; لماذا ترفض المنظمة حكومة المنفى؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا ترفض المنظمة حكومة المنفى؟

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 10-مارس-1981

مشاهدات 73

نشر في العدد 519

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 10-مارس-1981

  • لأن الظروف غير مهيأة رفض المجلس الوطني الفلسطيني حكومة المنفى عام (1972م).

  • أثمرت هجمة الحلول السلمية فجعلت منظمة التحرير تؤمن بالعمل السياسي والدبلوماسي.

  • منظمة التحرير تؤكد رفضها لدعوة السادات بإقامة حكومة في المنفى.

  • المنظمة تخشى على شق التمثيل الفلسطيني فتجردها من كونها الممثل الشرعي الوحيد.

  • قادة المنظمة يصرحون بأن الخير لفلسطين هو ما تراه وترضاه المنظمة.

  • المراقبون يساءلون هل لديستان دور في إطلاق دعوة السادات؟

  • العقبات التي تحول دون موافقة المنظمة على الحلول الدولية يتكفل بحلها كرايسكي، وشاوشسكو، وليو بولد سنغور، والقس جيسي جاكسون.

     في ختام زيارته الأخيرة لباريس عقد السادات مؤتمرًا صحفيًا دعا فيه لإقامة حكومة فلسطينية في المنفى تتبادل الاعتراف مع إسرائيل، وبعد أسبوع كرر الدعوة من خلال مؤتمره الصحفي الذي عقده بحضور المستشار النمساوي كرايسكي، وقد قوبلت هذه الدعوة بالرفض من قبل منظمة التحرير الفلسطينية. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا ترفض المنظمة هذه الدعوة فيما تكثف نشاطها في المساعي الدبلوماسية، وتقبل بمبدأ التسويات السياسية؟

     وقصة حكومة المنفى -كما سماها السادات أو الحكومة المؤقتة، كما يفضل تسميتها الناطق الرسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية عبد المحسن أبو ميزر- بدأت خيوطها عام (1972م)، وكان ذلك أثناء انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، والذي طرحها هو السادات نفسه، وقد رفض الفلسطينيون آنذاك -المجلس الوطني وفصائل العمل الفدائي ومنظمة التحرير- فكرة حكومية المنفى، لا لأنها من نصائح السادات، حيث كان لا يزال رئيسًا جديدًا ومقبولًا، ولكن بسبب طبيعة الواقع السياسي.

واقع لا يساعد:

     فعلى الصعيد العسكري كانت المقاومة الفلسطينية قد خرجت من الأردن وانحصرت فعليًا في جنوب لبنان، لكن العمليات العسكرية داخل فلسطين المحتلة كانت لا تزال نشاطًا رئيسًا للمنظمات الفدائية، ولم تكن فكرة الحلول السياسية قد لقيت أنصارًا بشكل واضح، وعلى الصعيد السياسي كانت بعض القيادات الفلسطينية قد طرحت فكرة الدولة الديمقراطية أو الدولة العلمانية، وأخذت تنتشر هذه الفكرة بحيث تبنتها منظمة التحرير بشكل رسمي، ودعت لها دوليًا من على منبر هيئة الأمم المتحدة، عندما دعي ياسر عرفات لأول مرة، فألقى خطابًا في الجمعية العمومية عام (1974م).

     إضافة إلى ذلك فقد كان الفلسطينيون بشكل خاص، والشعوب العربية بشكل عام لا يتقبلون أفكار الحلول السلمية والصلح مع اليهود، وخير شاهد على ذلك ما لقيه الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة من معارضة، عندما دعا إلى التفاوض مع اليهود على أساس قرار التقسيم الصادر عن هيئة الأمم عام (1947م)، وذلك في جولة عربية قام بها عام (1965م) اضطر لعدم إكمالها. 

     ثم أن مشروع روجرز -وإن قبل به عبد الناصر إلا أنه- لقي معارضة فلسطينية قوية، وبسبب جميع هذه العوامل لم يكن بالإمكان القبول بفكرة حكومة فلسطينية في المنفى، ولأنه لم يكن واضحًا كذلك أن إسرائيل ستنسحب من أي شبر من الأراضي المحتلة، ويمكن القول باختصار إن الوقت لم يكن مناسبًا لطرح تلك الفكرة آنذاك؛ حيث لم تكن العقول ولا النفوس قد استسلمت لهجمة الحلول والتسويات السياسية الدولية المرتكزة على أساس حق إسرائيل في الوجود والبقاء ضمن حدود آمنة ومعترف بها.

هجمة الحلول والتسويات الدولية:

     وفيما بعد عام (1972م) وبالذات في أعقاب حرب أكتوبر «التحريكية» عام (1973م) بدأت هجمة الحلول التسويات السياسية الدولية على المنطقة خاصة الحلول الأمريكية، منذ ذلك الحين وضع السادات بيضه كله في سلة واشنطن مؤيدًا بمعظم الزعماء العرب، وبدأ الساحر كيسنجر برحلاته المكوكية الشهيرة في عواصم الشرق الأوسط وأصبح «الصديق العزيز»، وبدأت الإدارة الأمريكية فيما بعد -وعلى عهد كارتر- بالعزف على وتر «الوطن الفلسطيني» والكيان الفلسطيني، والبيان السوفياتي، والبيان الإسرائيلي الأمريكي التي تتوجت أخيرًا باتفاقيات كامب ديفيد، واتفاقية الصلح المصرية الإسرائيلية، وكان من نتيجة طرح هذه الحلول الدولية بعد تورط منظمة التحرير بحضور مؤتمر جنيف بصفة مراقب، وبالرغم من إعلان رفض تلك الحلول- أن تشكلت قناعة عامة لدى المقاومة الفلسطينية وخاصة منظمة التحرير بضرورة وأولوية العمل السياسي والدبلوماسي لحل القضية واسترجاع الأراضي، وقد انتقلت هذه القناعة إلى المجلس الوطني الفلسطيني منذ عام (1976م)، في جو الحرب اللبنانية التي استهدفت الفلسطينيين، خولت دورات المجلس الوطني الفلسطيني منظمة التحرير باسترجاع الأرض والحقوق بالطريقة التي تراها مناسبة، وترك لها الخيار بين الحل العسكري والحل السياسي، وبالرغم من إصرار أبو عمار وأبو إياد وفاروق القدومي وغيرهم من قادة المنظمة على عدم إسقاط الخيار العسكري، إلا أن الوقائع تشهد بأن الخيار العسكري قد سقط نهائيًا، ولا يستخدم إلا لدعم الخيار السياسي.

حكومة المنفى:

     من هنا فإن عدم قبول منظمة التحرير لحكومة المنفى التي اقترحها السادات يحتاج إلى تفسير وبيان.

     قد يكون السبب هو كما عبر عنه رئيس شركة الكهرباء العربية في القدس أنور نسيبة حيث قال «إن أي اقتراح يرتبط باتفاقيتي كامب ديفيد وبالرئيس السادات هو بالنسبة للفلسطينيين اقتراح مريب».

     ولكن هذا السبب يصلح أن يكون مسوغًا لرفض شعبي ساذج، أما القيادة السياسية وفي ضوء الخط السياسي بقيادة المنظمة فلا يصلح أن يكون سببًا لرفض فكرة سياسية خاصة، وأن هذه الفكرة تم طرحها على أثر زيارة السادات لباريس واجتماعه بالرئيس ديستان الذي ينظر إليه القادة العرب كقائد مستقل محنك يؤيد القضية العربية، كما تم إعادة طرحها في أعقاب زيارة الوسيط الدولي كرايسكي للقاهرة، والزعيمان الفرنسي والنمساوي لهما نشاط واضح وملموس على المستوى الأوروبي، وفيما يسمى بالمبادرة الأوروبية لحل أزمة الشرق الأوسط على أساس الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير.

التمثيل الفلسطيني:

     ويلاحظ بعض المراقبين أن منظمة التحرير -منذ مؤتمر الرباط عام (1974م)- باتت تعنى لتحقيق الاعتراف العربي والدولي بها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، ولا زال قادتها يعلنون أن الهدف الأساسي من زياراتهم ومحادثاتهم مع مختلف المسؤولين في دول العالم، هو الحصول على اعترافهم بالمنظمة ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني، وإن كان هذا الأمر بارزًا على المستوى السياسي والدبلوماسي فأنه بارز كذلك على المستوى الإداري والتنظيمي، فمنظمة التحرير تكاد تكون هي المسيطرة على جميع الهيئات، والمؤسسات، والنقابات المهنية، والعمالية الفلسطينية في مختلف الدول العربية التي يقطنها الفلسطينيون.

     ومع تواتر الأنباء عن الحلول المطروحة من جديد والمكملة لاتفاقيات الكامب، والتي تركز على ما يسمى بالخيار الأردني أو الخيار الأردني- الفلسطيني، واقتراح تمثيل الفلسطينيين بمفوضين عن الضفة وقطاع غزة وآخرين- باتت منظمة التحرير تخشى أن أيًا من هذه الحلول قد يفقدها صفة التمثيل الشرعي للشعب الفلسطيني، واستئثارها باقتطاف ثمرة الكيان أو الدولة الفلسطينية أيًا كان شكلها، ومهما كانت ارتباطاتها.

     وفي هذا السباق يأتي تصريح رئيس بلدية بيت لحم إلياس فريج الذي يوصف بالاعتدال: حيث يقول «إنني أوافق على الاعتراف المتبادل بحقوق إسرائيل والشعب الفلسطيني، لكنني لا أرى مصلحة في إنشاء هيئة تمثل ازدواجًا مع منظمة التحرير الفلسطينية».

     ويقول نايف حواتمة في احتفال بذكرى الجبهة الديمقراطية «إن هذا الاقتراح يهدف إلى شق شرعية منظمة التحرير الفلسطينية».

     أما المتحدث الرسمي باسم المنظمة عبد المحسن أبو ميزر فقد قال «إن حكومة المنفى تعبير خاطئ؛ لأن الثورة الفلسطينية سوف ينشئ حكومتها المؤقتة عندما تجد أن ذلك يخدم نضال الشعب الفلسطيني وعندما تتوفر الأراضي الفلسطينية المحررة».

     وانسجامًا مع سياسة تحقيق الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني ولعدم وجود أراضي محررة، كما يقول أبو ميزر فإن قبول حكومة في المنفى أو حكومة مؤقتة، قد يعرض هذا الهدف إلى الخطر، وسينحصر النقاش على الصعيد الفلسطيني فيمن يمثل الشعب الفلسطيني خير تمثيل ليكون عضوًا في الحكومة، وإذا وصل الأمر إلى هذا الحد فسيدور صراع مرير على حد وصف بعض المراقبين الفلسطينيين ممن خبروا العمل في التنظيمات الفدائية، وستكون الفرصة مواتية للصراعات الدموية وتصفية الحسابات بين بعض المنظمات أو بين المنظمات من جهة وبعض المستقلين من جهة أخرى.

حرب أهلية:

     وفي تقدير بعض المطلعين فإن قيام حكومة المنفى ستكون بمثابة إشعال الفتيل لحرب أهلية لا يعلم مداها إلا الله، وإذا ما فتح مثل هذا الصراع قبل الحصول على الأرض، فربما اتخذت إسرائيل ذلك ذريعة لإقناع الرأي العام الدولي بأن الفلسطينيين منقسمون على أنفسهم، ولا يستحقون دولة ولا كيانًا، ومن هنا ستدور الدورة إلى الخيارات الأخرى.

     من هذا المنطلق فإن عدم قبول منظمة التحرير لدعوة السادات موقف يتسم بالحكمة؛ للحفاظ على أهداف المنظمة، وتجنيب الشعب الفلسطيني حربًا أهلية مريرة.

دور فرنسا:

     ودعوة السادات لحكومة المنفى -باعتبار أنها انطلقت من باريس- استرعت انتباه بعض المراقبين، وجعلتهم يتساءلون فيما إذا تم الاتفاق بين ديستان والسادات على أن إطلاق هذه الدعوة قد يكون خطوة مشابهة لإعلان حكومة المنفى الجزائرية أبان غليان الثورة، الأمر الذي جعل ديغول يستجيب لتلك الدعوة فأيد حكومة المنفى، واعترف بها لكي يمتص نقمة الثورة، ويستميل قيادتها لسياسته، وهذا ما حدث بالضبط، وهنا يتساءل المراقبون فيما إذا كانت المبادرة الأوروبية التي انطلقت أول ما انطلقت من باريس، ترى بأن هذا المخرج قد يكون مناسبًا لحل الأزمة حلًا يرضي جميع الأطراف، يرضي أمريكا، وإسرائيل، والعرب، ومصر، والفلسطينيين.

    ونحن وإن كنا لا نقلل من أهمية هذا التحليل إلا أن تأكيد المنظمة للرفض -على لسان الناطق الرسمي باسمها ورئيسها ياسر عرفات وبعض قياديها- يرجح ما ذهبنا إليه من أن الخوف على «شق التمثيل» الفلسطيني، وعدم تصدر المنظمة لأي حل للقضية الفلسطينية هو الهاجس الأول لرجال المنظمة، إنهم يقولون بصراحة إن مصلحة فلسطين هي فيما تراه وترضاه منظمة التحرير. 

     وهذا هو بيت القصيد، فالحلول الدولية أيًا كان مصدرها، ومهما كان محتواها مقبولة وشرعية، طالما وافقت عليها منظمة التحرير حتى ولو بنيت على أساس الاعتراف بإسرائيل، والعجيب أن بعض الأنظمة العربية تفخر بقولها إننا نرضى ما يرضي الفلسطينيين. 

     وإذا كان ثمة عقبات داخل المنظمة تحول دون الموافقة الفلسطينية على الحلول الدولية المفصلة تفصيلًا إسرائيليًا، فإن متطوعين أو منتدبين كثر مستعدون لأداء هذه المهمة، يأتي في مقدمتهم كرايسكي، ثم تشاوشسكو، وليو بولد سنغور، والقس جيسي جاكسون.

     إن السادات -بطبيعة الحال- ليس مخلصًا لفلسطين؛ لأنه ليس مخلصًا أولًا لمصر، ولا حتى لنفسه، بقدر ما هو مخلص لبيغن وكارتر، ونحن من هنا ننبه إلى أننا لا نؤمن بدعوة السادات كما لا يخفى، ولكننا أردنا أن تنتبه الأمة إلى ما يدبر لها تحت الأسماء والعناوين التي قد تحبها، وتطمئن لها، فإلى متى تظل الأمة في التيه، أما لهذا الظلام من آخر؟ قل عسى أن يكون ذلك قريبًا.

الرابط المختصر :