; الصومال .. رؤية من الداخل | مجلة المجتمع

العنوان الصومال .. رؤية من الداخل

الكاتب د. محمد يوسف عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 13-يونيو-2009

مشاهدات 66

نشر في العدد 1856

نشر في الصفحة 30

السبت 13-يونيو-2009

 يعد سوق «بكاري» بالعاصمة مقديشو أكبر سوق تجاري في شرق القارة الإفريقية.

● معظم الأقاليم والمحافظات في مختلف أنحاء البلاد تنعم بالهدوء وتشهد استقرارًا في مختلف الأمور المعيشية.

الصومال من المفيد للجميع أن يعرف حقيقة الوضع الداخلي الذي يعيشه الصومال منذ سقوط نظام ، «محمد زياد بري»، عام ۱۹۹۱م، وألا يترك الناس ينظرون إلى الصومال من الخارج الذي يعنى مزيدًا من الحروب التي تجري بين القبائل والأقاليم هنا وهناك، وقراصنة يختطفون السفن في البحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، وأمورًا معيشية لا تسير بشكل اعتيادي في الصومال، إلى آخر ما يظنه الناس خارج هذا البلد المتناقض من صور قائمة عن أوضاعه الداخلية.

وإن ترك هذا التصور يسود في ذهن الناظر إلى الشعب الصومالي من الخارج فيه كثير من الإجحاف بحق هذا الشعب الذي أنجز في ظل غياب الدولة الكثير من المشاريع الحضارية المتنوعة التي لم تستطع إنجازها كثير من الدول المجاورة وغير المجاورة، كما أن في هذا أيضًا إنكارًا للحقيقة وطمسًا المعالم وحقائق ينبغي للقاصي والداني أن يلم بها .. ومن سنن الله الجارية أنه إذا حرم شخصًا أو جماعة أو شعبًا أو أمة شيئًا ما أن يعوضه بشيء آخر مماثل.

وربما من هذا الباب، فإن الشعب الصومالي رغم كل ما جرى ويجري على أرضه وبلاده ما زال يحقق في أرض الواقع كثيرًا من الإبداعات ويمارس حياته الاعتيادية.

 مجال التجارة

 فكثير من المحافظات والأقاليم الصومالية في الشمال والشرق والوسط وحتى في الجنوب تنعم بالهدوء وتشهد استقرارًا طبيعيًا .. وكثير من الناس لا يعلم هذا، كما لا يعلم أن التجارة بأنواعها ازدهرت سواء التصدير أو الاستيراد خلال فترة احتلال الصومال.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الصومال تُعَدُّ الدولة الثانية في التبادل التجاري مع دولة الإمارات العربية المتحدة بعد إيران.. ويقول أهل الخبرة في هذا المجال: إن هذه الإحصائية أغفلت التجارة البينية المهربة بين البلدين، وإلا لحازت الصومال المركز الأول.

 وليس هذا فحسب بل إن الصومال تعد الوسيط التجاري الذي يقوم بإعادة تصدير البضائع إلى كينيا والحبشة «إثيوبيا» المجاورتين.

 وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن سوق «بكاري» في العاصمة مقديشو يعد أكبر سوق تجارية في شرق القارة الإفريقية حتى إن قوات الاحتلال الحبشية «الإثيوبية» عندما غزت الصومال في عام ٢٠٠٦م ودخلت العاصمة الصومالية قبل اندحارها أدهشها ما شاهدته في هذا السوق من بضائع متنوعة لم تتوقع رؤيتها في الأسواق الحبشية.

قطاع الزراعة

 أما في الزراعة، فقد نشط المزارعون في تجديد العهد مع مزارعهم التي كانت مؤممة في عهد حكومة «زياد بري» ذات الصبغة الاشتراكية برغم الجفاف المتكرر وظروف الحرب هنا وهناك أحيانًا.

وأصبح ما ينتجه المزارعون كافيًا للاستهلاك المحلى في بعض الأعوام إلا أن وكالة المعونات الأمريكية كانت تغرق السوق بالحبوب، في عملية ظاهرها تقديم المساعدة وباطنها من قبلها العذاب حتى يعزف الناس عن شراء المنتج الوطني ويخسر المزارعون إنتاجهم، ثم إن هذه الحبوب التي تغرق الأسواق من النوع الرديء ومعظمها انتهت صلاحيته، ولا يصلح للاستهلاك الآدمي مما يسبب لمن يتناوله أمراضًا متنوعة.

المواصلات والاتصالات

وشهد مجال الاتصالات تطورًا كبيرًا داخل البلاد وخارجها، فقد كان عدد الطائرات التي تملكها الخطوط الجوية الصومالية قبيل انهيار الحكومة طائرتين لا ثالثة لهما. وتصل رحلاتهما إلى مطارين فقط، ولكن هذا القطاع تطور وأصبحت هناك خمس شركات طيران أهلية تسير رحلاتها من الصومال إلى كل الدول المجاورة والعكس. كما أن رحلاتها الداخلية تشمل جميع المدن الكبيرة في المحافظات الثماني عشرة التي تتشكل منها الجمهورية الصومالية.

 أما الاتصالات السلكية واللاسلكية فيكفي أن نشير إلى أن خدمة الهاتف الجوال «النقال» وجدت قبل الدول العربية جمعاء، فضلًا عن الدول المجاورة، وأن شركات الاتصالات في الصومال توفر لزبائنها أرخص المكالمات الدولية إلى جميع أنحاء العالم.

 نهضة تعليمية وعمرانية

 أما المشاريع ذات الصبغة الحضارية وهى الأهم – فتتمثل في قيام نهضة تعليمية أهلية كبرى نشرت سلسلة من المدارس في القرى والبلدات والمدن الصومالية، وتأسست جامعات ذات تخصصات متنوعة في معظم عواصم المحافظات.

وأود أن أشير هنا إلى أن الريادة في مجال التعليم والعمل الأهلي تعود إلى الحركة الإسلامية في الصومال «الإصلاح» حيث تملك جامعات ومعاهد عليا متخصصة يزيد عددها على خمس مؤسسات، توجد فروعها في المدن الرئيسة في البلاد، كما أن طلاب وطالبات المدارس ذات المراحل المختلفة المنتشرة في طول البلاد وعرضها والتي تملكها أيضا الحركة الإسلامية – يفوق عددها مائة وخمسين ألفًا.

كما أن النهضة العمرانية في كل المدن والقرى الصومالية تسير بخطى حثيثة ولم يتوقف نموها المطرد.

خدمات مصرفية سريعة

 وأختم بالإشارة إلى شبكة المصارف الواسعة والسريعة ذات الخدمات المميزة التي استطاعت أن تربط الصوماليين في المهجر أينما حلوا بذويهم في داخل البلاد حتى وإن كانوا يعيشون في القرى والبوادي في عملية تفتقت فيها العقلية الإبداعية للشعب الصومالي مما أعجز التسلط الأمريكي في السيطرة على التحويلات المالية في أنحاء الوطن الإسلامي خاصة والعالم عامة، حتى يجد البدوي الصومالي تحويلات دويه ممن يعيشون في المهجر في اللحظة التي يحولها إليه.

 جوانب إيجابية

وفي الختام، أقول: إن هذه الرؤية لیست دعوة للشعوب الأخرى لإغرائها على التخلص من أنظمتها وحكوماتها، وأن يعيش أفرادها في فوضى لا سراة لهم بقدر ما هي ذكر للجوانب الإيجابية و المضيئة للتجربة الصومالية الفريدة التي قد لا تستطيع بعض الشعوب تكرارها، كما قال الرئيس الكيني السابق «دانيال أراب موي»، مخاطبًا شعبه بعد فشل الانقلاب الذي تم تدبيره ضده، وانتشار الفوضى والنهب في أنحاء كينيا : هل تظنون أنكم تستطيعون العيش في غياب الدولة كما فعل الشعب الصومالي المجاورة هيهات هيهات! «والكلام للرئيس الكيني» فأنتم لا تستطيعون البقاء ثلاثة أيام وليس ثلاثة شهور أو ثلاث سنوات.. كما فعل الشعب الصومالي.

 رؤية غير كاملة

والحقيقة أن الصوملة ليست سلبية دائماً، ومن يظنها كذلك فقد يقع في فخ لا ينجو منه كما نجا الشعب الصومالي، وأذكر هنا حالتين استشهدا بالصوملة ثم وقعا في الفخ:

الأولى: قالها الرئيس الفلسطيني الراحل« ياسر عرفات» عندما رجع إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة مزهوا : علينا أن نختار بين النموذج السنغافوري أو النموذج الصومالي !

والثانية: قالها الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، في بداية خلافه مع خصمه الجنوبي علي سالم البيض»: «مهما حدث بيننا من خلاف فلن نصل إلى الاقتتال مثل: فارح عيديد وعلي مهدي في الصومال.

 ولكن ما حدث بعد ذلك فاق الصوملة حيث استخدما من الأسلحة والعتاد في الحرب الأهلية التي جرت بينهما ما لم يستخدمه عيديد ، ضد «مهدي»!

 لهذا نقول: إن الرؤية من الخارج لا تعكس غالبا الصورة كاملة. 

الرابط المختصر :