; ميلوسوفيتش بين الفساد وسوء استخدام السلطة وجرائم الحرب | مجلة المجتمع

العنوان ميلوسوفيتش بين الفساد وسوء استخدام السلطة وجرائم الحرب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 14-أبريل-2001

مشاهدات 68

نشر في العدد 1446

نشر في الصفحة 37

السبت 14-أبريل-2001

أحاطت بالرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش خطاياه، وأصبح رهين المحبسين «في بلجراد راهنًا، ولاهاي مستقبلًا» بعد خسارته أربع حروب وتسببه في مقتل ٣٠٠ ألف نسمة، وخسارة مادية تقدر بخمسين مليار دولار في كل من البوسنة وكوسوفا، وتهجير مليوني نسمة، ولم يحقق صربيا الكبرى، وإنما أصبحت بلاده أقل حجمًا تعيش وضعًا اقتصاديًّا بائسًا بعد ١٣ سنة من حكمه.
التصريحات الصادرة عن أعمدة الحكم في بلجراد ابتداء من الرئيس فويسلاف كوشتونيشا وانتهاء بوزيري الداخلية والعدل تؤكد بمستوى متفاوت على ضرورة محاكمة الرئيس الأسبق ميلوسوفيتش على جرائم داخلية قد تؤدي لإعدامه، وبذلك يمتنع تسليمه لمحكمة جرائم الحرب في لاهاي، وبذلك تختفي آثار الجرائم التي لم يقم بها جميعًا ميلوسوفيتش وحده، وإنما شارك فيها جنرالات في الجيش ومسؤولون سياسيون كبار كما لا يستبعد أن ينتحر ميلوسوفيتش أو أن يغتال داخل السجن، وإن كان لا يستبعد أيضًا أن يتم تسليمه لمحكمة جرائم الحرب في لاهاي؛ حيث إن الخيارات الأخرى مدمرة للاقتصاد ومصالح يوغسلافيا في المنطقة، سيما في الجبل الأسود وكوسوفا، وهو ما تدركه بلجراد جيدًا.

ردود الأفعال الداخلية
مرة أخرى تنجو بلجراد من المذبحة بأعجوبة، ومرة أخرى يكون ميلوسوفيتش صاحب المبادرة بالتهدئة والخروج من المواجهة بأقل الخسائر، فقبل انتهاء المهلة التي حددتها واشنطن بساعات قليلة أحاطت الشرطة الصربية بمقر إقامة ميلوسوفيتش، وحاولت اقتحامه إلا أن عناصر من الجيش وعدد من أنصار ميلوسوفيتش منعت الشرطة من اعتقاله، لكن نجاح الحكومة في إقناع ميلوسوفيتش بالاستسلام، وإدراك الأخير عبثية المقاومة أجبره على الانصياع للقيد، والتخلي عن تصميمه بعدم الاستسلام حيًّا.
الرئيس كوشتونيتسا الذي يدعو لمحاكمة میلوسوفيتش في بلجراد ويرفض تسليمه لمحكمة جرائم الحرب يؤدي دوره في اللعبة السياسية الخطرة بإتقان، فوراء رفضه المعلن تسليم ميلوسوفيتش «وأن كرامة بلده أهم من المساعدات على حد قوله» يكمن عزمه على تسليمه في نهاية المطاف، فالذي أجبره على اعتقاله يمكن أن يجبره على تسليمه ولا يخرج السيناريو المنتظر عن الاحتمالات التالية:
١- محاكمة ميلوسوفيتش في بلجراد وصدور حكم بالإعدام أو السجن مدى الحياة، وبالتالي يوفر على محكمة جرائم الحرب مؤنة محاكمته ومصاريف إقامته في السجن بلاهاي.
٢- السيناريو الثاني: يتمثل في تهدئة الوضع الداخلي، وتعدي الفورة العاطفية للشارع العربي، ومن ثم تسليمه لمحكمة جرائم الحرب بعد المساومة مع الغرب مقابل مكاسب اقتصادية وسياسية.
٣- السيناريو الثالث والأخير: عدم تسليمه لمحكمة جرائم الحرب وتحمل العقوبات الدولية بهذا الشأن، وقد يقع تهريب ميلوسوفيتش من السجن عن طريق المافيا، ومن ثم العودة إلى المربع الأول.
التصريحات التي صدرت فيما سبق عن رئيس الوزراء زوران دجنجيتش تختلف نسبيًّا عنها في الوقت الحالي، ولا يعرف إن كانت لمجرد الاستهلاك الداخلي، أم أنها تعبر عن تحول في موقفه من قضية ميلوسوفيتش، فهو يصر حاليًا على محاكمته في بلجراد، وهو الذي كان يدعو إلى تسليمه لمحكمة جرائم الحرب لتجنب صربيا كوارث اقتصادية أكثر مما تعرضت له نتيجة سياسات ميلوسوفيتش، التي تسببت في خسارة تقدر بـ ١٦ مليار دولار سنويًّا، وزير العدل فلائن باليتش الذي هدد في السابق باعتقال ميلوسوفيتش ونقله إلى لاهاي هو الآخر يؤكد الآن أن ميلوسوفيتش يخضع للاعتقال التحفظي على ذمة التحقيق لمدة شهر، يمكن أن يقع تمديدها إلى سنة أشهر، حسب مجريات التحقيق وقرارات المحكمة، وأن عملية تسليم ميلوسوفيتش تحتاج لتغيير الدستور والقانون، وكل ذلك يحتاج لوقت حسب قوله.
وزير الداخلية أفاد عقب اعتقال ميلوسوفيتش بيوم واحد بأن المتهم متورط في جرائم يمكن أن تؤدي به للإعدام، بينما هون محامي ميلوسوفيتش من أهمية التهم الموجهة لموكله، وخاصة المتعلقة بتمويل صرب كرواتيا وصرب البوسنة ومدهم بالأسلحة أثناء الحرب (۱۹۹۲ – ١٩٩٥)، وقال «ميلوسوفيتش سيتكلم جهارًا ويقول الحقيقة»، وفي ذلك تهديد صريح للمؤسسة العسكرية والأكاديمية الصربيتين معًا.
في البوسنة والهرسك كانت ردود الأفعال حول اعتقال ميلوسوفيتش منسجمة بين مختلف الفاعليات السياسية رئيس الفيدرالية البوسنية الجديد كارلو فيلو بوفيتش اعتبر أن نهاية ميلوسوفيتش في نهاية المشروع صربيا الكبرى، وطالب بالإسراع في إلقاء القبض على رادوفان كرانيتش زعيم صرب البوسنة أثناء الحرب والجنرال راتكو ملاديتش، الذي قاد حملة الإبادة، وبدون ذلك يبقى الاستقرار مهددًا، وعملية عودة اللاجئين تراوح مكانها، أما الرئيس السابق علي عزت بيجوفيتش، فقال: «يبدو أن الحكومة في بلجراد تمهد من خلال نشر غسيله القذر أمام الشعب أن يزدريه ويستسيغ الإجراءات التي ستتخذ في حقه لدرجة يرى فيها ميلوسوفيتش أن نقله للاهاي أفضل له من البقاء داخل بلجراد».

تهيئة الرأي العام
وبالفعل تركز بلجراد حاليًا على نشر الغسيل القذر لميلوسوفيتش لإضعاف حدة التحالف معه، وعدم مفاجأة الرأي العام بقساوة الإجراءات التي ستتخذ ضده وضد المقربين منه الذين يعتبر ميلوسوفيتش مسؤولًا عن جرائمهم، ومنهم رادومير ماركوفيتش وزير الشرطة السابق، الذي تم اعتقاله والمتهم بمحاولة اغتيال فوکو دراشكوفيتش زعيم حركة التجديد الصربية مرتين، وقتل أربعة من حراسه كما أنه متهم بقتل مساعد وزير الداخلية رادوفان ستويشيشا، الذي كان يدعى «بادجي» من وسلافكو شوروفيا صاحب صحيفة «ديفنتي تيلي جراف» في أبريل ۱۹۹۹م، والجنرال زوران تودوروفيتش، ووزير الدفاع بافل بولاطوفيتش وجيلكو راجناتوفيتش الملقب بأركان، وهو أحد أكابر مجرمي الصرب في حرب البوسنة والهرسك، قتله بعد أن صفع ابن ميلوسوفيتش في مكان عام، كما أن ماركوفيتش متهم بجرائم حرب في البوسنة والهرسك.
وليس الملف الأمني ما يواجه ميلوسوفيتش فقط، بل إن هنالك ملفات أخرى تنتظره، وفي مقدمتها سوء استخدام السلطة والفساد المالي، فهو متهم باختلاس ملياري دولار، وضعها في بنوك مختلفة، كما تحاصره تهم المتاجرة في المخدرات وسرقة كنوز المملكة الصربية، ومنها تحف نادرة وكميات من الذهب تصل إلى مائة وخمسين كيلو جرامًا، وأي واحدة من هذه التهم كفيلة بإداعه  السجن مددًا طويلة .

الرابط المختصر :