العنوان أسطورة الصراع على المغانم
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 28-نوفمبر-2009
مشاهدات 57
نشر في العدد 1879
نشر في الصفحة 66
السبت 28-نوفمبر-2009
يقول الباحث والفنان الإنجليزي «روم لاندو» في كتابه «العرب والإسلام»: ومثل الصبي الذي ورث دكان الحلوى، ذهل المحارب العربي حين وقع بصره على الكنوز الفارسية مطروحة عند قدميه، ومن ثم انغمس في فنون من الإسراف والاشتطاط حطمت رغبته في القتال «ترجمة: منير البعلبكي، دار العلم للملايين الطبعة الثانية، ص ٦١».
ونسي «روم لاندو» وهو يعاين هذا الجانب المجزوء من الصورة، أن المقاتل العربي لم يمد يده إلى هذه الكنوز التي نقلت إلى عاصمة الخلافة بكاملها لكي توزع هناك بالعدل والقسطاس..
لقد تمنع على اغراءات «الأخذ» لأنه كان يمارس مهمة «العطاء» في أعلى حالاته: منح الروح والاستشهاد في سبيل الله.. لقد كان يتعامل مع الموت الذي يقف على بعد خطوات.. فلم تكن الدنيا بكل كنوزها تخطر له على بال.
ونسي «روم لاندو» أن الرغبة في القتال لم تتحطم أبدًا.. بل مضت حركة الجهاد تتدفق كالسيل لكي تفتح مشارق الأرض ومغاربها.. وتنداح، بصيغة موجات كبرى تعقب إحداها الأخرى، على مدى تاريخ ممتد يبدأ في عصر الرسالة ويطل برأسه على العصر الحديث.
الرغبة نفسها في مجابهة التحديات والاندفاع إلى الأمام، ووضع الأرواح على الأكف، والتحقق بإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.. لم تفتر يومًا ولم ينطفئ أوارها في نفوس المجاهدين أبدًا.
ونسي «روم لاندو» ما كان يقوله سفراء المسلمين إلى «كسرى» و«رستم» عندما كانوا يسألون: «ما الذي أخرجكم؟» فيكون الجواب القاطع كحد السيف: الله ابتعثنا لكي نخرج الناس من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده..»... فهو -إذن- التحرير الكبير الذي نذرت له النفوس، وليس الطمع في المغانم التافهة مهما كان بريقها لامعًا متوهجًا..
نسي أيضًا ذلك الحوار الذي جرى بين سفير المسلمين المغيرة بن زرارة وبين كسرى «يزدجرد الثاني» الذي قدم وعدًا بأنه على استعداد لإمداد العرب بالطعام شرط أن يكفوا عن مهاجمة الفرس، فكان جواب المغيرة: «ما لهذا جئناكم، فوالله لإسلامكم أحب إلينا من غنائمكم، ولقتالكم -بعد- أحب إلينا من صلحكم»، وعند ذاك يسأله «يزدجرد» وهو لا يدرك الأبعاد الحقيقية لحركة الفتح: «ما الذي أخرجكم إذن؟».. فيجيئه الجواب القاطع: «الله بعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده»!!
و«روم لاندو» مع تقديرنا لمؤلفه القيم «العرب والإسلام» ونزوعه الموضوعي في معظم الأحيان.. يسلم على ما يبدو «بكليشة» دارت بالخطأ على أفواه العديد من الباحثين والناس العاديين، وهي أن الرغبة في المغانم والتقاتل عليها كانا الدافع الذي يحتل مساحة واسعة في صراع المسلمين ضد خصومهم.. وهي مقولة «تقليدية» لا يمكن التسليم بها بسهولة؛ لأنها ترتطم -ابتداء- مع حقيقة أن الفاتحين كانوا في معظم الأحيان الأقل عدة وعددًا من خصومهم، ومع ذلك كانوا ينتصرون عليهم.
فأي دافع مادي هذا الذي يغير المعادلات ويقلب الموازين؟ وأين دور الإيمان الذي يمكن القلة من الانتصار على الكثرة في معظم الأحيان؟ وكلنا يذكر -على سبيل المثال- ما كان يتردد على الألسنة من أن هزيمة عبد الرحمن الغافقي أمام الفرنجة عام ١١٤هـ عند «توربواتييه»، وفشل المحاولة الإسلامية الأكثر خطورة لاختراق فرنسا والوصول إلى باريس، إنما كانت بسبب الصراع الذي احتدم بين العرب والبربر على المغانم!!
أية مغانم والمعركة لم تنته بعد؟ وهل يعقل أن يصطرع الطرفان على مغانم لم تقع في أيديهم بعد؟
وفي بحث قيم لأستاذ الجغرافيا الطبيعية في جامعة بغداد: د. علي المياح، نشر في مجلة «المحارب» العراقية قبل أكثر من ربع قرن، نلتقي الرؤية العلمية النافذة التي تفسر أسباب الانكسار.. إنها تحديات الجغرافيا التي تفوق القدرة على الاستجابة.. صعوبات الطوبوغرافيا والمناخ.. البعد عن مراكز التموين.. وغيرها من الأسباب التي آلت إلى النتيجة المحزنة ولم يكن الصراع على المغانم من بينها على الإطلاق!!