العنوان تعيين العثماني خلفاً لابن كيران رسالة طمأنة للعدالة والتنمية
الكاتب عبدالغني بلوط
تاريخ النشر السبت 01-أبريل-2017
مشاهدات 67
نشر في العدد 2106
نشر في الصفحة 30
السبت 01-أبريل-2017
الحديث عن إعفاء ابن كيران أو إقالته ليس له أي معنى قانوني أو دستوري
بلاغ الديوان الملكي يحمّل ضمنياً المسؤولية لابن كيران في فشل مفاوضات تشكيل الحكومة
الرغبة في إزاحة ابن كيران ليست جديدة فقد تم التعبير عنها رسمياً قبل الانتخابات
عبدالغني بلوط بن الطاهر
عيّن العاهل المغربي الملك محمد السادس منتصف شهر مارس الماضي د. سعد الدين العثماني، القيادي في حزب العدالة والتنمية وزير الخارجية السابق، رئيساً للحكومة وكلفه بتشكيلها، خلفاً للأمين العام للحزب عبدالإله بن كيران الذي قاد مشاورات تشكيلها منذ خمسة أشهر، لكن جهوده أفشلت من قبل خصومه السياسيين.
«المجتمع» تواصلت مع مجموعة من المحللين السياسيين لسبر أغوار «إعفاء» ابن كيران، وتعيين العثماني، الرجل الثاني في حزب العدالة والتنمية، رئيساً للحكومة المغربية، وكيف سيتم التعامل مع المشاورات في نسختها الثانية بعد انتخابات 7 أكتوبر التشريعية التي بوأت حزب العدالة والتنمية المرتبة الأولى للمرة الثانية على التوالي وللمرة الأولى في تاريخ المغرب المعاصر؟
يشدد د. محمد الغالي، أستاذ العلوم السياسية، أن ابن كيران لم يتم إعفاؤه ولم تتم إقالته؛ لأنه أصلاً لم ينصب في البرلمان رئيساً للحكومة الجديدة، مبرزاً في تصريح لـ«المجتمع» أن الحديث عن الإعفاء أو الإقالة ليس له أي معنى قانوني أو دستوري.
لكن السؤال الذي تم تداوله في الشارع المغربي: لماذا أفشلت المشاورات للتخلي عن ابن كيران الذي عرف أنه مشاغب وعرى كل شيء أمام المواطنين؟ وما دلالات بلاغ الديوان الملكي في إعفاء ابن كيران؟
وفي هذا السياق، يشير د. عبدالعالي الحور، أستاذ العلوم السياسية، في تصريح لـ«المجتمع»، إلى أن البلاغ من الناحية السياسية يحمّل ضمنياً المسؤولية لابن بنكيران كشخص في فشل مفاوضات تشكيل الحكومة، مبرزاً أن من وضع النص الدستوري هو المؤسسة الملكية، ولا يمكن أن نتصور أنها ستكبل نفسها، بل إن صياغة الفصل (47) الذي ينص على أن تعيين رئيس الحكومة يكون من الحزب الأول، وليس بالضرورة أن يكون أمينه العام، لكن العرف الديمقراطي جرى على أن يتم اختيار الأمين العام، والبلاغ رمى الكرة الآن في ملعب العدالة والتنمية، وهذا هو الغاية من عرقلة مفاوضات تشكيل الحكومة أو ما يسمى بـ«البلوكاج»، وهو الوصول لهذه النتيجة؛ أي تحميل ابن كيران المسؤولية وجعله في مواجهة حزبه.
ويجيب د. أحمد نور الدين، المحلل السياسي، عن هذا التساؤل بأنه بعدما وصلت المشاورات لتشكيل الحكومة إلى الباب المسدود، بسبب تشبث كلّ طرف بمواقفه، كان من الطبيعي البحث عن حلّ.
ويذهب د. خالد يايموت، أستاذ العلوم السياسية، أبعد من ذلك في تصريح لـ«المجتمع»، حيث يرى أن الرغبة في إزاحة ابن كيران ليست جديدة، فقد تم التعبير عنها رسمياً قبل الانتخابات، متوقعاً أن يتم التخطيط مستقبلاً عن تخلي العدالة والتنمية رسمياً عن تشكيل الحكومة، لكنه أضاف أن الحزب له من الآليات ما يستطيع به مقاومة التحكم، وأضاف أن التخلي عن ابن كيران ووضع جميع العراقيل من أجل ألا يعود إلى رئاسة الحكومة، كان أولاً نتيجة ممارساته السياسية وشعبيته، وإعادة فهم السياسة في متناول الجميع؛ بسبب خطابه المباشر والقوي ومواقفه الثابتة والاصطفاف إلى جانب الفئات الشعبية الأكثر هشاشة، كما أن ممارسته السياسية أعادت الاعتبار للسياسة في وسط الطبقة المتوسطة؛ مما أزعج الدولة المغربية، وثانياً بسبب مرجعيته؛ حيث إن المرجعية الإسلامية هي مرجعية المجتمع والدولة، وهذه الأخيرة تحاول احتكار البعد الديني في مجتمع مفتوح.
لكن الحور يعود للقول: إن هناك تخوفاً من أن ولاية حكومية أخرى قد تقوي أكثر العدالة والتنمية، بعد أن كان الرهان أن يتم إضعافه من خلال تدبير الشأن العام.
العثماني رئيساً للحكومة
السؤال الثاني الذي تم تداوله: لماذا تم تعيين سعد الدين العثماني، الرجل الثاني في حزب العدالة والتنمية، تحديداً وليس آخر من الحزب ذاته؟
يؤكد د. أحمد نور الدين أن سعد الدين العثماني رجل حوار وتوافق بامتياز، ودبلوماسي في طبعه قبل أن يتولى حقيبة الخارجية، ولا ننسى أنه أمين عام سابق لحزب العدالة والتنمية، وأحد المنظرين لتوجهاته السياسية، كما أنه الرجل الذي قاد سفينة الحزب في فترة الإعصار الذي تلى أحداث 16 مايو 2003م الإرهابية، حيث كانت جهات عديدة تطالب بحل الحزب ومن بينها بعض الأحزاب التي تطالب اليوم بدخول الحكومة، فالرجل يملك كلّ المقومات لقيادة المفاوضات بنفَسٍ سياسي وحنكة دبلوماسية وروح توافقية، تستحضر إكراهات اللحظة السياسية التي تمرّ بها البلاد محلياً ودولياً.
وقال عبدالعالي الحور: إن تعيين الملك لسعد الدين العثماني رئيساً للحكومة خلفاً لابن كيران هو رسالة طمأنة من القصر الملكي لحزب العدالة والتنمية، باعتباره ثاني شخصية في الحزب وتحظى باحترام وإجماع وحب جميع أعضاء العدالة والتنمية.
وأضاف المحلل والباحث السياسي أن سعد الدين العثماني، رئيس المجلس الوطني، هو شخصية لها مميزاتها؛ حيث يتميز بالهدوء والرصانة، مبرزاً أن تعيينه أيضاً هو رسالة للجميع بتكريس عرف احترام التراتبية داخل الأحزاب، وإعادة الاعتبار للسيد العثماني بعد أن تم إعفاؤه من وزارة الخارجية.
من جهته، أكد محمد الغالي، أن سعد الدين شخصية مناسبة لإدارة المرحلة بكل قوة ناعمة، وأضاف أنه يجب أن يدير المشاورات في اتجاه خدمة مصالح الوطن وإعطاء الوقت للحكم على شروط عزيز أخنوش، الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار (المعول عليه في تشكيل الحكومة والذي اشترط دخول أربعة أحزاب دفعة واحدة إلى الحكومة)، هل هي لخدمة الوطن أم لخدمة أجندات أخرى؟
وحول سؤال: هل سيغير العثماني موقف الحزب من تشكيل الحكومة، أم سيتشبث بالأغلبية السابقة، على اعتبار أن موقف ابن كيران هو موقف الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية والعثماني عضو في الأمانة العامة؟
أجاب الغالي أن سياق تعيين ابن كيران ليس هو سياق تعيين العثماني؛ وعليه فإن شروط التفاوض لن تكون نفسها، مضيفاً أن على الحزب أن يستوعب الشروط الجديدة واستغلال فرصها دون الدخول في متاهات ردود الأفعال التي قد تؤثر سلباً على الحزب.
وحول السبب في عدم الذهاب إلى انتخابات مبكرة بعد تعثر تشكيل الحكومة، يقول نور الدين: بما أنّ الدستور، حسب منطوق الفصل (47) منه، لا يسمح باختيار رئيسٍ للحكومة إلاّ من الحزب الذي تصَدّر الانتخابات التشريعية، لم يتبق هناك من خيار إلاّ الذهاب إلى انتخابات مبكرة أو اختيار شخصية أخرى من نفس الحزب، إلاّ أنّ العودة إلى صناديق الاقتراع، مع تكلفتها السياسية والاقتصادية وهدرها للزمن السياسي، لن تغير في الواقع شيئاً؛ لأنّ نظام الاقتراع بأكبر البقايا، المعمول به في المغرب، لا يسمح بفوز أيّ قوة سياسية بالأغلبية المطلقة، لذلك كان الخيار الثاني هو الأسلم، لأنه يعطي الفرصة لجميع الأطراف كي تراجع مواقفها مع حفظ ماء الوجه.
وعن آفاق التعيين الجديد، يبرز نور الدين أنه يفترض بعد حوالي ستة أشهر من التجاذب، أنّ كلّ الأطراف السيّاسية فهمت أنّ المزايدة ولُعبة عضّ الأصابع لا تزيد الأوضاع إلاّ تعقيداً، لذلك يأتي تغيير رأس الحكومة بمثابة طوق نجاة للجميع، فالذين راهنوا على إخضاع رئيس الحكومة وحزبه إلى إملاءاتهم، وراهنوا على قلب نتائج الانتخابات لصالح أحزاب حصلت على نتائج متواضعة، أدركوا أنهم فشلوا في المهمة الموكلة إليهم، وحزب العدالة والتنمية أدرك هو الآخر أنّ السياسة هي فنّ الممكن، وليس ما ينبغي أن يكون، والتجارب الدولية تؤكد أنّ الإصلاح السياسي عملية تراكمية تستوجب نفَساً طويلاً، وهو خيار يستغرق في الزمن، ولكنّ نتائجه أفضل من الرّجات التي قد تُقوّض البنيان من أساسه؛ لذلك أتوقع أن ترفع الأطراف الأخرى اشتراطاتها السابقة بعدما تأكد لديها أن حزب العدالة والتنمية له حدود للتنازلات لا يمكن تجاوزها، ومع ذلك يبقى التخوف من العودة إلى احتقان جديد أثناء الخوض في تفاصيل الهندسة الحكومية وتوزيع الحقائب الإستراتيجية.
ويؤكد د. الحسين أعبوشي، أستاذ العلوم السياسية، أن شروط وسياق المفاوضات تغيرت، موضحاً أن المعطى الأساسي في كل هذا هو تدخل المؤسسة الملكية بصفته رئيساً للدولة بناء على الفصل (42)، من خلال التنصيص على احترام عدد من المقتضيات؛ وهي احترام الدستور والمؤسسات والخيار الديمقراطي، كما أن المراهنة على شخصية سياسية من الحزب ذاته الذي تصدر الانتخابات وببروفايل آخر غير بروفايل ابن كيران، يمكن أن يدفع الأحزاب الأخرى من غير العدالة والتنمية، التي كانت جزءاً من المشكل، أن تلين من مواقفها خلال المفاوضات.>