العنوان أحلام وأمنيات
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-2001
مشاهدات 64
نشر في العدد 1436
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 30-يناير-2001
الأمنية سلاح ذو حدين: إما أن تستخدم في الخير فتعلو بصاحبها، أو تستخدم في الشر فتهوي به إلى درك سحيق.
من يود المساهمة في حركة الحياة لا بد له من أن يخلو بنفسه، ويتخيل له مستقبلًا باهرًا، ويتمنى أمنيات غير تقليدية، ويحلم بواقع أفضل، ذلك أن أحلام الأمس حقائق اليوم، وأحلام اليوم حقائق الغد، وأحلام الغد حقائق المستقبل البعيد.
أن تكون لك أمنية أو حلم تؤمن به وتعيشه وتتمناه وتهيم به وتراه في اليقظة والمنام، وتحادث نفسك به في الليل والنهار، أن يكون لك ذلك لهو الأساس أو المنطلق الذي تنطلق منه عملية التأثير في الحياة.
لذا كم نحن بحاجة إلى عقد صلح مؤقت أو ربما دائم مع أحلام اليقظة، لتسرح أفكارنا في عظمة الله في كونه الفسيح وفي سنته في خلقه وفي الواقع الذي نعيشه، وكذلك في المستقبل المشرق الذي ننشده، وقد أوضح النبي -صلى الله عليه وسلم-أهمية الأمنيات إذ يقول: «إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته» (رواه أحمد عن أبي هريرة).
وقد تحدى الله -تعالى- اليهود بالأمنيات فقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (سورة الجمعة، آيات: 6-7)
ويقول -تعالى- في بني إسرائيل: ﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ ﴾ (سورة البقرة: آيات، 94-95)
وضرب الله مثلًا آخرًا في الأمنيات، ألا وهو قارون ومن تمنى أن يكون مثله، فقال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة القصص: 79- 82)
والأمنية سلاح ذو حدين، إما أن تستخدم في الخير فتعلو بصاحبها أو تستخدم في الشر فتهوي به إلى درك سحيق، ولذلك فطن الشيطان إلى خطورة هذا السلاح فاتخذه سبيلًا للإغواء، وقد نجح، وفي هذا يقول -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (سورة النساء: 120) كما أن الأمنية قد تقوم مقام النية، وذلك لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه أبو كبشة الأنماري -رضي الله عنه-: «مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر: رجل آتاه الله علمًا فهو يعمل به في ماله وينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا فهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالًا ولم يؤته علمًا فهو يخبط فيه وينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علمًا فهو يقول لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل فهما في الوزر سواء» (رواه أحمد وابن ماجة).
أمنية عجيبة:
ولقد تمنى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: «والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا» (رواه البخاري).
وروي أن عمر بن الخطاب جلس مع بعض أصحابه في مجلس من مجالس الأحلام والأماني السامية فقال لهم تمنوا، فقال أحدهم أتمنى أن يكون عندي ملء هذا الوادي ذهبًا فأنفقه في سبيل الله، وقال الآخر أتمنى أن يكون عندي ملء هذا الوادي خيلًا أتصدق بها في سبيل الله، فقال عمر لكنني أتمنى أن يكون عندي من هذه الدار رجالًا كأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة.
والسؤال الذي ربما يفرض نفسه في هذا المقام هو: لماذا أتمنى؟ وجواب ذلك يكمن في آمرين مهمين:
أولهما: أن من طبيعة الإنسان أنه في تطلع دائم إلى ما هو أفضل وأحسن، ولذا يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان: الحرص على المال، والحرص على العمر» (روا مسلم)
أما الأمر الثاني فهو: أن التمني يظهر ما في النفس من علو أو هبوط، ومن صلاح أو فساد، فقل لي ما تتمنى أقل لك من أنت فالقلوب الطاهرة، والنفوس العالية تتمنى الخير للناس جميعًا، فهذا عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- يقول: «إن في ثلاث خصال أني لآتي على الآية من كتاب الله فلوددت أن جميع الناس يعلمون ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح ولعلي لا أقاضي إليه أبدًا، وأني لأسمع الغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح ومالي به سائمة» (هاشم محمد على سلسلة المنهاج ج5 ص124)
ومن الأهمية أن ندرك كذلك أن الأمنيات والأحلام ليست نهاية المطاف، بل هي بداية الطريق، ولذا ينبغي أن يتبعها عمل وجد واجتهاد، وإلا فستصبح هذه الأمنيات ما هي إلا مخدر لا خير فيها، ولذا يقول علي بن أبي طالب لابنه الحسين: «إياك والاتكال على المني فإنها بضائع النوكى» (النوكى: أي الحمقى)
ويقول الشاعر:
ولا تكن عبد المنى فالمنى *** رؤوس أموال المفاليس
ويقول آخر:
أعلل بالمنى قلبي لعلي *** أسري بالأماني الهم علني
وأعلم أن وصلك لا يرجى *** ولكن لا أقل من التمني
وأخيرًا يحسن بالمرء، أن يبادر إلى الاهتمام بأمنياته وأحلامه، وأن يرفع من مستواها، حتى يستطيع أن ينطلق منها لصناعة التأثير وهندسة الحياة، وكي لا يمضي الوقت وتمر الأيام وينقضي العمر وبعض أصابع القدم على ما فات، ويتمنى أن يفعل شيئًا مؤثرًا، ولكن يوم لا ينفع الندم ولا تجدي الأمنية.
لما أحتضر الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان سمع غسالًا يغسل الثياب، فقال: ما هذا؟ قالوا: غسال، فقال: يا ليتني كنت غسالًا أكسب ما أعيش به يومًا بيوم، ولم آل الخلافة ثم تمثل قائلًا:
لعمري لقد عمرت في الملك برهة *** ودانت في الدنيا بوقع البواتر
وأعطيت حمر المال والحكم والنهي *** ولي سلمت كل الملوك الجبابر
فأضحى الذي قد كان مما يسرني *** كحلم مضى في المزمنات الغوابر
فيا ليتني لم أعن بالملك ليلة *** ولم أسع في الذات عيش نواضر
وأستمع الآن إلى ما سطره كتاب الله -تعالى- من حال أولئك الذين فرطوا في دنياهم وأخروا الأمنيات السامية إلى يوم لا يجدون لها نفعًا، وإنما حسرة وألمًا على تفريطهم وتسويفهم.
يقول الله -تعالى-: حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (سورة المؤمنون: 99- 100).
قال قتادة: «والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة ولا أن يجمع الدنيا ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله -عز وجل- فرحم الله امرأً عمل فيما يتمناه الكافر إذ رأى العذاب، (مختصر ابن كثير، 63، ص575)
ويقول -تعالى-: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ ۚ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ﴾ (سورة المعارج :11 - 14).
قال الألوسي: «يتمنى الكافر أو المذنب أن يفتدي بأقرب الناس إليه، وأعلقهم بقلبه، فضلًا أن يهتم بحاله ويسأل عنها» (روح المعاني ج ۲۹ ص 60) وقال -تعالى-: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ (سورة الحاقة: 25-27)، قال قتادة -رحمه الله-: «يتمنى الموت ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه» (مختصر ابن كثير ج3، ص545).
وقال -تعالى-: ﴿إِنَّآ أَنذَرْنَٰكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يَٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرَٰبا﴾ (سورة النبأ: 40) .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل