العنوان الغِيبة.. وحركة الحياة
الكاتب د. عامر البو سلامة
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2018
مشاهدات 80
نشر في العدد 2126
نشر في الصفحة 54
السبت 01-ديسمبر-2018
النص القرآني المحرم للغيبة سياج يحمي كرامة الناس وأدب عميق في النفوس
الناس يستهينون بهذا المرض الفتاك حتى أصبحت الغيبة فاكهة المجالس وسلوان الغافلين
كاتب سوري الغيبة كبيرة عظيمة من كبائر الإثم والعدوان، وسيئة من سيئات الضلال والفساد، هي حالة من حالات الضياع، وصورة من صور الشرود، وطريق من طرق التيه، وباب من أبواب الارتكاس في حمأة الجاهلية، خانقة الفضيلة عند الناس، وتصنع الدخن والإلباس، ومدخل من مداخل التمزق، وعالم من عوالم الانحدار، وآفة تأكل الأخضر واليابس، لا تبقي ولا تذر، محبطة لأعمال البشر، قال الحسن البصري: «والله لَلغيبة أسرع في دين الرجل من الأكَلة في الجسد».
إنها مكسرة لأسوار الفضيلة، ومدمرة لحصون الحياء، ومزلق من مزالق الطغيان، ونافذة من نوافذ العدوان، ومسرب من مسارب البغي، ومرتسم من مرتسمات الشيطان، يعكس من خلالها إبليس غواية العدوان، فيحقد الإنسان على أخيه الإنسان، ويمد له حبال الغي، حتى يوقعه في شرك الرذيلة.
مرَّ عمرو بن العاص رضي الله عنه على بغل ميت، فقال لأصحابه: «لأن يأكلَ أحدكم من هذا البغل حتى يملأ بطنَه خيرٌ له من أن يأكل مِن لحم أخيه المسلم» (صحيح الترغيب والترهيب).
إنها الغيبة! مدمرة المجتمعات، وصانعة المبغضات، وجري وراء الشهوات، ومحركة للعداوات، ومبددة للطاقات، ومجمع من مجامع الغفلات، وسبيل من سبل الهلكات، تهوي بالمرء إلى أسفل الدركات، وأحط العاقبات، وأخس الدركات، وهي في مجال السير إلى الصلاح من العقبات، حيث توصلت إلى الطامات الكبيرات.
إنها الغيبة! عدو مبين، وشر مستطير، ونكد فظيع، وبعد عن مناهج الربانيين، وأحوال الصالحين، وسير المتقين، أصحابها عناكب الفتنة التي تنسج خيوطها في وسط المجتمعات، ما شاعت في أمة إلا جعلتها في الحضيض، ولا أدمن عليها امرؤ إلا تحول إلى شيطان رجيم، ولا انتشرت في جماعة أو حزب إلا حول نهاره إلى ليل، وسعادته إلى شقاوة، وحلاوته إلى مرارة.
أصحابها ظلاميون بكل دلالة المعنى؛ ظلمة قلب، ووجه وضمير، ظلمة عين أو لسان، أو جارحة، ظلمة سلوك، هم رسل الشر، وعناوين الفساد، ورموز الخراب، ولصوص الطاقة، حيث حلوا تفوح روائح المكر، وطعوم الكيد، وألوان الفتن، وصنوف الفساد، إنهم الخطر الكبير، والحذر منهم جدير.
وقد تشدد الإسلام في تحريم الغيبة، فقال الله تعالى: (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ {12}) (الحجرات)، يقول الأستاذ سيد قطب في ظلاله: «لا يغتب بعضكم بعضاً، ثم يعرض مشهداً تتأذى له أشد النفوس كثافة وأقل الأرواح حساسية، مشهد الأخ يأكل لحم أخيه ميتاً! ثم يبادر فيعلن عنهم أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز، وأنهم إذن كرهوا الاغتياب!».
ثم يعقب على كل ما نهاهم عنه في الآية من ظن وتجسس وغيبة باستجاشة شعور التقوى، والتلويح لمن اقترف من هذا شيئاً أن يبادر بالتوبة تطلعاً للرحمة: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ {12}).
ويسري هذا النص في حياة الجماعة المسلمة فيتحول إلى سياج حول كرامة الناس، وإلى أدب عميق في النفوس والقلوب، ويتشدد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متمشياً مع الأسلوب القرآني العجيب في إثارة الاشمئزاز والفزع من شبح الغيبة البغيض.
والناس مع الأسف يستهينون بهذا المرض الفتاك، حتى أصبحت الغيبة فاكهة المجالس، وسلوان الغافلين، وتسلية المبطلين.
وكما أن الغيبة حرام، فكذا سماعها والرضا بها، ومشاركة أصحابها ولو بالسكوت، ونص العلماء على تحريم سماع الغيبة وأمر من سمع غيبة محرمة بردها والإنكار على قائلها، فإن عجز أو لم يقبل منه فارق ذلك المجلس إن أمكنه، كما نقل ذلك الإمام النووي وغيره من الأعلام، قال الله تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) (القصص: 55)، وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ {3}) (المؤمنون)، وقال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ {68}) (الأنعام).
الغيبة مصيبة على المرء وعلى المجتمع، وهي من الآفات الكبرى التي ابتلي بها كثير من أبناء جلدتنا، وهذه الأدلة التي سقناها جزء من أدلة النواهي عن هذا الخلق السيئ، ولو أردنا استقصاء ما ورد من أدلة وأقوال وتفصيلات وحديث شامل عنها، لكانت مجلداً، فاحذر، وانتبه، وتذكر، واعقل، واتق الله!>
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل