العنوان هل تغيير الخُلق من القبيح إلى الحسن.. ممكن؟
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2013
مشاهدات 59
نشر في العدد 2040
نشر في الصفحة 53
السبت 16-فبراير-2013
الخُلق في اللغة - كما ورد في القاموس المحيط - يعني السجية والمروءة والطبع والدين، وعند الإمام الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ هـ. هو هيئة في النفس راسخة، إذا صدرت عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلاً وشرعا، سميت الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة خلقا سيئًا، والسؤال الذي يختلج صدور كثيرين: هل تغيير خلق الإنسان وسجيته سلبًا أو إيجاباً من الأمور الممكنة؟ الإجابة نعم إذا تحققت الإرادة وصدقت العزيمة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 9-10)، كما أن العلم بالتعلم والصبر بالتصبر والحلم بالتحلم.
ولو لم يكن الأمر كذلك، لبطلت قيمة المواعظ والوصايا، والوعد والوعيد، والأمر والنهي ولسلمنا بأن بعض الناس لا خيار لهم فيما قد يكونون جبلوا عليه من أعمال شر، ولما جوز العقل أن يقال للعبد لم فعلت؟ ولم تركت؟ وكيف يكون هذا في الإنسان ممتنعا؟ وقد وجدناه في بعض البهائم ممكناً، فالوحش قد ينقل بالعادة إلى التأنس، والفرس من الجماح إلى السلاسة والحيوان المفترس من الشراسة إلى الألفة والوداعة.
لكن الناس في غرائزهم مختلفون، فبعضهم جبلوا جبلة سريعة القبول وبعضهم جبلوا جبلة بطيئة القبول وبعضهم في الوسط، وكل لا ينفك من أثر قبول وإن قل.
ویری ابن مسكويه أن الخلق حال للنفس داعية إلى أفعالها من غير فكر ولا روية، وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو الغضب، ويهيج من أقل سبب، والإنسان الذي يجبن من أيسر شيء، كالذي يفزع من صوت يطرق سمعه والذي يضحك ضحكاً مفرطاً من أدنى شيء يعجبه، والذي يتم من أيسر شيء يناله، ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدريب، وربما كان مبدؤه الروية والفكرة ثم يستمر عليه أو لا حتى يصير ملكة وخلقًا.
وفي دنيا الناس ترى فريقاً من البشر يسلك في حياته سلوكا حسنا، ويعرف بين الناس بصاحب الأخلاق الحميدة، بينما نرصد فريقاً آخر كان في حال شطط ثم تاب وأناب وأصبح صاحب خلق حسن واجتهد أن يخالق الناس بذلك، وهناك صاحب النفس الضعيفة التي يغلبها الهوى، وفي هذا المعنى يقول د. محمد عبد الله دراز: «إن الخلق قوة راسخة في النفس تنزع بها إلى اختيار ما هو خير وصلاح إن كان الخلق حميداً، أو إلى اختيار ما هو شر وجور إن كان الخلق ذميمًا»..
والحديث النبوي يطالعنا بهذا التباين في أخلاق الناس، فيما رواه أحمد وغيره بسند صحيح رجاله ثقات، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود، وبين ذلك والخبيث والطيب والسهل والحزن، وبين ذلك»، ويروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قيل يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم»، فقالوا ليس عن هذا نسألك قال: «فعن معادن الناس تسألون؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون من شرار الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه».
وأنقل عن ابن القيم - يرحمه الله تعالى كلاماً بديعاً عن الأخلاق السيئة وكيف تتشكل في النفس البشرية لنحرص على تجنبها والتعاطي معها، قال: ومنشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها على أربعة أركان الجهل والظلم والشهوة والغضب.. فالجهل يريه الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن والكمال نقصا والنقص كمالا، والظلم يحمله على وضع الشيء في غير موضعه: فيغضب في موضع الرضا، ويرضي في موضع الغضب، ويجهل في موضع البخل، ويحجم في موضع الإقدام، ويقدم في موضع الإحجام، ويلين في موضع الشدة، ويشتد في موضع اللين، ويتواضع في موضع العزة، ويتكبر في موضع التواضع.. والشهوة تحمله على الحرص والشح والبخل وعدم العفة والنهمة والجشع والذل والدناءات كلها.. والغضب يحمله على الكبر والحقد والحسد والعدوان والسفه.
وإذا كان الخلق كما تقدم نوعان الخلق الحسن والآخر القبيح، فإن الأول يتجلى في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وسلوكا، ومن أراد أن يحسن خلقه فليتتلمذ في مدرسته ، قال تعالى: ﴿وَإنَكَ لَعَلَى خُلُق عَظيم﴾ (القلم: 4)، فقد كان النبي رحيما بالمؤمنين رفيقا بأولياء الله أجمعين، لا يغضب لنفسه، ولكن يغضب لربه أشد الغضب، وكان مهيبا في صدور الأعداء، منصورا بالرعب مسيرة شهر ومن ثم جاء وصف خلقه بقوله: ﴿وَإنَكَ لَعَلَى خُلُق عَظيم﴾: ليدخل فيه الإنعام والانتقام معا، والشدة واللين جميعا، ويعلم أنه لم يكن ينصرف راجي خير منه بيأس ولا يسلم له عدو من بأس.
وفي مواضع قرآنية كثيرة تعكس الأحداث أخلاق الرسول ﷺ، قال تعالي: ﴿فَبِمَا رَحمَة مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُم وَلَو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلقَلبِ لَٱنفَضُّواْ مِن حَولِكَ فَٱعفُ عَنهُم وَٱستَغفِر لَهُم وَشَاوِرهُم فِي ٱلأَمرِ فَإِذَا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159) ويطالعنا قوله عز وجل، ﴿لَقَد جَاءَكُم رَسُول مِّن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِٱلمُؤمِنِينَ رَءُوف رَّحِيم﴾ (التوبة: 128).
وقد نزلت الآية بعد غزوة العسرة في السنة التاسعة، وهنا يتبين ما عليه الرسول ﷺ تجاه أمته من كونه يعز عليه مشقتهم في سوء العاقبة من الوقوع في العذاب، ويحرص على هداهم، ويرأف بهم ويرحمهم، وقوله: ﴿من أنفسكم﴾، أشد حساسية وأعمق صلة وأدل على نوع الوشيجة التي تربطهم به فهو من أنفسهم يتصل بهم صلة النفس بالنفس، وأنه كان خير الخلق، وهو ﷺ ﴿عزيز عَلَيْهِ مَا عَنتُمْ﴾ يشق عليه عنتكم ومشقتكم، ﴿حَريصُ عَلَيْكُم بالمؤْمنينَ رَءُوف رحيمُ﴾، لا يُلقى بكم في المهالك، ولا يدفع بكم إلى المهاوي، اللهم حسن أخلاقنا كما حسنت خُلقنا، اللهم أهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئتها لا يصرف عنا سيئتها إلا أنت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل