العنوان الافتراء على العلماء بين الرجل والمرأة
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1989
مشاهدات 86
نشر في العدد 928
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 15-أغسطس-1989
● إتيان المرأة في دبرها لم يَقُل به أحد من أهل السُنة والجماعة.
●فتوى الشيخ ابن باز بشأن مباشرة الرجل امرأته لا لَبس فيها ولا غموض.
لوحظ في الآونة الأخيرة أن بعض الكتاب في
الصحف يحالون أن ينالوا من علماء الإسلام، ويعطون لأنفسهم الحق في نقد الفتاوى
الشرعية، ولم يحترموا قواعد النقد العلمي، ولم يعترفوا بنظام التخصص في العلوم،
وأن لكل علم أهله المتخصصين فيه، وأن الإنسان مهما عرف وتعلم لن يستوعب، ولن يحيط
بكل شيء، لا ندعى أن أحدًا يحتكر الحديث في شئون الدين، فليس في الإسلام كما في
غيره من الأديان رجال يسمون رجال الدين، وليس فيه كهنوت، ولكن التخصص لا ينكره أحد
وأن الحديث في الدين ليس لكل من هب ودب، وأن كل مسلم درس علوم الكتاب والسُنة
والفقه، وعرف الأدلة التي يحتج بها له الحق كل الحق أن يناقش وأن يرد على أكبر
عالم مستندًا على الأدلة الشرعية، أما أن يأتي صحفي ويسمح لنفسه أن يتحدث في شئون
الفقه والدين بدون عِلم، ويتصدى للرد على العلماء، ويتعقب فتاويهم من غير أن يستند
على أدلة شرعية، بل يعتمد على عقله وثقافته العامة، ويجعل من نفسه عالمًا كيحيى بن
معين أو أحمد بن حنبل فذلك ما لا يؤيده عقل ولا منطق، ولا يقول به أحد من ذوى
العقول والألباب، ماذا يحصل لو أننا فتحنا الباب لكل أحد أن يناقش الأطباء، وأن
يقدم وصفات غير وصفاتهم للمرضى؟ لماذا كان الحديث في شئون الدين فقط هو المًباح
وكل إنسان يجعل من نفسه مرجعًا فيه؟ أقول هذا بعد أن قرأت أن أحد الصحافيين أعترض
على فضيلة الشيخ/ عبد العزيز بن باز في فتوى له وقال عنها أنها تثير الدهشة
والاستغراب والاستنكار، مضمون الفتوى كما جاء في الجريدة جواز مباشرة الزوج لزوجته
الحائض فيها دون الفرج، وأعتقد الصحفي أما عن جهل أو تجاهل أن الشيخ يبيح إيتان
المرأة في الدبر، وهذا من قبيل الافتراء على الشيخ، إذ لا يُعقل أن يبيح الشيخ بن
باز هذا الفعل، وقد أجمع أهل السُنة والجماعة على تحريم إيتان المرأة في دبرها،
وجاء في الحديث الشريف «ملعون من أتى امرأة في دبرها» وقال الإمام ابن تيمية «ومتى
وطء الرجل زوجته في الدبر وطاوعته عزرًا جميعًا، وإن لم تطاوعه فرق بينهما كما
يفرق بين الفاجر ومن يفجر به». أما فتوى الشيخ فقد كانت منصبة على مسألة استمتاع
الرجل بزوجته وهي حائض أو نفساء بغير الجماع، والنبي صلى الله عليه وسلم قد فعل
ذلك، ففي الحديث المتفق عليه «عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض» فوطء الحائض والنفساء حرام بإجماع
المسلمين، وفي حديث أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم
يجامعوها، ولقد سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي
الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: 222). وقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم «اصنعوا كل شيء إلا النكاح. وفي لفظ إلا الجماع» قال النووى
«ولو أعتقد مسلم حل جماع الحائض في فرجها صار كافرًا مرتدًا، ولو فعله غير معتقد
حِله ناسيًا أو جاهلًا الحرمة أو وجود الحيض فلا إثم عليه ولا كفارة، وإن فعله
عامدًا عالمًا بالحيض والتحريم مختارًا فقد أرتكب معصية كبيرة يجب عليه التوبة
منها وفي وجوب الكفارة قولان ثم قال النوع الثاني أن يباشرها فيها فوق السرة وتحت
الركبة، وهذا حلال بالإجماع، والنوع الثالث أن يباشرها فيما بين السرة والركبة غير
القُبل والدبر، وأكثر العلماء على حرمته»، ثم أختار النووي الحل مع الكراهة لأنه
أقوى من حيث الدليل والدليل هو ما تقدم من رواية عائشة وما روى أبوه داود أيضًا عن
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها
شيئًا، وعن مسروق بن الأجدع قال: سئلت عائشة ما للرجل من أمرأته إذا كانت حائضًا
قالت: كل شيء إلا الفرج، رواه البخاري في تاريخه، والخلاف بين العلماء في المباشرة
فيما بين السرة والركبة، فالحنابلة قالوا يجوز للرجل أن يستمتع من أمرأته وهي حائض
أو نفساء أجزاء بدنها بحائل أو بدون حائل، ولا يحرم عليه إلا الوطء فقط، أما
المالكية فقد قال بعضهم بقول الحنابلة، وبعض قال يجوز بحائل كما جاء في الحديث،
وبعضهم قال لا يجوز مطلقًا بحائل أو بدون حائل، أما الحنفية والشافعية فقد منعوا
الاستمتاع بين السُرة والركبة بحائل أو بدون حائل، وقصروا جواز الاستمتاع فيها فوق
السرة وتحت الركبة قال شيخ الإسلام ابن تيميه للزوج أن يستمتع بزوجته الحائض
والنفساء بما فوق الآزار، وقال ولو أستمتع بفخذيها ففي جوازه نزاع بين العلماء كما
ذكر ذلك في الفتاوى.
والأولى أن يجتنب الزوج المباشرة مطلقًا
إذا كانت زوجته حائضًا أو نفساء إلا إذا أمن على نفسه الوقوع في المحظور فله أن
يكسر شهوته بالتقبيل والضم فوق الإزار، هذا ما قاله العلماء، والشيخ عبد العزيز بن
باز لم يخرج عن أقوال الأئمة، ولكن أولئك يحبون إثارة البلبلة والتشكيك في العلماء
وصولًا إلى أغراضهم الدنيئة في محاربة رموز الدعوة الإسلامية، وبالتالي محاربة ما
يمثله هؤلاء، ونحن لا نستغرب أن ينسب هذا القول لعالم في هذا العصر، ويكذبون عليه،
وقد نسبوا هذا القول في القديم لابن عمر -رضى الله عنه- وكذبه، حتى قال للسائل هل
يفعل هذا أحد من المسلمين بل روى عنه تكفير من فعله، كما نسبوه أيضًا لمالك رحمه
الله فقال كذبوا علّى، كذبوا علّى، كذبوا علّى، قال صاحب كتاب أضواء البيان: فأعلم
أنه من روى عنه جواز ذلك من المتقدمين يجب حمله على أن مرادهم بالآيتين في الدبر
إتيانها من الفرج من جهة الدبر، كما بينه حديث جابر والجمع واجب إن أمكن، ويوضح
ذلك سبب نزول آية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ
شِئْتُمْ﴾ (البقرة: 223) أن اليهود على عهد رسول الله صلى عليه وسلم تزعم أن
الرجل إذا أتى أمرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، وكان الأنصار يتبعون
اليهود في هذا، فأنزل الله عز وجل ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا
حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ (البقرة: 223) أي أنه لا حرج في إتيان النساء بأي
كيفية مادام ذلك في الفرج، وما دمتم تقصدون الحرث والحرث موضع الغرس والزرع وهو
هنا محل الولد، إذ هو المزروع في الأمر بإتيان الحرث أمر بالإتيان في الفرج خاصة،
قال الشاعر:
إنما الأرحام أرضون لنا محترثات *** فعلينا
الزرع فيها وعلى الله النبات
فتلخص من كل ذلك أن إتيان المرأة في دبرها
لا يقول به أحد من أهل السُنة والجماعة، لا قديمًا ولا حديثًا، وما زعمه هذا
الصحفي إنما هو مجرد افتراء وبهتان، ثم نرى في هذا المقام أن نعرض لمسألة مهمة وهي
إنه قد لا يستحسن بعض الناس الحديث في مثل هذه المواضيع، ويعتبرها مما تخدش
الحياء، كما أن البعض قد يستغرب أن تأتي الأحاديث النبوية لتحكي أمورًا تتعلق
بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم الخاصة، وعلاقته الجنسية بزوجاته، وقد يعتبر
البعض ذلك مما لا يليق بمقام النبوة، وللإجابة على ذلك نقول أن الحديث في هذه
الأمور من وجهة النظر الإسلامية أمر طبيعي، لأنه يتعلق بجانب من الحياة البشرية،
التي جاء الإسلام من أجل تقويمها وتنظيمها، والرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره
مشرعًا فحياته الخاصة يجب أن تكون معروفة، وهو عندما يفعل ذلك لا يفعله للشهوة،
وإنما ليشرع لأمته في كل الأمور بما فيها الأمور الجنسية، فالإسلام لم يأت لكبت
الغرائز، وإنما لينظمها ويقومها، ويمنع جموحها، ولن يتأتى معرفة ذلك إلا إذا أباح
الخوض فيها بما يوضح الطرق السليمة لمعالجة طبيعة النفس البشرية، وقيادتها إلى
الفضيلة، ومن مميزات الإسلام أن تشريعاته لا تصطدم بالفطرة الإنسانية، ولا تسمح
بالفوضى الجنسية السائدة في الغرب الآن، وكثيرًا ما يتهم الإسلام بأنه يحارب غريزة
الجنس ولا يعترف بها، وفي نفس الوقت يتهم أعداء الإسلام رسولنا الكريم بأنه
شهواني، وهذا هو التناقض بعينه، فالإسلام لا يحارب الغريزة الجنسية، والرسول صلى
الله عليه وسلم ليس شهوانيًا ولكنهم عجزوا عن إدراك التوازن في تشريعات الإسلام،
وسعيه لضبط الغرائز وتنظيمها لتؤدي مهمتها في حياة الإنسان بما لا يعود بالضرر على
المجتمع الإنساني، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلًا
وارزقنا اجتنابه ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا
وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (آل عمران: 8)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل