العنوان هؤلاء المفلسون.. التغني بالثورية التي أذاقت شعوبنا الأمرين!
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1989
مشاهدات 67
نشر في العدد 931
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 05-سبتمبر-1989
التغني
بالثورية التي أذاقت شعوبنا الأمرين!
•
بعض كتاب
الصحافة يشيدون بأوضاع غير إنسانية جثمت على صدور بعض الشعوب!
•
نفخ البالونات
الفارغة للتعمية وقلب الحقائق وتخريب الاقتصاد وإفقار الأغنياء
نلاحظ أن بعض كتاب الصحافة في العالم الثالث
مازالوا يتغنون بالثورية، ويشيدون بأوضاع غير إنسانية، جثمت على صدور بعض الشعوب، وأذاقتها
الأمرين، ومازال بعضها جاثمًا تعاني منها الشعوب، وتحاول الخلاص ولكن هؤلاء الكتاب
يريدون استمرار تلك الأوضاع، ويحلمون بعودة مجدهم عندما كانوا يمارسون التضليل والكذب
والخداع في ظل أوضاع لا مكان فيها لأهل الشرف والكفاءة والتي يسود فيها فقط أهل النفاق
وسوء الأخلاق، وهم يدعون التقدمية والتحرر، ويدافعون عن تلك الأوضاع الجائرة المتشبعة
بالفساد والظلم، ويعتبرونها المثل الأعلى في الحرية والعدالة، وتراهم يناقضون أنفسهم
فيما يكتبون، فحين يطالبون بالحرية والديمقراطية يشيدون بالطغاة الذين داسوا على الحريات
وسحقوا الشعوب، كأنهم يحنون إلى عهد الديكتاتوريات التي تمتعوا فيها بالمكاسب المادية
والأدبية فقد كانوا جزءًا من تلك الأوضاع، ورضعوا بلبانها، واستثمروها، فهم نتيجة لها،
وأبناء شرعيون لتلك الأوضاع التي أفرزت أنواعًا من البشر اتصفوا باللؤم والحقد، والكذب
والخداع، وفساد الأخلاق وموت الضمير، وعندما دالت دولتهم وجدوا ملاجئ عند بعض المترفين
الذين لا تهمهم مصالح شعوبهم، وينقصهم الشعور الديني والأخلاقي والإنساني، وربما يرون
عدم خطورتهم على مصالحهم، وإن في الإمكان استخدامهم في اتجاه مصالحهم الخاصة؛ بعد أن
تأكد لهم موت ضمائرهم، وتأكدوا أن الأفكار التي كانوا ينادون بها قد أفلست، وتكشف دعاتها
على حقيقتهم، ولم تعد أكاذيبهم وأضاليلهم تخدع الناس بعد أن تبين زيفها، لذلك أمنوا
خطرهم، والواقع أن هؤلاء يجهلون أن اللئيم إنما يعض اليد التي تطعمه، ولم ينتبهوا لقول
الحكيم الذي قال «احذر من الكريم إذا أهنته، ومن اللئيم إذا أكرمته» ألا ترى كيف فعل
الثوريون بأولياء نعمتهم؟ وكيف فعلوا بزملائهم وأصدقائهم؟ ومن هنا جاءت المقولة «إن الثورة تأكل أبناءها»، أي إنهم يكيد بعضهم لبعض، ويقتل بعضهم
بعضًا، فما بالك بمن يعتبرون أعداؤهم؟
صحيح أنهم أفلسوا في أفكارهم، ولكنهم قبل
أن تفلس أفكارهم كانوا في الأصل مفلسين من المثل والأخلاق، والمبادئ الإنسانية، لأنهم
تربوا في مستنقعات الرذائل، ومارسوا الغش والمكر والخداع في حياتهم الخاصة والعامة.
•
مجاميع
الهدم:
إن مجاميع من العالم الثالث اعتنقت أفكارًا
لا تمت إلى معتقدات الأمة بصلة، ووجدوا الفرصة سانحة في جهل أمتهم بما تضمنتها هذه
الأفكار من كفر وإلحاد، وما تؤدي إليه من مستقبل مظلم يمكن الأعداء من الأمة، ويجهز
على مقوماتها، ويجعلها أمة حائرة لا حول لها ولا قوة، وتولى هؤلاء قيادة الأمة في مجالات
الثقافة والسياسة والاقتصاد، فكانوا يعملون كفرق تخريب من الداخل والخارج، فالذين يكتبون
في الصحافة قاموا بدورهم في التضليل والكذب، ونشر الأوهام، وتضخيم الأدوار الهزيلة،
ونفخ البالونات الفارغة حتى تمكنوا من التعمية على الناس، تمكنوا من قلب الحقائق، وامتد
نشاط هؤلاء إلى أجهزة الإعلام الأخرى من إذاعة وتليفزيون، وفرقة أخرى امتدت يدها إلى
الاقتصاد وتخريبه باسم الاشتراكية، والقطاع العام، والمصلحة العامة، وتحديد الملكية،
والسيطرة على وسائل الإنتاج، فأفقروا الأغنياء، وزادوا الفقراء فقرًا، وجعلوا الشعب
بجميع طبقاته يلهث وراء لقمة العيش، ما عدا الطبقة المسيطرة والمهيمنة على القيادة،
أما الفرقة الثالثة وهي تختص بالسياسة، فقد تخصصت في تخريب العلاقات مع الدول، وإثارة
القلاقل والاضطرابات في الدول الأخرى التي تختلف معها في التوجه السياسي ونظام الحكم،
وزادت وطأة هذه الفرق المهيمنة على الشعوب التي تقع تحت سيطرتها فأذاقتها سوء العذاب،
وامتلأت السجون والمعتقلات بالمواطنين، وفر كثير منهم إلى الدول المجاورة، وأفرطوا
في كبت الحريات فلا أحد يستطيع أن ينتقد أو يقول كلمة تمس الوضع القائم، أو حتى يشكو
من ظلم أصابه من أحد المسئولين، حتى الخبراء في التعذيب تستقدمهم السلطة من الدول التي
سبقتهم في هذا المجال، ومات كثير من المواطنين تحت وطأة التعذيب، وأعدم البعض بدون
محاكمات، وفر كثير من أبناء الشعب هربًا من هذه الأوضاع عبر حدود الدول المجاورة بطرق
مختلفة، ولأن السلطة مدعوة من قوى خارجية كبرى، وتملك من أسلحة البطش ما يمكنها من
الاستمرار إلى جانب الجواسيس وعملاء المخابرات المنتشرين في الداخل والخارج، وكل تحرك
من جانب الشعب يقابل بكل قسوة، وكما هي عادة الشعوب في مثل هذه الحالات، وكل تحرك من
جانب الشعب يقابل بكل قسوة.
•
نكات:
وكما هي عادة الشعوب في مثل هذه الحالات
تلجأ إلى السلبية، وإطلاق النكات، والتندر على السلطة للتعبير عن مدى ضيق الناس بالوضع،
فمن هذه النكات التي تعبر عن هروب الناس إلى خارج بلادهم هربًا من الأوضاع السيئة قالوا
إن شخصًا رأى ثلاث حيوانات في طريقها إلى حدود الدولة المجاورة تحاول الهرب، وهي الديك
والكلب والحمار، فسألها عن سبب خروجها من بلادها مع الخارجين، فأجاب الديك إن مهمته
هي أن يصرخ مع الفجر كل يوم من أجل إيقاظ الناس للصلاة، فلم يعد الناس في حاجة إليه
الآن في ظل الأوضاع الحاضرة، وأنه أصبح فقط في نظر السلطة مصدر إزعاج لهم فخاف على
نفسه واضطر إلى الهرب، وأما الكلب فقد أجاب: لقد كان أكله ميسرًا، أما الآن فقد كثرت
الكلاب وزاحمته كلاب كبيرة تملك ما لا يملكه من قوة فاستحوذت على كل اللحوم، وأما الحمار
فقد أجاب: لم يعد يستطع أن ينهق لأنهم قالوا لا صوت يعلو فوق صوت السلطة الحاكمة.
وهناك حكاية أخرى أن أحد الأشخاص وجد جملًا
منطلقًا بقوة نحو الحدود هاربًا من بلاده فاستوقفه وسأله عن سبب هروبه، فأجابه بأنه
صدر قرار بإلقاء القبض على كل الأرانب في البلاد، فقال له الشخص: ولكنك لست أرنبًا
فكيف تهرب؟ فقال الجمل حتى أستطيع أن أثبت لهم أني جمل ولست أرنبًا، أو يكتشفوا ذلك
أكون قد هلكت في السجن.
هذه الحكاية تعبر عن الاعتقالات العشوائية
التي تقوم بها بعض الدول، ولا تميز فيها بين البريء والمذنب، فإذا غضبت الحكومة على
بعض الأشخاص اعتقلت كل من يمت إليهم بصلة من الأهل والأقارب والأصدقاء، وبعد أن يتعرض
المواطن لكل الإهانات، ويقضي المدد الطويلة في السجن يقال له آسفون لهذا الغلط لقد
حصل اشتباه، وبعض الناس يقضي مدة طويلة في السجن لمجرد الاشتباه في الاسم.
•
فعل الأنظمة
الثورية:
هذه الأوضاع التي عمت كثيرًا من دول العالم
الثالث بفعل الأنظمة الثورية التي قامت فيها بحجة طرد الاستعمار، والقضاء على الرجعية
والإقطاع، وإقامة مجتمعات الحرية والديمقراطية والاشتراكية، والاستقلال، فأصبحت فيها
الحرية عبودية، والديمقراطية استبدادًا، والاشتراكية فقرًا، والاستقلال نفوذًا أجنبيًا
تحت ستار الخبراء والمستشارين.
لا يشك أحد أن الأفكار الثورية قد أفلست،
ونرى بعض الثوريين يحاولون المكابرة، ولا يعترفون بهذا الإفلاس، والإفلاس كما يكون
في المال يكون أيضًا في الأفكار، والممارسات غير الإنسانية هي التي تجعل الإنسان مفلسًا،
لأنه يعتبر مفلسًا من القيم، وهذا هو الإفلاس الحقيقي، ولذلك جاء في الحديث الشريف،
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أتدرون من المفلس؟»
قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة
بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب
هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم
فطرحت عليه، ثم طرح في النار» (رواه مسلم).
فهذا الذي يأتي بصلاة وصيام وزكاة، فكيف
من يأتون بلا صيام، ولا زكاة، ويأتون وقد شتموا الناس، وأكلوا أموالهم؟ إنهم المفلسون
في الدنيا والآخرة.