; ضبط النفس... على الطريقة العربية!!! | مجلة المجتمع

العنوان ضبط النفس... على الطريقة العربية!!!

الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة

تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

مشاهدات 61

نشر في العدد 1229

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

حين تزداد الأزمة تعقيدًا بين الكيان الصهيوني الغاصب وبين حكومتنا الموقرة، وحين يمعن السيد نتنياهو في الغطرسة، وفرد العضلات، وتوجيه الإهانات مع التهديدات لا يستطيع الإعلام العربي الرسمي في كثير من الأقطار أن يمضي في اسلوب التطبيل والترويج لمعاهدات السلام المزعوم، وسياسات التطبيع وفتح كافة الأبواب أمام العدو الغاصب، بل يجد نفسه مضطرًا للتعامل مع تهديدات وإهانات قيادات الكيان الصهيوني الغاصب، حرصًا على مسايرة أجواء التوتر والغضب التي تسود الساحة العربية، أو سعيًا لتفريغ طاقات وشحنات الغضب والثورة... أو ربما درءًا للشبهات ودفعًا للشكوك، إلا أنه في كافة الأحوال نجده بقصد أو دون قصد يتعرض لكثير من خفايا السياسة الصهيونية، والمطامع اليهودية، والأهداف والغايات الخطيرة التي يسعى الكيان الصهيوني الغاصب إلى تحقيقها من وراء اتفاقيات السلام ومحاولات التطبيع، وخطوات الغزو الثقافي.... والإعلامي والاقتصادي والعسكري... هذا بالإضافة إلى العديد من الأخبار والأسرار المتصلة بالعدو، والتي يشملها الإعلام العربي الرسمي بستار من الكتمان أو الحظر في الأوقات، أو الظروف التي لا تخيم عليها أجواء الأزمات.

إحدى المجلات الرسمية في بلد عربي منذ أيام قليلة جاء في افتتاحيتها تحت عنوان: «كيف نطمئن إلى نوايا إسرائيل؟» «السيد نتنياهو يريد من العرب أن يأتوا جميعًا إلى مؤتمر القمة الاقتصادية ويقدموا طواعية وعن طيب خاطر أموالهم و بترولهم وأرضهم في مشروعات مشتركة مع إسرائيل في ظل التهديد والانسحاب من عملية السلام، وزيادة مستوطنات اليهود في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، وفرض الحصار على غزة وعرب الضفة وتغيير معالم القدس، وحفر نفق تحت الأقصى يهدد أساسات المبنى».

_ «ويريد نتنياهو من العرب أن يقابلوا بالصمت محاولات إسرائيل اختراق الأمن القومي العربي واتجاه حكومته لدعم سيطرتها وقوتها في المنطقة، وأن يتقبلوا النقد العلني من سيادته، وإن كان ما يفعله السيد نتنياهو ليس جديدًا، ولكنه مرحلة جديدة من التبجح والغرور».

 - «وما زلنا نذكر التصريحات التي أدلى بها مدير عام وزارة الدفاع الإسرائيلي ديفيد إيفري عام ۱۹۹۲م، حين تحدث عن السلام بين مصر وإسرائيل فقال إن الوضع بين مصر وإسرائيل أقرب إلى هدنة منه إلى الصلح، وأن خطر الحرب مازال قائمًا، وإنه إذا أرادت إسرائيل تفادي هذا الخطر فيجب عليها الاحتفاظ بقوتها». 

 وتتناول المجلة الموقف العربي الرسمي السلبي إزاء التهديدات والتبجح الإسرائيلي فتقول:

 - «على الجانب العربي مازال الموقف كما هو: إستراتيجية السلام هي المعتمدة، مع رغبة في الاستمرار في المفاوضات لاستكمال عملية السلام مع سورية ولبنان والفلسطينيين، ومازال العرب متمسكين بضبط النفس والالتزام بالصبر».

 - «وتقيم إسرائيل مستوطنات جديدة، وتغتصب مزيدًا من أرض العرب، ويعلن العرب ضبط النفس مع الالتزام بالصبر».

 - «وتعلن إسرائيل ضم القدس واعتبارها عاصمة.... ويعلن العرب ضبط النفس».

- «تعلن إسرائيل رفضها لإعادة الجولان، ويعلن العرب رغبتهم في استمرار المفاوضات».

- «وتعلن إسرائيل استمرار عمليات ضرب الجنوب اللبناني ويوجه وزير الدفاع الإسرائيلي إسحق موردخاي تهديدات مباشرة لسورية، ويعلن العرب إصرارهم على ضبط النفس».

- «وحين نقول إنه لا بد من خلق بنية ملائمة للسلام والتعاون الاقتصادي والتطبيع يقول السيد نتنياهو: إننا أشبه برجل جدع أنفه بيده، ويشكو من ضياع أنفه».

- «وحين نطالب إسرائيل بالتخلي عن سياستها في سباق التسليح والتوقيع على اتفاقية حظر السلاح النووي يقول السيد نتنياهو: إن هذا جمود وتراجع عربي عن السلام».

وتطرح المجلة تساؤلًا له أكثر من معنى ومغزى فتقول:

 «ماذا يفعل المؤتمر الاقتصادي في القاهرة في نوفمبر ١٩٩٦م إزاء رغبة إسرائيل الحالية في الهيمنة على المنطقة اقتصاديا وسياسيًا؟ وإذا كانت إسرائيل تسعى لإيجاد طبقة من العرب ترتبط مصالحهم الاقتصادية بإسرائيل ومع الوقت يكون لهذه الطبقة تأثير في القرار السياسي العربي فتستطيع أن تضمن الولاء والتعاون، مع استمرار السيطرة الإسرائيلية على الأرض العربية والمواطنين العرب، فهذا منطق مقلوب».

 أما المنطق الصحيح من وجهة نظر المجلة الرسمية فهو «أن تبدأ إسرائيل طريق السلام بتنفيذ الاتفاقيات وإعادة الأرض وتنفيذ اتفاق أوسلو، فهذه الخطوات ستكون دليلًا على جدية إسرائيل وتؤدي إلى بناء الثقة العربية في النوايا الإسرائيلية، وبعد الثقة يأتي التعاون الاقتصادي والاستثمار المشترك والمشروعات عابرة الحدود، وتنتقل الأموال العربية إلى إسرائيل تساعدها في حل مشاكلها الاقتصادية... وتفتح الأسواق أمام المنتجات الإسرائيلية لتجد الزراعة والصناعة فيها مجالًا للنمو والتوسع وينتشر الإسرائيليون في البلاد العربية ليقودوا التجارة والمشروعات الكبرى..... كما كانوا منذ نصف قرن»!!! 

وتقترب المجلة الرسمية من الواقع العربي الرسمي كثيرًا حين تقول: «السيد بنيامين معذور لأنه يرى العرب في حالة انقسام، والعراق خرج من المعادلة العربية، والخلافات بين العرب أكثر حدة من خلافاتهم مع إسرائيل، والجامعة العربية تشهد اجتماعات مضحكة مبكية هي نوع من التمثيل الرديء حالة من التعاون والتفاهم... وإمكان قيام مؤتمر اقتصادي عربي الإقامة مشروعات عربية مشتركة للتنمية أقرب إلى المستحيل.

وفي الوقت نفسه تقول مجلة عربية رسمية أخرى تحت عنوان «أحذية نتنياهو على رقبة المسلمين.. لعن الله هذا الزمن الردي.... زمن الخنوع والاستسلام للذل والمهانة».

لقد كشف نتنياهو عن وجهه القبيح... بعد أن قال بأعلى صوته أنه سيذل العرب ويسقيهم المهانة.. فقال بعضنا للبعض الآخر إنه هزار أو مداعبة سخيفة أو مناورة مكشوفة، ولكنه «أي نتنياهو كان يعني قوله».

«وترى المجلة أن نتنياهو من خلال مواقفه وتصريحاته وتهديداته يضع حذاءه فوق رقبة المسلمين، بل إنه يضع عصا في دبر الذين ينادون بالجهاد... ولا يرون الجهاد إلا في قتل الأبرياء... ورفع رايات الإرهاب».

هذان نموذجان من نماذج الإعلام العربي الرسمي في بلد عربية... حين يتعامل مع السياسات الصهيونية والصفاقة والأطماع والأهداف والغايات اليهودية... في أجواء التوتر العربي وشد الأعصاب العربية.

 وهو تعامل يؤكد أن المهيمنين والعاملين في المجال الإعلامي العربي الرسمي يعرفون حقيقة النوايا والأهداف والغايات... وأيضًا أبعاد السياسات عند الكيان الصهيوني الغاصب... وبالطبع يدركون أخطار ومخاطر المرحلة التي يجتازها عرب العصر.

 أخيرًا.. الإعلام العربي الرسمي بدأ يعترف على استحياء بأن نتنياهو يمثل مرحلة من مراحل بسط النفوذ الصهيوني على عالمنا العربي. 

إلا أن هناك أربعة أمور يمكن رصدها بيسر وسهولة من خلال موقف الإعلام العربي الرسمي إزاء إنذارات وتصريحات نتنياهو:

الحقيقة الأولى: أنه يؤكد الإصرار العربي الرسمي على المضي في التفاوض مع الكيان الصهيوني.... وأنه في انتظار إشارة أو إيماءة صهيونية تنبي عن استعداد الكيان الصهيوني للمضي على درب التفاوض... والالتقاء على موائد المفاوضات... وأنه على موائد التفاوض يمكن فتح الأبواب والنوافذ... وإزالة كافة السدود والحواجز من أجل إنعاش الاقتصاد الإسرائيلي ورواج الزراعة والصناعة الصهيونية... وحتى يجوب المرابون والسماسرة والتجار اليهود كافة الديار العربية يروجون للبضاعة اليهودية، و يمهدون السبل أمام السيطرة الصهيونية.... والمطلوب لا يتجاوز التوقف الإسرائيلي عن الجهر بالإساءة... أو الجهر بالوعيد والتهديدات.... أو إطلاق قذائف الشتائم والسباب في الميكروفونات. 

الحقيقة الثانية: إن الإعلام العربي الرسمي كنتيجة للتركيبة الإعلامية التي شكلتها وحددتها قوانين خاصة لضمان التوجهات... وضمان المضي والتحرك في إطار مطلوب... يتلاشى ويتحاشى أن يحمل أي مسؤولية من مسؤوليات الوضع العربي المتردي للحكومات والسلطات على الساحة العربية، على الرغم من أن حكومات عربية هي التي سعت وتسعى للتفاوض.... وتحريك عجلة التفاوض.... وطرح كافة الأوراق على الموائد... وإقرار التطبيع والتفاوض في أوسلو وطابا وواشنطن، والتأكيد على صلة الرحم بأبناء العمومة.... والبكاء على قبر الراحل رابين والعناق والقبلات وشوق مع السيد بيريز والتماس الأعذار الرئيس الوزراء الجديد بنيامين... حتى ينتهي من تشكيل وزارته... ويستوعب الحقائق والأبعاد وحضور الاحتفالات في البيت الأبيض بمناسبة توقيع المعاهدات... وكذلك تأجير الوديان والمساحات الواسعة من الأراضي للكيان الغاصب... إلخ.

أيضًا يعرف الكافة من خلال الواقع المعاش بمآسيه... وحقائقه... أن حكومات عربية كثيرة تمتلك العديد من جيوش الأمن الجرارة... والجيوش النظامية... وتعقد الصفقات التي تتعدى المليارات.. ومن ثم تتساءل الرعية في هذا القطر أو ذاك... وهي تعيش مأساة التهديدات اليهودية، أو مأساة التبجح الإسرائيلي ومخاطر التوسع الصهيوني... هل ثمة أمل في توجيه الجيوش بكافة أنواعها وأشكالها الوجهة الصحيحة؟... أي نحو الحدود ونحو العدو الحقيقي وتحت اللافتات والشعارات الصحيحة وعلى نفس الدرب الذي سار عليه الأولون لاسترجاع كافة الحقوق واقتلاع جذور العدو والعدوان؟

 الحقيقة الثالثة: إن الإعلام الرسمي العربي بدأ يعترف ولو على حياء بأن نتنياهو يمثل مرحلة من مراحل التوسع الصهيوني وبسط النفوذ والقبضة الصهيونية على عالمنا العربي بعد أن ظل منذ تولي نتنياهو رئاسة الوزارة في الكيان الصهيوني، يروج لحكاية الحمائم وحكاية الصقور... والمرحلة الجديدة من مراحل التوسع والمد والامتداد الصهيوني... تتطلب أساليب جديدة.. ولهجة جديدة... وصولًا للأهداف المرحلية والأهداف النهائية.... حيث لا فارق بين نتنياهو وبيريز.

الحقيقة الرابعة: كما أن الإعلام العربي الرسمي أمام تهميش دور الشعوب... وعزلها عن قضيتها المصيرية وكافة قضاياها الأخرى... لا يحاول التطرق إلى وجوب نهوض الشعوب بدورها وضرورة تحريكها لبذل كافة إمكاناتها وطاقاتها على طريق الجهاد والتحرر ودفع الأخطار... واستعادة كامل الحقوق... لأن الأمر يرتبط بضرورة إطلاق الحريات... وتحطيم القيود والعوائق... وتوفير أجواء الأمن والطمأنينة... وإعادة النظر في برامج التعليم والتربية.. الصياغة العقول والأذهان على معاني ومعالم الجهاد... والثأر... وبذل الدماء والأموال والأرواح 1 من أجل الحرية والكرامة والعزة والمنعة... ومن ثم فإنه يبدو أن شعار «ضبط النفس» العربي الرسمي المعروف والمشهور سيظل مرفوعًا.... في مواجهة أخطار وتبجح وصلف الكيان الصهيوني الغاصب إلى أن يحدث الانفجار الشعبي... العربي، ويمتد من فلسطين شرقًا حتى الخليج... وغربًا حتى المحيط!.

الرابط المختصر :