحرير العبيد، جمع فيه بين التحرير للعبيد وحفظ الأموال لمالكيهم، حيث جعل التحرير طواعية لا جبر فيه، وذلك بجعله أجرًا كبيرًا لمن يعتق الرقاب وجعل العتق كفارات لكثير من الحدود، وأقر الاكتتاب وغير ذلك مما يضمن التحرير، ومواءمة تصرفات المسلم وفق ما يرضي ربه، ويجعله مطمئنًا لا يشعر بحرج شرعي بعد أدائه للكفارة.
وبفضل هذا المنهج تحرر كل العبيد في فترة وجيزة عن رضا وقناعة وحب للإسلام، فلو جاء الإسلام لينزع من الناس أموالهم لما دخل الناس في الإسلام.
إن الرق من أكبر مصادر الاستغلال والثراء لملاك العبيد، حوله الإسلام -بمنظومة القيم التي كادت أن تسوي بين العبد وسيده- إلى ما يشبه العبء المالي على ملاك الرقيق فمطلوب من مالك الرقيق أن يطعمه مما من يأكل ويلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق، بل والمطلوب منه -أيضًا- إلغاء كلمة «العبد» و«الأمة»، واستبدالها بكلمة »الفتى» و«الفتاة»، كما ورد في الأحاديث.
عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ أَبُو مسعود البدري: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ فَلَمْ أَفْهَمَ الصَّوْتَ مِنَ الْغَضَبِ، قَالَ: فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُود»، قال: فَألقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي، فَقَالَ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ«، قَالَ:فَقُلْتُ: لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا .
وعَنْ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِ عَبْدِ الْوَاحِدِ نَحْوَ حَدِيثِهِ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ : فَسَقَطَ مِنْ يَدِي السُّوْطُ مِنْ هَيْبَتِهِ قَلَتْ: وَأَنَا الْغُلَامُ الْفَارِسِيُّ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: »فَهَلَا قُلْتَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلَامُ الأَنْصَارِي« (رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة(.
نسيج اجتماعي
بل لقد مضى الإسلام إلى ما هو أبعد من تحرير الرقيق، فلم يتركهم في عالم الحرية الجديد دون عصبية وشوكة وانتماء، وإنما سعى إلى إدماجهم في القبائل والعشائر والعصبيات التي كانوا فيها أرقاء، فأكسبهم عزتها وشرفها ومكانتها ومنعتها وما لها من إمكانات، وبذلك أقام نسيجاً اجتماعيًا جديدًا عن طريق »الولاء»، الذي قال عنه رسول الله ﷺ: »الولاء لحمة كلحمة النسب» (رواه الدارمي).. حتى لقد غدا أرقاء الأمس «سادة» في أقوامهم، بعد أن كانوا «عبيدًا» فيهم.. وقد قال عمر بن الخطاب -وهو من هو- عن بلال الحبشي الذي اشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه: سيدنا أعتق سيدنا! كما تمنى عمر بن الخطاب أن يكون سالم مولى أبي حذيفة حيا فيختاره في منصب الخلافة؛ فالمولى الذي نشأ رقيقا قد حرره الإسلام، فكان إمامًا في الصلاة وأهلا لخلافة المسلمين.
ورغم انتكاس الواقع التاريخي للحضارة الإسلامية بعد عصر الفتوحات، وسيطرة العسكر المماليك على الدولة الإسلامية، إلا أن حال الأرقاء في الحضارة الإسلامية قد ظلت أخف قيودا وأكثر عدلا بما لا يقارن من نظائرها خارج الحضارة الإسلامية.
دوافع مادية
عندما سعت أوروبا في القرن التاسع عشر إلى إلغاء نظام الرق وتحريم تجارته، لم تكن دوافعها في أغلبها روحية ولا قيمية ولا إنسانية، وإنما كانت في الأساس دوافع مادية لأن نظامها الرأسمالي قد رأى في تحرير الرقيق سبيلًا لجعلهم عمالا أكثر مهارة، وأكثر قدرة على النهوض باحتياجات العمل الفني في الصناعات التي أقامها النظام الرأسمالي.
ولقد كان القرن الذي دعت فيه أوروبا لتحرير الرقيق هو القرن الذي استعمرت فيه العالم، فاسترقت بهذا الاستعمار الأمم والشعوب استرقاقًا جديدًا، لا تزال الإنسانية تعاني منه حتى الآن» (2).
ولقد أصبحت المساواة من أهم المبادئ في حقوق الإنسان اليوم.. فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة الأولى على: أنه يولد جميع الناس أحرارًا متساويين في الكرامة والحقوق، ويشير القانون الدولي إلى القضاء على كل تمييز عنصري.
ولكن وفق نظرة بشرية قاصرة تعسفت المدلولات بحسب الهوى، ودخل التخليط في الإسقاط والتنفيذ، فحدث الجور والطغيان تحت تلك الشعارات وتحت مسميات حقوق الإنسان، وهذا أكبر الظلم وأشده، فمن يظلم تحت مسمى العدل أشد وطأة ممن يظلم تحت مسمى آخر، فهي مفاهيم حق يراد بها باطل، تتغنى بها دول عظمى لتستعبد بها الشعوب، حتى في حالة تطبيق هذه الشعارات أتت بمردودات عكسية؛ لأن المفاهيم والمبادئ تعمل وفق منظومة متكاملة من القيم لتحقق أهدافها، ولا تؤدي دورًا إذا اجتزأت أو حرفت دلالتها، فعلى سبيل المثال: لقد سووا بين الرجل والمرأة بإطلاق ودون مراعاة للفوارق والتكوينات الفطرية بين الجنسين، ولأن هذه المبادئ لا تعمل بكفاءة ولا تتكامل إلا وفق منظومة القيم كلها في إطار شامل يتناول كل مظاهر الحياة؛ لذلك فشل التطبيق الغربي لهذه المبادئ، وإن كان في بداية الأمر قد حقق قدرًا لا بأس به مكنته من قيام تكويناته الحديثة، لكنه فشل في نهاية المطاف وحضارته في انهيار متلاحق؛ بسب اصطدامه مع فطرة الإنسان.
ويعد الإسلام أول من نادى بحقوق الإنسان، وشدد على ضرورة حمايتها، وكل دارس للشريعة الإسلامية يعلم أن لها مقاصد تتمثل في حماية حياة الإنسان ودينه وعقله وماله وأسرته.. والتاريخ الإسلامي سجل للخليفة الثاني عمر بن الخطاب مواجهته الحاسمة لانتهاك حقوق الإنسان، وقوله في ذلك: »متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟«
مساواة وحرية
تنبنى حقوق الإنسان في الإسلام على مبدأين أساسيين هما: مبدأ المساواة بين كل بني الإنسان، ومبدأ الحرية لكل البشر. ويؤسس الإسلام مبدأ المساواة على قاعدتين راسختين، هما: وحدة الأصل البشري، وشمول الكرامة الإنسانية لكل البشر. أما وحدة الأصل البشري؛ فإن الإسلام يعبر عنها بأن الله قد خلق الناس جميعًا من نفس واحدة، فالجميع إخوة في أسرة إنسانية كبيرة لا مجال فيها لامتيازات طبقية والاختلافات بين البشر لا تمس جوهر الإنسان الذي هو واحد لدى كل البشر.
ومن هنا فهذه الاختلافات ينبغي -كما يشير القرآن الكريم- أن تكون دافعا إلى التعارف والتآلف والتعاون بين الناس، وليس منطلقاً للنزاع والشقاق: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ (الحجرات:13)
الهامشان
(1)سنن أبي داود، ج 13، ص 320
(2) مفاهيم إسلامية أ. د. محمد عمارة،ج1،ص164
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل