العنوان مؤتمر دولي يربط بين غسل الأموال وتمويل الإرهاب: هل تستهدف الإجراءات الدولية المضادة حسابات الجمعيات الخيرية؟
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر الجمعة 02-يوليو-2004
مشاهدات 53
نشر في العدد 1607
نشر في الصفحة 40
الجمعة 02-يوليو-2004
حجم الأموال المغسولة بسبب الجرائم يعادل 10% من الناتج الإجمالي في العالم!
عُقد في القاهرة في الفترة من 13 إلى 15 يونيو الجاري مؤتمر دولي عن «تزايد تهديدات غسل الأموال، وتنوع أساليبه، والعمل الدولي لمكافحته»، ركز على مواجهة سبل غسل الأموال المتداولة عبر عمليات مشبوهة مثل تجارة المخدرات أو السلاح أو تمويل عمليات «إرهابية» أو بيع أعضاء بشرية. وسط مشاركة مصرية وعربية ودولية واسعة، ضمت حوالي «400» شخصية. شاركت في المؤتمر وزارات عربية وأجنبية، وأجهزة رقابة وإشراف، ومصارف، ومؤسسات وأسواق مالية، وشركات، وحظى المؤتمر برعاية مؤسسات عربية ودولية كثيرة.
ومع أن المؤتمر ركز على مكافحة أنشطة مالية لغسل أموال تأتي عبر تجارة غير مشروعة أو تستخدم في عمليات غير مشروعة «إرهاب مثلًا»، فقد لوحظ أن هناك اهتمامًا أمريكيًا غير عادي بالمؤتمر وحرصًا على وضع توصيات صارمة فيما يتعلق بمراقبة الأموال التي تتداول عبر المصارف وصناديق الأموال المختلفة خصوصًا العربية، في تلميح واضح لأنَّ الإرهاب مصدره عربي وإسلامي؛ رغم أن المؤتمر أشار لدور إرهابيين غربيين ودور المافيا وعصابات الجريمة المنظمة المنتشرة في الغرب وفي آسيا.
وكان الحضور والاهتمام الأمريكي بالمؤتمر مكثفًا، مع التركيز على دور الإرهاب في تحويل الأموال وغسيلها لاستخدامها في أغراض غير مصرفية، حيث شارك في المؤتمر دونالد أوجلفي «Donald Ogilvie» رئيس اتحاد المصارف الأمريكية، وشلي جولدن (shelly Golden) مدير تطوير الأعمال الدولية في الاتحاد، إضافة إلى العشرات من رجال البنوك الأمريكية والمهتمين بالشؤون المصرفية، واثنين من مسؤولي السفارة الأمريكية بالقاهرة هما جيمس مارتن وباول شيا.
وأكد أوجلفي في كلمته - نقلًا عن دانيال جلاسر وزير الخزانة أمام الكونجرس الأمريكي - أن «الحملة ضد تمويل الإرهاب وغسل الأموال تشكل عنصرًا أساسيًا في استراتيجيات الأمن القومي، وأن أمريكا لا تعمل وحدها في هذا المجال»!
وكان أوجلفي يوجه حديثه لعشرات المسؤولين العرب، حيث حضر المؤتمر مسؤولون أمنيون عرب من وزارات الداخلية وأجهزة مكافحة غسل الأموال وأجهزة الرقابة الإدارية، ودار نقاش حول تحقق البنوك من هوية عملائها لكشف عمليات غسل الأموال، وكيفية تأثير هذا على خصوصية عملاء البنوك، وهل يجري التحقق من ذلك داخليًا أم عبر شركات ومؤسسات خاصة تستعين بها البنوك؟
ومع أن المؤتمر لم يتطرق للجمعيات الخيرية الإسلامية في العالم العربي التي تتهم واشنطن بعضها بغسل أموال تُستخدم في عمليات «إرهابية»، فقد وضح أن المقصود من السعي لتعقب ومراقبة العلاقة بين غسل الأموال والإرهاب التي ركز عليها المؤتمر، هو مراقبة أعمال هذه المنظمات الخيرية ضمن دائرة المشبوهين الموسعة التي تحصرها أمريكا وتضم إليها يوميًا العديد من الجمعيات والمؤسسات المالية والخيرية العربية.
خطورة هذه الاتهامات العشوائية بغسل الأموال لتمويل الإرهاب وما ظهر في المؤتمر من صعوبات بشأن التحقق من مصادر هذه الأموال ووجهتها الحقيقية أنها قد تطال مؤسسات وجمعيات خيرية إسلامية نشطة تعمل للخير ولا علاقة لها بالإرهاب، كما أن التشريعات أو التوصيات التي توصل لها المؤتمر قد تستخدم ضد هذه المؤسسات الإسلامية العاملة في مجال الخير لمجرد الاشتباه مما يلوث سمعتها ويضر عملها.
فقد أكد المؤتمر أن هناك علاقة قوية بين غسل الأموال وكل من الإرهاب وتجارة السلاح والمخدرات، وأن عصابات الجرائم المنظمة أو الإرهابيين وتجار المخدرات والسلاح استفادوا كثيرًا من الوسائل التقنية الحديثة مثل الحاسوب والإنترنت في غسل أموالهم الناتجة عن هذه الأعمال غير المشروعة.
وركز الأمريكيون في أوراقهم التي قُدمت للمؤتمر على أن هناك العديد من مظاهر الصلة بين غسل الأموال وتمويل الإرهاب، كما أن هناك حاجة لمزيد من التعاون الدولي لمكافحة هذه الظاهرة؛ خاصةً أن هناك حالات تم ضبطها بالفعل في بعض الدول لتمويل العمليات الإرهابية عبر عمليات لغسل الأموال، وكان هناك تركيز أمريكي أكبر على كشف كيفية استخدام الأساليب التقنية الحديثة في غسل الأموال، واهتمت الورقة التي ألقاها جيمس ريتشاردز - مدير مؤسسة فليت الأمريكية - بدراسة كيفية كشف غسل الأموال عبر وسائل عملية، كما اهتمت ورقة تيم ووكر رئيس وحدة غسل الأموال بالبنك الأهلي التجاري بجدة، بكشف هذه الأساليب المتقدمة لغسل الأموال التي اعترف ووكر بأنها عملية معقدة ومتنوعة ودائمة التغير، وأن هناك تأخرًا في التشريعات المواجهة لها، حيث يمكن لأي شخص إدارة أعمال مالية «مشبوهة» عبر الإنترنت دون تعرف البنك على هويته الفعلية.
هل هناك علاقة بين الإرهاب وغسل الأموال؟
ويقول المستشار هشام فتحي رجب من وحدة مكافحة غسل الأموال في مصر في الورقة التي قدمها للمؤتمر تحت عنوان «تمويل الإرهاب وعلاقته بغسل الأموال»؛ إن هناك علاقة بين غسل الأموال وتمويل الإرهاب عبر منظمات عدة في العالم، وأنه ثبت وجود هذه الصلة في حالات محددة.
وشدد المستشار رجب، على أن من يقومون بعمليات التحويل يقومون بها عبر سلسلة معقدة من عمليات التمويه وتحريك المال بأسماء مختلفة، وأن الهدف هو قطع الصلة بين مصدر المال والمالك الحقيقي، وأشار إلى أن مصادر تمويل الإرهابيين تتنوع ما بين تمويل الدول، وجمع تبرعات من أفراد ومؤسسات سواء يعلمون الهدف من التمويل أم يجهلونه، إضافة إلى استثمار المال الذي تم جمعه في أنشطة مشروعة تدر ربحًا، أو ارتكاب جرائم تدر عائدًا كبيرًا مثل الاتجار في المخدرات.
وقال المستشار رجب إن تكلفة العمليات الإرهابية ضئيلة مقارنةً بما تخصصه المنظمات الإرهابية لأنشطتها، وإن 10% فقط من المال المخصص لأي عمل إرهابي يذهب لتنفيذ العمليات، في حين يتبقى 90% من المال لحماية المنظمة وأفرادها، وإنه كمثال ثبت أن تكلفة تفجير المدمرة الأمريكية كول في ميناء عدن بلغت ما بين 5-10 آلاف دولار فقط، كما أن تكاليف تفجيرات 11 سبتمبر بلغت نصف مليون دولار فقط!
وناقش المؤتمر «الوثائق الأساسية الخاصة بمكافحة تمويل الإرهاب» - وهي أربع وثائق - تربط بينها وبين غسل الأموال، حيث تشير أحكام «الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب» الموقعة عام 1999م في المادة 18 إلا أن «على الدول إلزام المؤسسات المالية والمهن الأخرى ذات الصلة بأكفأ التدابير المتاحة للتحقق من هوية عملائها المعتادين، ووضع أنظمة تحظر فتح حسابات يكون صاحبها المستفيد منها مجهول الهوية، والتبليغ عن المعاملات المشبوهة أو ذات النشاط الإجرامي».
كما تضمن قرار مجلس الأمن رقم 1373 لعام 2001م الذي صدر عقب تفجيرات 11 سبتمبر «تجريم جمع أو توفير المال من أجل استخدامه في أعمال إرهابية وتجميد أموال أو أصول الإرهابيين سواء أفراد أو شركات وعدم توفير ملاذ آمن لمن يمولون الأعمال الإرهابية، وتفعيل آليات التعاون الجنائي الدولي في مجال جرائم تمويل الإرهاب»، كما نص القرار ذاته في مادته الرابعة على وجود صلة بين الإرهاب الدولي والجريمة المنظمة والإتجار بالمخدرات وغسل الأموال.
هذا بالإضافة إلى ما يسمى «التوصيات الثماني» التي صدرت في أكتوبر 2001م عن الأمم المتحدة والتي تحدد الاشتباه في الأموال في حالتين: العمليات التي يشتبه أنها ناجمة عن متحصلات جرائم، والعمليات التي يشتبه أن الأموال موضوع العملية تتصل بعمليات تمويل إرهاب.
3 تريليونات دولار.. حجم الأموال المغسولة
ويتضح أن حجم الأموال المغسولة في العالم عبر عمليات مشبوهة مثل الإرهاب والمخدرات وتجارة السلاح وغيرها، تزايد في الآونة الأخيرة بشكل كبير حتى بلغ حاليًا ثلاثة تريليونات من الدولارات.
ويقول د. مصطفى هديب رئيس الأكاديمية للعلوم المالية والمصرفية إن إحصاءات الأمم المتحدة والإنتربول تشير إلى أن حجم الأموال المغسولة كان حوالي «500» بليون دولار في العالم عام 2000م، ثم بلغ 1,5 تريليون سنويًا بموجب تقديرات «مجلة المحاسبة والمالية» الأمريكية عام 2001م، وتشير آخر دراسة إلى أن حجمه حاليًا يقارب «3» تريليونات دولار أي «10%» من الناتج المحلي الإجمالي في العالم.
ويعود سبب كثافة غسل الأموال في أمريكا الشمالية وبخاصة في الولايات المتحدة إلى الحجم الهائل لتحويل الأموال ومقاصدها من خلال مصارفها ومؤسساتها المالية والذي يعادل «2» تريليون دولار يوميًا، ومع ذلك فإنّ المكتشف منها لا يزيد على «10%» من الأموال المغسولة سنويًا في العالم، وهناك نماذج وعينات أخرى تدل على الحجم الخطير لهذه الأموال المغسولة في بعض الدول، قياسًا بالناتج القومي الإجمالي، حيث وصلت إلى مستويات غير معهودة: «7.5%» في إيطاليا، و«8.5%» في الولايات المتحدة و«16.5%» في الهند، و«50%» في الاتحاد الروسي وجمهوريات أوروبا الشرقية، و«60%» في بيرو.
ومن بين الشواهد الكثيرة على تنامي هذه الظاهرة الخطيرة أن حوالي «30» بليون دولار من المساعدات المالية المقدمة لأفريقيا يتم غسلها.
أخطار غسل الأموال
وخطورة هروب الأموال المغسولة - كما أكد الخبراء في المؤتمر - أنها تضعف المناخ الاستثماري في الاقتصاد الوطني، من خلال تلاعب الغاسلين في الأموال وحرمان القطاعات الاقتصادية منها، ويصبح القطاع المصرفي الضحية الأكبر لجرائم الغاسلين، الذين يعملون على حرفة عن أهدافه الأساسية وتوجيهه نحو خدمة غايات شريرة، وتسليط الرقابة عليه تبعًا لذلك.
ويهدد غسل الأموال سلامة العملة الوطنية، وغطائها من العملات الأجنبية، وقدرة أي دولة، وبخاصة النامية على تمويل مستلزمات التنمية، إلى جانب خلط الأموال القذرة والمغسولة مع الأموال النظيفة أصلًا، و الإخلال بموازين عرض الأموال والطلب عليها، في إطار المنافسة في الأسواق النقدية والمالية.
ونظرًا لكون أهم مصدر لغسل الأموال هو الاتجار بالمخدرات والفساد الإداري، والرشاوى والعمولات التي يحصل عليها مسؤولون في أجهزة الدولة، وتهريب الأموال العامة والاتجار بالأسلحة، فإنّ هناك أضرارًا بالغة تلحق بالمجتمع والأمن القومي، ونظم إدارة الدولة، والقطاع العام، وتهدد الاستقرار السياسي، مثل استخدام الأموال المغسولة، بمختلف أشكالها، لكسب تأييد الأحزاب السياسية والهيئات والمنظمات المجتمع المدني، من خلال تبذير أموال المجتمع، وكذلك استخدام الأموال المغسولة لإسقاط حكومات، وذلك من خلال تمرير الأموال إلى من يتولى القيام بهذه المهمات.