; عصور الصالحين علامة على الطريق | مجلة المجتمع

العنوان عصور الصالحين علامة على الطريق

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 16-سبتمبر-2006

مشاهدات 66

نشر في العدد 1719

نشر في الصفحة 25

السبت 16-سبتمبر-2006

نعم الموت حق، ولكن الفراق صعب، نعم لكل أجل كتاب، ولكن فقد الأحبة شديد الوطأة، نعم هم السابقون ونحن اللاحقون، ولكن غفلتنا تجعل الحقيقة خيالًا باهتًا، والمصاب عظيمًا حاضرًا، نعم الدنيا ظل زائل، وعارية مسترجعة، ولكنها زينت بطول الأمل، وبهرجت بالمتاع وغرور السلامة ومد الأجل.

ولكن من تفكر في عواقب الدنيا أخذ الحذر، ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر، والعجب في الحقيقة كل العجب ممن يوقن بأمر ثم ينساه، ومن يتحقق من ضرر بالغ ثم يغشاه، وكيف تغلب الإنسان نفسه على ما هو مغرور مظنون، ولا تغلبه على ما هو مستيقن ومعلوم، وأعجب العجائب سرورك بغرورك، وسهوك عما خبئ لك، وأعجب من ذلك كله أن ترى مصرع غيرك وتنسى مصرعك، وتشاهد غيرك مقبورًا ثم تغفل عن قبرك ومضجعك.

كأنك لم تسمع بأخبار من مضى * ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر

فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم * محاها مجال الريح بعدك والقبر

ومما يخفف من لوعة الفراق ووطأته على النفوس الاعتبار بموت الصالحين والمتقين والأنبياء والمرسلين، فإن فقدهم خسارة لا تعوض، ولكنها إرادة الله، ولقد ذاق رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت، ونعي القرآن له نفسه: فقال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (الزمر: 30).

وكان موت رسول الله صاعقة للمسلمين، قالت عائشة: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، اقتحم الناس، حين ارتفعت الرنة، وسجى رسول الله صلى الله عليه وسلم الملائكة بثوبه، واختلفوا فكذب بعضهم بعضًا بموته، وأخرس بعضهم، وخلط آخرون، فلاتوا الكلام بغير بيان.. وبكي آخرون معهم عقولهم، وأقعد آخرون.. فكان عمر بن الخطاب فيمن كذب بموته، وعلي فيمن أقعد، وعثمان فيمن أخرس.

وبلغ أبو بكر الخبر وهو في بني الحرث ابن الخزرج، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليه ثم أكب عليه فقبله، ثم قال: طبت حيًا وميتًا يا رسول الله، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما كان الله ليذيقك الموت مرتين، فقد والله توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم خرج إلى الناس فقال: أيها الناس من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144).

نعم، لكل إنسان في هذه الحياة فترة محدودة وساعات معلومة، لا يتأخر عنها أو يتقدم، يعتبر من يعتبر، ويعمل لما بعدها من يعمل... فالعاقل من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.. والجاهل من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، وهذا هو ديدن الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يعملون الطيبات ويعلمون أن تفاوت الأجر والنعيم في الآخرة بمقدار درجات الفضائل، فارتفعوا عن الأهواء والدنايا، فعاشوا في الحياة سعداء وماتوا صديقين وصالحين، وكانت وفاتهم معلمًا للناس بعد مماتهم، وذكرى بعد رحيلهم، وهداية في آثارهم.

ولما حضرت أبو بكر رضي الله عنه الوفاة، تمثلت عائشة بهذا البيت:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر

فكشف أبو بكر عن وجهه وقال: ليس كذلك ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (ق: 19)، ثم قال رضي الله عنه وهو خليفة المؤمنين وعلى رأس الدولة الإسلامية: «انظروا ثوبي هذين، فاغسلوهما، وكفنوني فيهما، فإن الحي إلى الجديد أحوج من الميت».

رحمك الله يا خليفة رسول الله، إلى هذا الحد لا تريد أن تأخذ من مال المسلمين حتى الكفن وقد كنت صاحبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأس الدولة، ولكن مال المسلمين ومصالح المسلمين هما الشغل الشاغل له حتى عن الموت.

ولما ثقل أبو بكر الصديق رضي الله عنه استخلف عمر ثم أوصاه بوصية ذهبية فقال: «اعلم يا عمر أن لله حقًا في النهار لا يقبله في الليل، وأن لله حقًا في الليل لا يقبله في النهار، وأنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق، أن يكون ثقيلًا، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفًا، وأن الله ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئاتهم، وذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم ورد عليهم صالح الذي عملوا»... ثم يقول بعد تلك الوصية: «فإن حفظت وصيتي هذه فلا يكون غائب أحب إليك من الموت ولا بد لك منه، وإن ضيعت وصيتي فلا يكون غائب أبغض إليك من الموت ولا بد لك منه، ولست بمعجزه»، هذه وصايا الصالحين التي يودعون الحياة عليها، ويأخذون العهود على أحبائهم بها.

قال تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 132,133,134).

هؤلاء هم المتقون العاملون، وهذه وصاياهم لبنيهم وأصحابهم وأهل الصلاح فيهم، ويستطيع الإنسان أن يصف العصور بمن عاشوا فيها من الرجال، فيقال العصر الأول عصر أبي بكر وعمر، وعصر التابعين، وعصر تابعي التابعين، وعصر الشافعي وعصر أحمد بن حنبل، وعصر حسن البنا، وعصر الغزالي، وعصر أبو بدر يرحمهم الله.

ولقد كان عصر أبي بدر رحمه الله وأجزل مثوبته مليئًا بمآثر ومناقب الرجولة الحقة، فقد كان من الصالحين الغياري على دين الله ودعوته، وكانت سيرته ووصاياه لأحبابه وبنيه خيرًا، وأظن أن الرجل قد اتبع القول العمل، وقرن الإحسان بالأفعال الدائمة من بعده، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وسيظل عمله وأثره في عصره له شاهدًا، وعلى مر الأيام خالدًا مرفوعًا مرموقًا، يجري عليه ثوابًا متقبلًا إن شاء الله، ونسأل الله سبحانه أن يجمعنا به وبالأنبياء والصالحين في مستقر رحمته، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 28

459

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك - العدد 28

نشر في العدد 49

128

الثلاثاء 02-مارس-1971

التخطيط للهجرة