العنوان لماذا سقط اليسار في مصر؟
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1987
مشاهدات 76
نشر في العدد 818
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 19-مايو-1987
القاهرة: من مراسل المجتمع
● اليسار في بلاد المسلمين لا ينمو إلا في ظل سياسات القهر والديكتاتورية.
● لقطة من الانتخابات المصرية.
سجلت الانتخابات البرلمانية التي جرت في الشهر الماضي تراجعًا واضحًا لليسار المصري، ممثلًا في حزب التجمع الوحدوي، ومجموعات الناصريين والماركسيين الذين رشحوا أنفسهم في المقاعد الفردية.. فعلى صعيد القوائم الحزبية تراجع حزب التجمع في نسبة الأصوات التي حصل عليها، مقارنة بمجموع الأصوات الصحيحة على مستوى الجمهورية؛ حيث حصل على نسبة 2,2%، بينما كان حصل على نسبة 4,1%، في الانتخابات التي جرت عام 1984 قبل أقل من ثلاث سنوات، وعلى مستوى المقاعد الفردية، لم يفلح أي من المرشحين الناصريين أو الماركسيين في الفوز بعضوية مجلس الشعب، أو حتى المنافسة الواضحة على المقعد، حتى أن رئيس حزب التجمع نفسه والذي كان يدرك تمامًا أن حزبه لن يحصل على النسبة القانونية التي تمكنه من دخول المجلس (8%) رشح نفسه في المقعد الفردي بالدائرة الأولى بمحافظة القليوبية، ولكنه خسر أيضًا.. فلماذا تراجع حزب اليسار في مصر إلى هذا المستوى؟!
صحيح أن الحزب الوطني الديمقراطي، قد تراجع أيضًا من 72,9% عام 1984 إلى 69,6%، وكذلك حزب الوفد الجديد تراجع من 15,1% عام 1984 إلى 10,9% حيث تحالف في الانتخابات السابقة مع الإخوان المسلمين إلا أن حزب التجمع قد انخفضت نسبة الأصوات التي حصل عليها إلى ما يقرب من النصف، في نفس الوقت الذي زادت فيه نسبة الأصوات التي حصلت عليها المعارضة ككل من 27,1% عام 1984 إلى 30,4% وزاد تمثيلها في البرلمان أكثر من أربعين نائبًا؟ ما هو السبب.؟
ظروف مهيأة لليسار.. ولكن
لقد كان من المفروض أن تزداد النسبة التي يحصل عليها التجمع اليساري عنها في انتخابات 1984، وذلك لعدة عوامل من شأنها تقوية وتدعيم الحزب وحملته الانتخابية وتواجده الجماهيري من أهمها:
1- استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية، وضعف الأمل في تحسن اقتصادي ملموس، بالإضافة إلى ارتفاع جنوني في الأسعار يعاني منه الجميع، فما بالنا بالطبقات العمالية والفئات الدنيا، وهي فرصة جيدة للحزب للانتشار وطرح شعارات يمكن أن يلتف حولها الكثيرون خلاصًا مما هم فيه..
2- أن الحزب قد مضى على إعلان قيامه أكثر من ثماني سنوات، وهو ما يعني وجود كوادر تنظيمية ومقار حزبية في مختلف المحافظات والمدن الكبرى، وهو ما نجح فيه الحزب بالفعل، ولكن على مستوى ضيق، بينما لم تنجح أحزاب المعارضة الأخرى في إيجاد كوادر قوية لها في المحافظات.
3- أن للحزب صحيفة أسبوعية هي «الأهالي» وشقيقة أخرى لا تصدر عن الحزب، ولكنها تسير في خط متقارب، وهي «صوت العرب» جريدة الناصريين في مصر، بالإضافة إلى تمتع حزب التجمع بجهاز دعائي ناجح يقوم على إعداد خطط دعائية، لا يختلف المراقبون على أنها من أنجح الخطط وأكثرها قدرة على التنفيذ على مستوى الدعاية الحزبية.. صحيح أنها تراجعت في الانتخابات الأخيرة، بعد نزول الإخوان بحجم دعائي مكثف، ولكن ذلك لا يلغي الجانب الدعائي المتميز لحزب التجمع.
4- أن هناك عناصر تؤيد الحزب متغلغلة في الجهاز السياسي والإعلامي للدولة، وهو ما سمح مثلًا في جريدة الأهرام لأمثال لطفي الخولي ومحمد سيد أحمد وأمينة شفيق ود. فؤاد زكريا وغيرهم بشن حملات دعائية لحزب التجمع، في حين قاموا بحملات عنيفة ضد التيار الإسلامي عمومًا وتحالف العمل والإخوان بصورة خاصة.
5- أن الحزب من المؤكد أنه درس الانتخابات السابقة، واستفاد من دروسها، ووضع الحلول للمشكلات التي ظهرت.
أسباب السقوط!
كل ذلك كان يدفع إلى القول بأن حزب التجمع يمكنه أن يحقق نسبة أفضل من النسبة التي حققها عام 1984 وليس العكس، فما هي الأسباب التي سببت هذا التراجع، كما يراها اليساريون أنفسهم، واعترفوا ببعضها في صحفهم ومجلاتهم؟ وابتداء نقول: إن الحديث عن تزوير الانتخابات -على صدقه- لم يؤثر بصورة ملموسة على جملة الأصوات التي حصل عليها التجمع؛ لأن التزوير في الأساس كان أحد أمرين: أما ملء بطاقات إبداء الرأي لصالح الحزب الحاكم، وهو الأمر الغالب والأمر الثاني إبطال الأصوات التي حصلت عليها قوائم التحالف، المنافس القوي للحزب الحاكم، وبالتالي يمكن القول بأن الأصوات التي حصل عليها حزب التجمع هي أصوات حقيقية.. نأتي بعد ذلك إلى آرائهم في هذا السقوط:
1- تزوير الانتخابات، وهو ما حدث بالفعل، لكن ليس ضد حزب التجمع.
2- ترشيح رئيس الحزب الأستاذ خالد محيي الدين، وكذلك أبو العز الحريري خارج القوائم الحزبية، وهو قول مردود عليه بأن إضافة أصوات كل منهما إلى مجموع الأصوات أن تؤثر كثيرًا على نسبة التصويت لصالح الحزب.
3- عدم الالتحام بالجماهير وتبني قضاياهم والحديث عنهم من برج عاجي، لا ينزل إلى الواقع الحقيقي لهم ويتفاعل معهم.
4- عدم وحدة قوى اليسار تحت لواء واحد، حتى أن هناك من الناصريين من كانوا يخوضون الانتخابات ضد بعضهم البعض في نفس الدائرة!
5- سيطرة الماركسيين على قوائم الحزب والصحيفة الأسبوعية، وتبني الحزب للاتجاه الماركسي بصورة واضحة.
6- هناك من يرى أن قانون الانتخابات وقانون الأحزاب هما السبب في تقلص دور اليسار المصري عمومًا؛ حيث إنها قوانين وضعت لليمين وليس لليسار!!
7- هناك من يرى أن حزب التجمع أخطأ خطًأ فادحًا؛ لعدم تحالفه مع الحزب الوطني الديمقراطي لمواجهة التيار الديني، ويدعو إلى إقامة هذا التحالف مستقبلًا، بين الوطني والتجمع و«الوفد»!!
وعمومًا فقد بدأت بالفعل مراجعة تكتيكية داخل حزب التجمع على ضوء ما أسفرت عنه نتائج الانتخابات الأخيرة، على أن يهتدوا إلى السبب الحقيقي وراء انصراف الجماهير عن الحزب.
رأي الإسلاميين والمعارضة
وحول سقوط اليسار يقول الدكتور محمد السيد حبيب عضو مجلس الشعب ورئيس نادي هيئة التدريس بجامعة أسيوط: الشعب المصري - ونحن نتكلم من واقع نعيشه - هو أرجى الشعوب للإسلام، وأرجى بلاد الله للإسلام، والعاطفة في قلوب الملايين تكاد تملؤها.. وقد ثبت من خلال التجربة التي خضناها.. أن هذه المحبة للإسلام وأهله، برغم معاول الهدم والتشويه والمسخ التي حاولت الأنظمة أن تنال منها بمرور عشرات السنين ما استطاعت أن تنال إلا من القشور الخارجية، لكن اللباب ما زال سليمًا وقويًا، وإذا كنا من خلال طرق خفيف على هذه القلوب استيقظ الناس وبدأوا يتحركون.. فما عاد الشعب تنطلي عليه الأفكار الزائفة والحيل الخادعة، التي تقول هل إننا نؤمن بالله ونحمل القرآن في يد، ولكن النظام الاقتصادي - بفضل الله - ثمرة من ثمار العمل الإسلامي منذ أكثر من 50 عامًا.. الشعب أصبح لديه القناعة الكاملة في أن الإسلام مصحف وسيف.. دين ودولة.. عبادة وقيادة.. وما جاء الإسلام إلا لينظم حياتنا، ويحكم تصرفاتنا وسلوكنا.. أصبحت هذه الفكرة واضحة تمام الوضوح ومستقرة في أعماق حتى العوام... وهذا كفيل بأن يلفظ أي شيء آخر…
رأي زعيم المعارضة
ويرى المهندس إبراهيم شكري، زعيم المعارضة في مجلس الشعب ورئيس حزب العمل، أن الشعب المصري بصفة عامة هو شعب وسطي معتدل المزاج، لا يميل إلى التطرف في أي اتجاه حتى بالنسبة للمذاهب الإسلامية.. هو يأخذ بالروح التي تغلبها طبيعته، ومن هنا فاليسار وأقصد به الذي يؤمن بالمبادئ المادية الوافدة علينا من فلسفات غريبة، هو ولا شك بعيد عن طبيعة الشعب المصري... فإذا كان معنى اليسار أنه منحاز إلى جماهير الشعب والبسطاء والفقراء، فلا شك أن الإسلام فيه الكثير من القواعد التي تجعل التطبيق الإسلامي هو تطبيق لصالح جميع الشعب.. وعندما نتحدث عن تكافؤ الفرص، وعن المساواة ومن أن الحاكم ليس له امتياز عن الرعية بأية صورة من الصور.. هذه مثاليات في الإسلام لم تصل إليها فلسفات الغرب كلها... إن الشعب المصري بطبيعته يرفض المبادئ التي تأتيه من غير فئته من غير أفكاره.. بعيدًا عن دينه..
فهل يستمر انحسار وتراجع اليسار المصري في جو الحرية والديمقراطية؛ ليثبت دائمًا أن مثل هذا الاتجاه لا ينمو في بلاد المسلمين إلا تحت سياسات القهر والديكتاتورية، بينما يخمد وينتهي في ظل الإرادة الحرة للشعوب المسلمة.
فهل يدعو اليسار إلى الحرية والديمقراطية، ويقضي بذلك على مستقبله أم يؤيد الديكتاتورية وحكم الفرد، حتى ينمو ويترعرع؟!!