العنوان الافتتاحية .. مواكب الشهداء.. والعيد الغائب عن أرض الإسراء والمعراج
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1997
مشاهدات 72
نشر في العدد 1246
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 15-أبريل-1997
قد يصعب على المرء أن يرسم لوحة للعيد في شوارع وقرى ومدن ومخيمات فلسطين المحتلة، فالانتفاضة المتجددة قد أججت الألوان، وهيجت الوجدان، وجعلت النفوس والأبدان تتوق للشهادة في سبيل الله، وعادت الحجارة لترد على كبرياء نتنياهو وغطرسة جنده المعتدين، ومع حلول عيد الأضحى، عيد التضحية والجهاد والفداء والإباء، بدأت مواكب الشهداء تترى على أرض فلسطين من جديد، وبدأ أطفال وشباب الانتفاضة يواجهون الصهاينة المدججين بالسلاح بالحجارة، التي سيهلك الله بها اليهود في النهاية، ومع إطلالة العيد نقول لأبطال الانتفاضة:
أيها الأحباب الصغار، والشباب الأطهار، أنتم بانتفاضتكم وحجارتكم زرعتم في عيوننا تألق الحلم الكبير، وعلى ضفاف عيونكم رست قوارب أملنا العظيم في رؤية أرض الإسراء والمعراج محررة طاهرة من الدنس الصهيوني.
وأنتن أيها الأمهات المتفجعات على فلذات أكبادكن الشهداء، إن هناك من يحاول أن يسرق الأحلام من عيونكن الكليلة، ويحوّل الأعراس إلى مؤتمرات للتصفيق ورسم علامات النصر، بأصابع محروقة مرتجفة، فلا تلقين له بالًا، ولا تنتظرن منه نصرًا أو جهادًا، وإن استشهاد أبنائكن هو امتداد لمسيرة الشهداء الطويلة على مر التاريخ، الذين سعوا لرفعة دين الله وإعلاء رايته: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ﴾(التوبة: ١١١).
ومع إطلالة صباح يوم العيد يتوافد الشباب المسلم في فلسطين إلى المساجد يحملون الأعلام والرايات، ويهتفون مهللين مكبرين بما يغيظ جنود الاحتلال الصهاينة، ويبعث في الشعب الفلسطيني روح النزال والجهاد والمواجهة، وتتفاعل مع نداءات الخطباء والأئمة استعدادات التضحية والفداء، ويتصافح الناس ويتعانقون، ويتعاهدون على الصبر والثبات وبذل الدماء، وتتحرك الجموع تجوب الأحياء، وتتوقف على عتبات منازل الشهداء تهتف للشهيد، ولأم الشهيد، ولآل الشهيد، ولأطفال الشهيد.
ومع كل خطوات المسيرة يتعاظم الحشد، بمزيد من النساء والأطفال في اتجاه دوحة الشهداء، وتختفي الدموع، ويزداد وجيب القلوب وخفق الوجدان، وكلما لاحت على البعد معالم مراقد الشهداء يتعاظم الهتاف والتكبير، ومع دويّ الهتافات والأناشيد تتوارى كل مظاهر العسكرة الإسرائيلية من جند وآليات، فهذه الجموع المسلمة لا ترهبها رصاصات المحتلين في لحظة تستعلى فيها الشهادة وتعظم مكانة الشهداء.
ومع باقات الزهر المطرزة بالأعلام وآيات القرآن، التي تذكر بفضل الجهاد والاستشهاد، يتذاكر الناس أمجاد الشهداء، وسيرتهم المحبة للشهادة، وتعود الجموع رافعة أعلامها مدوية نداءاتها، متوثبة للتحدي والمواجهة، فيما يتوارى الصهاينة وراء آلياتهم؛ خوفًا وفزعًا من مواكب الأبرار. وينطلق الناس بعد ذلك في زيارات موسعة لأسر الشهداء لمهاداتهم ومؤاخاتهم، وتخفيف حسرة الغائب، ثم يتحرك الشباب بعد ذلك في مجموعات العيادة المرضى والجرحى في المستشفيات، ويحملون معهم الهدايا والأعلام المطرزة بالقرآن، ويحلو الكلام عن التضحية والفداء والرجولة والوفاء باعتبارها السبيل لكرامة الأمة وخلاصها من عربدة الاحتلال.
واليوم يعاود العيد زيارته لنا، والانتفاضة المباركة قد عاودت تجلياتها، تهيئ لآفاق جديدة يستشرف فيها المسلم - رغم شراسة التحدي وعنف المواجهة، وحجم التآمر الإقليمي والدولي - مخاض الغلبة، والتمكين، وبينات: «السيف أصدق أنباء من الكتب»؛ ليأتي الحجر بمقتلة لحلم الصهاينة، وحصاد لفيئة غرقدهم وآمالهم فيه.
يأتي العيد والقدس تنتهك حرمة أرضه المباركة بالجرافات، وتستعلي على كل شبر فيه المستوطنات، فيما الآلاف من الشباب في السجون والزنازين والمعتقلات، ويأخذ الإغلاق بتلابيب الناس ومعايشهم، في ملحمة من الصبر والاحتساب وانتظار فرج آت.
هذا هو العيد في أرض الإسراء والمعراج، يوم للتفكر والتذكر والمواساة، يوم لاقتسام دمعة الحزن وألم الجرح، فمن بين الظلام الدامس يبزغ نور الفجر، ومن بين الضيق الشديد يأتي الفرج: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ (الشرح: ٥-٦)، فيا أبطال الانتفاضة انطلقوا في مسيرتكم تؤازركم دعوات الحجاج في يوم عرفة، ودعم جموع المسلمين معكم في أرجاء الدنيا، واعلموا أن وعد الله صادق للمؤمنين: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ) يوسف: 110) ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل