العنوان الإسلام والدولة المعاصرة.. دولة المدينة المنورة (٤).. شمولية الإسلام.. لا دين بغير سياسة ولا سياسة بغير دين
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2012
مشاهدات 54
نشر في العدد 2015
نشر في الصفحة 20
السبت 11-أغسطس-2012
المسلمون في الفلبين كانوا أقلية أرسلت الأكثرية غير المسلمة إليهم وفدا ترجوهم تولي الحكم في البلاد لما رأوا من عدلهم العجيب وحكمتهم وأمانتهم
العقوبات والحدود والأحكام لا تطبق إلا بعد زوال كافة أسبابها بعد ممارسة الإسلام في جوانب الحياة كافة.. الدولة عليها حقوق تؤديها لتطالب الناس بالواجبات.
وثيقة المدينة المنورة رضي بها الجميع وأقروها ورحبوا بها.. أعطت حقوق كافة أهلها المسلمين من المهاجرين والأنصار والمشركين واليهود.
هكذا قامت دولة المدينة الأولى وسارت عليه دولة قامت تشريعاتها كاملة بمنهج الله تعالى وَحْدَه في كافة أحوالها دون أدنى استثناء، لا مرجعية غيره، أمر لا يمنع الانتفاع في المتغيرات في الأمور الدنيوية من الآخرين، مما لا يخالفه فهو ميزان كل أمر متغيراً كان أو ثابتاً، ذلك ما سارت عليه الأمة في كافة الأمصار.
عليه نحن في هذا الانتعاش واليقظة التي سميت «الربيع العربي»، يجب ألا يخاف أحد أو يتوجس أو يتحسس من تولي الإسلام دفة الأمور، في جميع النواحي، إذ شأنه في كافة الأحوال إشاعة الحياة الكريمة وتوفير المستلزمات الأساسية للجميع وحسن التعامل معهم جميعاً، مهما اختلفت مواقعهم ومراتبهم وانتماءاتهم نساء ورجالا وأطفالاً، موقعه في الإسلام أرقى موقع تلك مهمته في تحقيق منهج الله تعالى واقعاً يمارس ويعاش، عاملا له محافظا عليه مجاهدا من أجله إقراراً له في الحياة، كل ذلك يوجب التعاون لتحقيق غاياته الكريمة النبيلة، دون إثارة الشغب عليه إيداعا لجو مكفهر.
يجب ألا يُوفر مكان لما يثيره البعض ممن يَجْهَل الإسلام ويجهل الأمور أو كليهما، لعل ذلك مُثار بسبب شُبُهَاتِ لَحِقَتْه لا حقيقة لها، هي فقط في أذهان من يرددها .
شبهة مفتعلة
لابد هنا من وقفة عَجْلَى، حيث تُثار حول الدولة الإسلامية ودولة المدينة النبوية شبهة مفتعلة مدبرة منكرة، أثارها أَحَدُ علماء الأزهر الشريف في وقت مبكر من القرن العشرين، إنه الأزهري القاضي الوزير علي عبد الرازق (١٣٨٦هـ ١٩٦٦م).. أصْدَرَ كتابه الإسلام وأصول الحكم سنة ١٩٢٥م بعيد إلغاء الخلافة الإسلامية وتأييداً مُتَزامناً سنة ١٣٤٣هـ /١٩٢٤م، التي أقدم عليها«أتاتورك» (ت (۱۹۳۸م)، ادَّعَى الشيخ عبد الرازق فيه، أنَّ الحكم بالإسلام ليس فرضا وأن حكومة المدينة الإسلامية كانت اجتهادا من الرسول الكريم .
الشيخ فعل ذلك عمالة واستجابة لرغبة استشراقية تزامنا مع إلغاء الخلافة الإسلامية العثمانية لتبريرها تلقفها العلمانيون ومسلمون بلهاء كثيرون هللوا لذلك من فم أزهري خَدَّرَتْهُ المغريات بأنواعها استمر ذلك مدداً لمن لا يريدون تحكيم شريعة الله تعالى في الحياة لعقود مديدة، كلما احتاجوا دليلا لحجب الإسلام عن إدارة الحياة وتحكيم شريعة الله فيها عادوا لهذا الكتاب باعتبار مؤلفه أزهريا، تزكية لشعارات حملوها، من مثل: الدين لله والوطن للجميع الدين علاقة بين الإنسان وخالقه، لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، بل يمكن أن يقال بكل دقة وتأكيد وحق إنه لا دين بدون سياسة ولا سياسة بدون دين في منهج الإسلام وشريعته الإلهية.
أمر لا يدل على الافتئات والتجاهل والتغافل أو الاستغفال والاستخفاف فحسب، بل منتهى الغباء إذن أين تذهبون بالآيات الكثيرة البينة الواضحة وضوح الشمس في رائعة النهار؟ أم غَلَبَكم التعامي والتغابي والتهارب للأمام، كَنَعَامَة تَدْفِنُ رأسَها في الرمال، يُقال في الأمثال.
بقي هذا التوجه مُتَعَلَّقاً حتى يتهيأ من يدق عنقه بمسامير نعشه ظهرت ردود وبيانات ودراسات كثيرة، أخيراً تُوجَتْ بكتاب أتى على هذه الترهات من القواعد : «الإسلام والخلافة في العصر الحديث» للاستاذ الدكتور محمد ضياء الدين الريس، تناول الأمر من كل زواياه وأرجع الأمر إلى جذوره، حتى تبين له أن ليس للشيخ عبد الرازق من الكتاب إلا أن وضع اسمه عليه، لقاء إغراءات ومغانم ومنافع أخرى ثم أتت ثالثة الأثافي اعتراف الشيخ نفسه بذلك متبرئاً من كلامه في هذا الكتاب كله !
الآن لا بد من إلقاء نظرة على الصورة العامة لهذه الدولة النبوية الشرعية الإسلامية التي قامت في المدينة المنورة التي من مصلحة كل أحد - حتى غير المسلمين – أن تقوم ليحيوا في ظلها ، لو عَرَفُوها وأنصفوها وأنفسهم معها لأيدوها وأحسنوا استقبالها وسعوا إليها، قريباً مما فَعَلَتْ أقوامٌ خِلال العهود السابقة في البلدان شرقاً وغرباً البلدان التي وصلها الفاتحون فَتَحَ أهلها أبواب مُدُنِهم لهم وأحسنوا استقبالهم، لما سَمِعوا وَرَأَوْا وَلَمَسُوا مِثْلَ ما أَقَرّ به منصفون من دارسين غربيين، مُشِيرِينَ لِمَا جَرَى في الأندلس مثلاً، كما جرى في الشام خلال الفتوحات الأولى حيث اعتبروا المسلمين منقذين، والفتوحات كانت تحريرية.
من أعاجيب ذلك - كلها عجائب إنسانية - أن المسلمين في الفلبين كانوا أقلية، أَرْسَلَتْ الأكثرية غير المسلمة إليهم وفداً ترجوهم تولي الحكم في البلاد كلها، لما رأوا من عدلهم العجيب وحكمتهم وأمانتهم لذلك حين تقوم الدولة الشرعية المسلمة لا بد من الترحيب بها إن لم يكن يجري العمل من أجلها، يُطالب القائمون عليها تطبيق المنهج الكريم، كل ما يُقال عن الإسلام مما ليس فيه مفتعل، تحاملاً أو جهلا أو تجاهلاً، جربوها واحكموا عليها، ثم تجريب أنواع المذاهب بكل عاهاتها الملموسة رغم الادعاءات المكذوبة الخادعة.
قارنوا الأحداث والأوضاع والسياسات أسات بأمثالها من الحياة الإسلامية في ظل منهج الإسلام المتفرد، انظروا أول خطبة للخليفة أبي بكر الصديق ، فور توليه الخلافة: «أَمَّا بَعْدُ: فإني قد ولّيتُ عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن فقوموني.. الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرْجِعَ عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى أخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خَذَلَهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عَمَّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.... ثم باقي الخلفاء الراشدين ومَنْ بَعْدَهم والعلماء والقائمين كثرة ممن تعثر أوقف واستقام وعاد للجادة الفاضلة، بلغت العناية بكل شيء في الحياة.
هذا الخليفة عمر بن الخطاب ان الله ارتضى باسم «أمير المؤمنين» بدلا من خليفة رَحْبَ بمن يُقَومُهُ إذا أخطأ وحَمَدَ الله تعالي على ذلك، توقف أمام أهل المسجد معترفا تجاه اعتراض امرأة، اسْتَمِعوا إليه يقول من علي منبر المسجد النبوي : لو عَثَرَتْ بَغْلَةٌ بالعراق لرأيتُني مسؤولاً عنها أمام الله تعالى لِمَ لَمْ أسَو لها الطريق، انظروا كيف أنصف القبطي من ابن والي مصر قائلا له : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ... عثمان بن عفان و رفض قتال مَنْ هَجَمَ على بيته يريد قتله !! هذا الخليفة
علي بن أبي طالب را وقف مع يهودي أو نصراني أيام خلافته أمام شريح القاضي الذي حكم عليه راضياً، مما دعا اليهودي إلى إعلان إسلامه في الحال، خبروني أين يمكن أن يتوافر ذلك خارج شرع الله سبحانه وتعالى، حلم وخيال في أي زمان ومكان وإنسان طول الحياة.
في الحدود والأحكام
العقوبات والحدود والأحكام لا تطبق إلا بعد زوال كافة أسبابها ، بعد ممارسة الإسلام في جوانب الحياة كافة الدولة عليها حقوق تؤديها لتطالب الناس بالواجبات.
قامت دولة المدينة المنورة الإسلامية الشرعية الدستورية بكل رضا وسلاسة ورغبة دون تكاليف وتضحيات، هذا يعني بالأكثرية الغالبة مع الاحتفاظ التام بحقوق الآخرين، ابتداءً وعادة وأساساً، لا يُظلم فيها أحد من أولياتها أن الحقوق والالتزامات ومسؤوليات الدولة مضمونة نساء ورجالاً وأطفالاً، قبل أن يطالبوا بها ودون رقابة ومتابعة، حَدَثَ فيها قضايا وأحداث ومجريات عجيبة لا يمكن أن تحدث في أي مجتمع في أي زمان ومكان وأحوال يكفي ذكر قضية «بنو الأبيرق» أهل بيت من الأنصار في قضية سرقة اتَّهَموا جاراً لهم يهودياً نزل فيها قرآنا يكشف براءة اليهودي ويُدين فيها الأنصاري، يُرشد الله تعالي فيها نبيه الكريم ما غاب عنه، كاشفاً له حقيقة الأمر الخفي إبراء لذمة اليهودي، مبينا خيانة أحد أفراد أسرة من الأنصار، رغم ما هو معلوم من مكانة الأنصار ونصرتهم للدعوة الإسلامية، مثلما ما معلوم من مواقف اليهود وتأمرهم على الإسلام والعمل على إبادته واقتلاعه من جذوره والقضاء على أهله ونبيه .
أليس ذلك دليل معجزة الإسلام في عدله، وأنه إلهي أنزله الله تعالى على نبيه محمد ، وأنه نبي صادق مصدوق؟! إذن الحسابات ليست دنيوية ولا نفعية أو سياسية، على أسلوب فلسفة الذرائع البراجماتية Pragmatism، كانت هذه الآيات الكريمات ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾ [ سورة النساء105: 107]
وثيقة المدينة
وثيقة المدينة المنورة التي كتبها الرسول الكريم ، الآتي حديثها لاحقا إن شاء الله تعالى رضي بها الجميع وأقروها ورحبوا بها أعطت حقوق كافة أهلها المسلمين من المهاجرين والأنصار والمشركين واليهود .
شبيه بذلك ما يجرى الآن في بعض بلداننا، أتى من أتى إليها بانتخابات عامة! أليست هذه هي الديمقراطية التي يريدونها ؟ فلماذا لا يَرْضَى البعض بهذه النتائج ويتعاونون معها؟ جربوها لتروا ما تأتي به من النتائج، حيث النتائج تظهر، إن عموم الناس يريدون الإسلام ومنهجه الإلهي الكريم هذا مع كل الادعاءات وحملات التشويه والشبهات المعمرة منذ قرون نثرَتْ من جعبتهم وهي بازدياد الأمل إن شاء الله أن تُقدم نموذجاً يُفْرِح أهله ويقرب الآخرين منه ألا يتمشى مع الديمقراطية التي ينادون بها ويدعون أهليتها؟ رغم الوسائل المتنوعة لإبعادهم ودفع غيرهم إليها أياً كانوا ممن شاعت مشاركته الرئيسة وعُرفَتْ في تدمير مقدرات بلدهم في بنيتها التحتية، متاجرة مفضوحة بأهلها وتناصرا مع أعدائها .. أليس من أعجب العجب أن يحظى مثل هؤلاء بأصوات الملايين ذيول أو أعمدة قادة الفساد والخيانة والعمالة والعداء للإسلام؟! أليس ذلك ضد البلاد وأهلها وعوامل تدميرها؟!
النداء الآن العمل لاقتلاع الفساد وإزالة الاستبداد وتحقيق العدالة، بعد زوال الأنظمة التي جلبت الفساد وزرعته ورعته ليعشعش ويفرخ، وأكذب الأكاذيب أنها تنادي بالإصلاح اضْحَكُوا في عُبكم، هل يُصْلِحُ المفسدون ما أفسدته أيديهم؟! ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [ يونس: 81]، و« إنك لا تَجْنِي مِنَ الشَّوِّكِ العِنَبَ»، كيف يتم ذلك؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل