العنوان تقرير خاص من كرواتيا عن الوجه المأساوي لحياة مهاجري البوسنة والهرسك
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1992
مشاهدات 73
نشر في العدد 1008
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 21-يوليو-1992
من مخيمات المهاجرين في زغرب
ليست المذابح هي المأساة الوحيدة التي
يعانيها شعب البوسنة والهرسك، ولكن التشريد وحياة الشتات هي مأساة أخرى بكل
المقاييس، فقد تسببت هذه الحرب الظالمة في تشتيت ما يقرب من ثلثي هذا الشعب المسلم
إلى أكثر من ثماني دول مجاورة، فجمهورية سلوفينيا- وهي من دول الاتحاد اليوغسلافي
القديم، والتي تقع في شمال البوسنة- تؤوي 30 ألف نازح معظمهم من الأطفال، وبينهم 4
آلاف بدون هوية، ويلزمهم غذاء فقط بثلاثة ملايين دولار شهريًا.. كما أن جمهورية
مقدونيا- وهي أيضًا من جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي القديم، وتقع في أقصى جنوب
البوسنة- تؤوي 128 ألف نازح، بينهم 15 ألف طفل، والباقي من العجائز، ويحتاجون إلى
غذاء فقط بعشرة ملايين دولار، وكما هو معلوم فإن سلوفينيا ومقدونيا لا تملكان من
الموارد الكثير، فهما دولتان ناشئتان مثلهما مثل البوسنة، ولكن الفارق هو أن
البوسنة تواجه خطر الحرب.
وبحكم الجوار أيضًا فقد لجأ إلى المجر 45
ألف مسلم يعيشون هناك منذ عام تقريبًا، وهناك 200 ألف لاجئ آخرين على الحدود،
ينتظرون السماح لهم بالدخول مما سيسبب مشكلة كبيرة لهذه الدولة.
كما لجأ 30 ألف مسلم للنمسا و... لإيطاليا
و200 لألمانيا، غير 50 ألفًا آخرين ينتظرون على الحدود، ولكنهم لا يستطيعون الدخول
لعدم حصولهم على تأشيرة دخول، ويبدو أن السلطات الألمانية ستعيدهم إلى حيث أتوا،
هذا غير ألفين لجأوا إلى تركيا.. وتتركز الغالبية العظمى من اللاجئين في جمهورية
كرواتيا بحكم اشتراكها في أطول خط حدود مع البوسنة «شمال وغرب»؛ حيث تؤوي ما يقرب
من مليون لاجئ، تم توزيع الغالبية العظمى في أحد عشر مركزًا بالعاصمة زغرب، ومدينة
«سبليت» الساحلية على البحر الأدرياتيكي.
في أوراق مؤتمر دولي
وقبل أن أروي ما رأيته من داخل هذه
المراكز وأعرض ما أجريته من لقاءات وما شاهدته من أحوال.. أحب أن أوضح أن ما سقته
من أرقام سابقة جاءت على مائدة المؤتمر الدولي لمساعدة النازحين الذي عقد خلال
وجودي في زغرب عاصمة كرواتيا بحضور مندوبي إحدى عشرة دولة أوروبية ومنظمة إغاثية
وإنسانية على مستوى العالم.
وفي هذا المؤتمر أعلن المهندس محمد تشنجتسن نائب رئيس وزراء البوسنة أن هؤلاء اللاجئين جميعًا يحتاجون إلى ما قيمته 125
مليون دولار أغذية شهريًّا ولا يقدم إلا 25 مليون دولار فقط وأعلن نائب رئيس
الجمهورية الكرواتي أن بلاده قدمت وتقدم ما يفوق طاقتها فهي تنفق كل شهر 625 مليون
دولار شهريًّا ويزداد هذا المبلغ بازدياد أعداد النازحين وأن كل نازح يتكلف
يوميًّا 6.7 دولار يوميًّا لا تستطيع أن تقدم منها سوى 4.7 دولار أما نائب رئيس
جمهورية سلوفينيا فقد أفاد بأن بلاده تعاني من مأساة هؤلاء اللاجئين منذ بدايتها؛
حيث نزح المئات من المسلمين في بداية الأزمة.. وهكذا صار مندوب كل دولة من دول الجوار
التي تؤوى اللاجئين يعرض ما قدمته بلاده لهم وما تعانيه بسببهم بطريقة تجعل البعض
يشفق عليها والبعض الآخر يقتنع بأنها قدمت ما عليها.
وقد أعلن مندوبو هذه الدول بصراحة أنهم
يقدمون مساعداتهم لكرواتيا لتوصيلها إلى المسلمين اللاجئين إليها بعد الاستفادة
بجزء منها بحكم تضررها من وجودهم على أراضيها.. هذا على المستوى الدولي.. أما على
مستوى المنظمات فحدث ولا حرج.. فهناك 192 لجنة لمنظمة كاريتاس المنتشرة في العالم
«هي منظمة خيرية تنصيرية»، تقدم خدماتها للاجئين المسلمين بالتعاون مع كاريتاس
كرواتيا وبدعم وتأييد من الفاتيكان الذي يقدم مساعداته مباشرة للكنيسة الكاثوليكية
في كرواتيا لتوجهها إلى اللاجئين حسب خططها وبرامجها التي تحقق أهدافها
التنصيرية.. وهناك كذلك منظمة الصليب الأحمر بفروعها المختلفة ومنظمة أطباء بلا
حدود وهما لا يختلفان عن كاريتاس والفاتيكان في الخطط والأهداف، فالتنسيق بينهم
جميعًا قائم على قدم وساق ترى هل تقدم هذه الدول والمنظمات غير الإسلامية بل
والمناوئة للإسلام رعايتها لهؤلاء اللاجئين واضعة في اعتبارها الحفاظ على عقيدتهم
أم أنها تعمل على محو عقيدتهم وتبديلها..
|
* الكنائس تفتح
أبوابها لمسلمي البوسنة والهرسك المهاجرين |
إن أحد الحاضرين في هذا المؤتمر تقدم
بالشكر الجزيل لحكومة كرواتيا على ما قامت به من تجربة فريدة في معالجة الحالة
النفسية المنهارة للأطفال من خلال العلاج النفسي وقد علمت أن عمليات العلاج النفسي
هذه تتم في الكنائس، وقد أعلن برونومارتن ممثل منظمة الصحة العالمية أن المنظمة في
سبيلها لتكرار تجربة كرواتيا مع مجموعات جديدة من الأطفال، كما أعلنت النمسا أنها
استقبلت خمسة آلاف طفل في كنائسها لرعايتهم.
حرب التذويب
إن الحادث بالنسبة لهؤلاء اللاجئين هي حرب
أخرى وإن كان لا يستخدم فيها السلاح ولا تجرى فيها المذابح.. هي حرب سرقة العقيدة
وتذويب هذا الشعب المشتت كقطع السكر في المجتمعات الجديدة التي فر إليها وربما
يكون فقد المأوى والمطعم والمشرب والرعاية الصحية مع قلة المعرفة بالإسلام تضطر
هؤلاء المسلمين للتخلي عن عقيدتهم.. فما لم تفلح فيه مدفعية الصرب ربما تنجح فيه
معونات الغرب ذلك إن لم يسرع المسلمون بالتحرك لإنقاذ هؤلاء اللاجئين وإغاثتهم.
ولعل الحالة المأساوية التي رأيت هؤلاء
اللاجئين يعيشونها في مراكز معظمها غير معدة جيدًا في مدينتي زغرب وسبليت توضح
الصورة أكثر.. لقد رأيتهم في حالة سيئة بكل ما تحمل الكلمة من معاني.. النوم
بالجملة وفي تزاحم شديد على الأرض وخاصة في الصالة الرياضية حيث تم إسكان ما يزيد
على 4 آلاف شخص في أربع صالات مغطاة وافترشت مئات الأسر الأرض على «مراتب»..
الزحام شديد جدًّا في دورات المياه.. يغسلون ملابسهم بصعوبة بالغة لعدم توافر
المياه ولعدم توافر أدوات النظافة، وهذا أدى أيضًا إلى انتشار الجرب على أجسادهم
بما يهددهم بوباء محقق، كما بدأت الحشرات تعشش في ملابسهم ومفروشاتهم.
في مخيم آخر ستوبرتش، تم وضع الناس كل
أسرة في خيمة من القماش بأحد الحدائق العامة ومع هطول المطر الشديد في هذا الصيف
يحول المعسكر كله إلى بركة من الماء.. الطعام يأتيهم بالسيارات والمرضى ينقلون
كذلك بسيارات إلى أماكن أخرى ليس هناك من يدوام على رعايتهم والتعرف على متطلباتهم.
|
* أطفال المسلمين
يملأون الكنائس في كرواتيا والنمسا والدول الأوروبية تستعد لاستقبال آلاف آخرين |
وفي أماكن أخرى تم استضافة اللاجئين في
حجرات خصص لهم فيها أسرة مثل: معسكر «بيس» ومرحمة سبليت (المرحمة هي جهاز يقوم على
تقديم الإعانات الخيرية للمسلمين) ولكن الأسرة بطابقين أو ثلاثة حتى يمكن حشر أكبر
عدد من الأسر في الحجرة الواحدة.
والواقف على محطة قطار زغرب لا تفارق
عينيه الأفواج الجديدة من اللاجئين الجدد المتدفقين من شتى أنحاء البوسنة مصطحبين
أطفالهم وما استطاعوا أن يحملوه من أمتعة.. معظمهم من النساء والشيوخ والأطفال،
ويتم نقلهم فورًا إلى أماكن جديدة.
الحالة النفسية المنهارة
وآه.. من الحالة النفسية المنهارة لهؤلاء
اللاجئين من هول ما شاهدوه من مذابح على أيدي الصرب.. ومن هول ما لاقوه خلال رحلة
الهروب بين الغابات التي استغرقت أيامًا وأيامًا حتى نجا بنفسه أو بأطفاله.. هذه
امرأة منكسة الرأس «عزيزة»، تجلس دومًا في ركن أحد الملاجئ ولا ترفع رأسها إلا
قليلًا من ثقل الحزن المروع الذي يطبق عليها فقد ذبحوا فلذة كبدها الوحيد أمام
عينيها وتركوها تتجرع حزنه كل يوم مرات ومرات.. وهذه (... استحلفتني ألا أذكر
اسمها)، لا ينقطع بكاؤها وترفض الكلام مع أي أحد.. فقد انتهك الصرب عرضها وتناوب
عليها أربعة من المجرمين أمام أولادها ثم تركوها تتقطع حزنًا على نفسها!
.. الكل شارد.. واجم.. حزين.. باك.. من فظاعة
ما شاهده أو حل به.. صراخ الأطفال قلما يهدأ، فصور المآسي التي شاهدوها لا تفارق
أعينهم، ولا أنسى تلك الطفلة «عايدة - ٤ سنوات»، التي ذبح الصرب أباها وعمها وأمها
وجدتها.. ونجا بها جدها الكهل وهي مصابة بثلاث شظايا ومعها أخوها الأكبر منها
بقليل.. وقد قطع جدها ستة أيام مشيًا على الأقدام من مدينة «فوتشاء»
بين الغابات والجبال حتى وصل إلى سبليت.. هذه الطفلة تتسبب كل مساء في بكاء
المعسكر بأكمله حزنًا وإشفاقًا عليها.. فمع قدوم كل ليلة تظل «عايدة» تنادي على
أمها وأبيها بعبارات وكلمات تقطع القلوب، وكلما لم تجد إجابة من أمها أو أبيها
ازدادت في البكاء حتى تنام مع جدها الذي يكون قد بكى أكثر منها حزنًا عليها..
|
* الصربيون يذبحون
المسلمين في البوسنة والنصارى يسرقون عقيدة المهاجرين في الكنائس |
وهكذا... يعيش إخواننا وأهلنا حياة
التشريد بين الفقر الشديد والحالة النفسية المنهارة، وإذا أضفنا إلى ذلك أن الظروف
التي مروا بها على امتداد التاريخ لم تمكنهم من معرفة إسلامهم المعرفة الكاملة أو
الكافية، فالمذابح التي يتعرضون لها منذ القرن الثامن عشر والمطاردات والملاحقات
ومحاولات محو هويتهم والحيلولة بينهم وبين تعاليم دينهم، أكسبهم عادات وتقاليد
بعيدة عن الإسلام وجعلهم قليلي معرفة بالإسلام.
لكن مع كل هذه المخاطر التي تحيط بهم داخل
البوسنة على أيدي الصرب وخارجها في دول الشتات وعلى أيدي منظمات التنصير بصفة
خاصة.. في ظل حالة نفسية قتلها اليأس وفي ظل معرفة ضئيلة بالإسلام.. ومع أن المنطق
يمكن أن يقول إن هؤلاء من السهل أن يفرطوا في دينهم أو ينسوه بالمرة فإن العكس هو
الذي يحدث تمامًا.. لقد استيقظ الإسلام في قلوبهم فصاروا يبحثون عنه في كل مكان،
كما دبت روح الجهاد في أنفسهم فحققوا بها الانتصار تلو الانتصار على جبهات القتال،
وتلك صورة مشرفة سوف نتعرف عليها بالتفصيل عند مواقع القتال مع العدو الصربي من
داخل البوسنة وعلى مقربة من سراييفو.
- في
العدد القادم محمد تشنجش نائب رئيس وزراء البوسنة يتحدث للمجتمع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل