;  حالة «حزب العدالة والتنمية المغربي» الأخيرة.. توظيف محاربة الفساد لدعم حقوق الإنسان | مجلة المجتمع

العنوان  حالة «حزب العدالة والتنمية المغربي» الأخيرة.. توظيف محاربة الفساد لدعم حقوق الإنسان

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2008

مشاهدات 71

نشر في العدد 1822

نشر في الصفحة 30

السبت 11-أكتوبر-2008

 حقوق الإنسان في الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر

 نص البرنامج الانتخابي للحزب (2007م) على ضرورة تنظيم حملة وطنية لمكافحة الفساد والرشوة.. بهدف تحسين موقع المغرب على سلم الدول الأقل فسادًا

 دأب الحزب على إدانة واقع الامتيازات العشوائية التي يحصل عليها منتفعون على حساب المصلحة العامة وإهدار حقوق فئات اجتماعية مختلفة

 الحزب نموذج جدير بالدراسة والتأمل.. ويمكن الاستفادة منه في بعض البلدان العربية المشرقية التي تشهد توترات مزمنة بين السلطة والحركات الإسلامية

 من السياسات العامة التي يتبناها الحزب أيضًا، وتدعم حقوق الإنسان في الوقت نفسه سياسة محاربة الفساد. ويعد الفساد من أكبر التحديات التي تواجه المغرب وغيرها من البلدان العربية في مختلف المجالات الإدارية والمجتمعية في صور متنوعة مثل الرشوة والمحسوبية والوساطة، والوصولية إلى جانب الشطط في استعمال السلطة واستغلال النفوذ وتبديد المال العام الأمر الذي يضيع حقوق فئات كثيرة ممن لا يقدرون على مواجهة الفساد أو يعجزون عن ممارسته، ويتنافى في الوقت نفسه مع «ثقافة الديمقراطية والتنمية والحداثة السياسية».

  وتؤكد وثائق حزب العدالة والتنمية أن ثمة علاقة وثيقة بين «الفساد» وانتهاكات حقوق الإنسان، وأن «البعد الثقافي للفساد؛ كخلفية موجهة للسلوك، يحتاج إلى تفعيل كل المؤسسات المشكلة للوعي، والمهذبة للسلوك، من مؤسسات التربية والتكوين والإعلام والتوجيه الديني وتأطير الشباب لتؤدي دورها في توعية المجتمع، وتغيير الثقافة الدافعة للفساد، أو المتقبلة للتطبع والتعايش معه، وإعلاء قيمة الاستقامة والشفافية والنزاهة والوعي بحقوق وواجبات المواطنة. إن مقاومة الفساد تحتاج إلى تعزيز السلطة الرقابية للبرلمان، وفعالية القضاء، وتطوير أنظمة الرقابة الشعبية وإشراك المواطنين في تدبير شؤونهم».

 وقد دأب الحزب على إدانة واقع الامتيازات العشوائية التي يحصل عليها منتفعون على حساب المصلحة العامة وإهدار حقوق فئات اجتماعية مختلفة. ويكرر مطالباته بإلغاء هذا الواقع الفاسد وفرض تكافؤ الفرص بين المواطنين في العمل والإنتاج، والولوج إلى فرص الاستثمار من غير حواجز سوى ما يفرضه القانون. ونص البرنامج الانتخابي للحزب (2007م) على ضرورة تنظيم حملة وطنية لمكافحة الفساد والرشوة بهدف تحسين موقع المغرب لأقل على من المرتبة (40) على سلم الدول الأقل فساداً بحلول عام 2012 م. كما انتقد الحزب في رده على بيان الحكومة التي تشكلت على إثر انتخابات 2007م تنصلها من وعودها الانتخابية بمحاربة الرشوة، وتقليص السلطة التقديرية للموظف في استصدار الرخص والقرارات والوثائق الإدارية؛ لأن مثل هذه الإجراءات في حال تنفيذها. كفيلة بتقليل احتمالات إساءة استخدام السلطة وانتهاك حقوق بعض الفئات التي لا قدرة لها على مواجهة الفساد أو التعامل على معه خارج الأطر القانونية.

 تقييم أداء الحزب

هناك بعض الرؤى والتصورات التي بهت يطرحها الحزب ويتوقف تنفيذها إلى حد كبير على وصوله إلى السلطة، مثل تنفيذ وقف انتهاكات حقوق الإنسان في السجون والامتناع الفعلي عن الاعتقال التعسفي والتصريح بالإضرابات العمالية، وتكوين أحزاب أو جمعيات جديدة دون عراقيل ومحاربة الفساد وتقديم المتورطين فيه إلى والتـ محاكمات عادلة ... إلخ.

 ولكن هناك سياسات كثيرة أخرى لا يتوقف تطبيقها على وجود الحزب في موقع السلطة، بل يمكنه تنفيذها أولًا على المستوى الداخلي للحزب ذاته، وثانيًا على المستوى المجتمعي من خلال الأدوات التي يملكها، وأهمها الأدوات البرلمانية »الرقابة والتشريع« التي يمارسها النواب المنتمون إليه في المجلس التشريعيّ، وبرامج التكوين والتنشئة التي ينفذها ضمن وظائفه الأساسية التي يقوم بها، والإعلام والنشر من خلال وسائل الإعلام المختلفة، وإصدار التقارير والبيانات التي تسهم في التوعية بحقوق الإنسان من جهة، وتشكل ضغطًا على السلطة من جهة أخرى عبر تنويرها وتعبئتها للرأيِّ العام المحليِّ والدوليِّ.

ويحتاج تقييم أداء الحزب على هذا المستوى التطبيقي إلى دراسة أخرى: كمية وكيفية بحيث تستوعب الكم الكبير من التقارير والمعلومات والبيانات ذات الصلة بهذا الموضوع، وهي كثيرة جِدًّا. وقد خلصنا من قراءة أغلبية تلك المصادر إلى عدد من الملاحظات الأولية التي تحتاج إلى مزيد من التحليل والبرهنة عليها، من أهمها الآتي:

أ- بالنسبة للممارسة الداخلية للحزب: لم يحدث انشقاق في الحزب منذ 1998م عندما سمي باسم «العدالة والتنمية» حتى اليوم. كما لم يشهد الحزب أزمات داخلية حادة، أو صدور قرارات جماعية بالفصل أو إسقاط العضوية نتيجة ادعاءات حقوقية من مجموعة ضد أخرى. ولعل أحد أسباب ذلك هو التزام الحزب بتطبيق الديمقراطية الداخلية في مستوياته التنظيمية المختلفة وفقًا لنصوص نظامه الأساسي، فمنتسبو العدالة والتنمية هم. على حد تعبير أحد الباحثين. «أكثر ديمقراطية من غيرهم»، يساعدهم على ذلك سبب سوسيولوجي يتمثل في أنهم متقاربون في السن والخلفيات الفكرية والمستويات التعليمية، ولا توجد بينهم ظاهرة: الزعيم والأتباع، أو الشيخ والمريدون، أو القائد الملهم، وهي ظواهر كثيرًا ما عانت منها الأحزاب المغربية -والعربية والإسلامية- وأدت إلى كثير من المنازعات نتيجة المظالم الحقوقية التي تنتج عن مركزية دور الزعيم القائد أو الملهم الموهوب.

إن النظام الأساسي للحزب ينطوي على درجة عالية من الديمقراطية والتوزيع العادل للمسؤوليات بما في ذلك مراعاة إنصاف المرأة وتخصيص نسبة لا تقل عن 15% لها من مقاعد أعلى المستويات الم التنظيمية للحزب إلى جانب الشفافية في تطبيق آليات الرقابة والمحاسبة .ومن الفرضيات الأساسية التي تفسر حالة لص الانسجام الداخلي في الحزب، أنه كلما المـ زادت الديمقراطية الداخلية، قلت احتمالات الغبن الحقوقي، ومن ثم زادت درجة التعاون إلا وتغلبت على نزاعات الصراع والانشقاق ويؤكد ذلك أن كل المواقع القيادية في حزب العدالة والتنمية يتم شغلها بالانتخاب وتحترم مواعيد المؤتمرات وهيئات التقييم والرقابة وقواعد الشفافية المالية وغياب كل أو بعض هذه الإجراءات كان وراء حدوث انشقاقات في صفوف عدد كبير من الأحزاب المغربية.

ب- بالنسبة لتفعيل الأدوات البرلمانية: تكشف التقارير الصادرة عن وأداء نواب الحزب في المجلس التشريعي عن أنهم قاموا -ويقومون- بتوظيف أدوات الرقابة والتشريع في خدمة قضايا حقوق الإنسان بدرجة لا بأس بها. فعلى مدى الدورات البرلمانية الثلاث (2002-1997)، (2007-2002)، (2012-2007م) تقدم نواب الحزب بعدد كبير من الأسئلة وطلبات الإحاطة والبيانات العاجلة، وبعض الاقتراحات بتعديلات قانونية تتعلق بقضايا مختلفة من قضايا حقوق الإنسان في المغرب؛ طالب فيها الحزب بدعم هيئة الإنصاف والمصالحة، وتنفيذ مقرراتها لطي صفحة انتهاكات حقوق الإنسان في المغرب، ودعا إلى مكافحة الفقر والبطالة؛ حتى لا يحرم كثيرون من حقوقهم الأساسية والاقتصادية والاجتماعية وندد بالفساد، وانتهاكات السلطة لحقوق المواطنين في الاجتماع والاحتجاج، وأدان عودة ظاهرة الاختطاف والاختفاء والتجسس على الاتصالات الهاتفية ... إلخ.

ج- في مجال الإعلام والنشر والتوعية الفكرية بقضايا حقوق الإنسان: تتضمن إصدارات الحزب مواد كثيرة تتعلق بهذا المجال، وأهم هذه الإصدارات جريدة العدالة والتنمية وسلسلة وثائق العدالة والتنمية، وسلسلة تقارير ترصد أداء ومساهمات الفريق النيابي للحزب في البرلمان، إلى جانب تنظيم عدد كبير من الندوات وورش العمل واللقاءات الحزبية والجماهيرية التي تتناول قضايا حقوق الإنسان والتوعية بها وفقًا للرؤية التي يتبناها الحزب، وفي إطار المرجعية الإسلامية التي ينطلق منها على النحو السابق شرحه. وللحزب موقع إعلامي على شبكة المعلومات الدولية الإنترنت يحتوي على كثير من الوثائق والبيانات والمعلومات التي تعبر عن سياساته ومواقفه المختلفة، وجهوده وإنجازاته في كل منها، بما فيها سياساته المتعلقة بحقوق الإنسان وقضاياها.

 وفي رأينا أن وجود حزب العدالة والتنمية، في حد ذاته، إسهام في تفعيل الحقوق السياسية والمدنية المكفولة للمواطنين بحكم الدستور والقانون. فهو بمثابة إطار لممارسة حق التنظيم، والمشاركة في تدبير الشأن العام، وتأطير أعداد من المواطنين والمواطنات، وتمكينهم من الممارسة السلمية لجوانب من حقوقهم السياسية التي كفلها الدستور والقانون، أو تلك التي نصت عليها المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان. وتتجلى أهمية هذا الإسهام في ضوء الخلفية التاريخية والنضالية للحزب والتحولات التي مر بها؛ وخاصة عندما انفتح على قطاعات من شباب الحركة الإسلامية المغربية في العقد الأخير من القرن الماضي؛ ليوفر لهم قناة قانونية تستوعب طاقاتهم، وتوجهها لخدمة التطور السياسي والاجتماعي لبلدهم، عوضًا عن الانجراف في اتجاهات أخرى تمارس العنف، أو تنخرط في الفساد، وتعمل خارج الأطر القانونية للمشاركة السياسية.

 وتقوي الاجتهادات الفكرية الجديدة التي يقدمها الحزب منظومة حقوق الإنسان وذلك من منطلق المرجعية الإسلامية التي يتبناها ويؤمن بها، ويدعو إليها. ولعل أهم اجتهاداته الإقرار بمنظومة حقوق الإنسان في صيغتها القانونية المعاصرة، واعتبارها تنظيمًا لجملة الحقوق التي نصت عليها المرجعية الإسلامية، وأمرت بتطبيقها. ومكسب حقوق الإنسان هنا هو أن يصبح لها قوة إلزامية مستمدة من الشريعة الإسلامية، وبحسب تعبير الحزب «حقوق الإنسان هي من حقوق الله في المرجعية الإسلامية». إضافة إلى اجتهاداته في ربط حقوق الإنسان بسياسات العدالة الاجتماعية.

صحيح أن الحزب له تحفظان أساسيان على منظومة حقوق الإنسان، كما تقدمها المرجعيات الدولية، ولكنهما تحفظان يصبان في صالح تقوية ودعم منظومة حقوق الإنسان وليس ضدها، أحدهما: يتعلق لا باستخدام حقوق الإنسان لفرض هيمنة القُوَى الكبرى على الشعوب المستضعفة والثاني: يتعلق ببعض الخصوصيات الدينية وأهمها خصوصية نظام الأسرة، والأحوال الشخصية المرتبطة بها؛ من حيث تكوينها، وتنظيم العلاقات بين أعضائها، وترتيب حقوق كل منهم والتزاماته تجاه الآخر.

رؤية حقوقية

وفي هذا المجال قدم الحزب رؤية حقوقية تعطي للمرأة كامل حقوقها وترفع عنها ما سماه الأمين العام للحزب «الحيف التاريخي»، كما يقوم الحزب بتطبيق ذلك عمليًا من خلال فتح المجال أمام المرأة لعضوية الحزب وشغل مواقع قيادية في تنظيماته بحد أدنى 15% منها، وفي الدورة - الانتخابية ( 2002 - 2007م) كان للحزب أكبر عدد من النائبات المنتخبات في المجلس التشريعي (6 من 30 نائبة)، وتولت إحدى نائباته - النائبة سمية خلدون - منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية، وهي أول مرة تتولى فيها امرأة رئاسة إحدى لجان البرلمان المغربي منذ نشأته، وللحزب في البرلمان الحالي عدد مماثل من النائبات المنتخبات. وانطلاقًا من هذا المنظور نجح الحزب في منع تأسيس الخطة القومية لإدماج المرأة في التنمية على أساس «مقاربة النوع الاجتماعي»؛ لأن هذه المقاربة ينتج عنها الإقرار بحرية التوجه الجنسي سواء نحو الجنس الآخر، أو الجنس المثلي، وكذا مشاعية العلاقات الجنسية، كما ينتج عنها تدمير النظام الأسري المبني على توزيع متكامل للوظائف بين الرجل والمرأة».

كما تسهم جهود الحزب التربوية والإعلامية، والتثقيفية في نشر ثقافة حقوق الإنسان، والتدريب على ممارستها؛ فع كإحدى وظائفه في التكوين والتأطير والتعبئة الاجتماعية التي يهدف منها إلى جذب مزيد من الأنصار والمؤيدين له، وهي من الوظائف الأساسية التي يقوم بها أي حزب سياسي جاد ويمتلك مشروعًا فكريًا للإصلاح السياسي والاجتماعي والتنمية الشاملة.

 كما تعتبر مساهمات نواب العدالة والتنمية في البرلمان »الرقابية والتشريعية« إضافة أخرى لجهود الدفاع عن حقوق الإنسان، وتوفير الضمانات الكافية للتمتع بها، وحمايتها من العَسَف، ومن الأشكال المختلفة للفساد الذي قد تمارسه بعض السلطات الحكومية تجاه بعض المواطنين أو بعض الفئات الاجتماعية.

إن الخطاب السياسي لحزب العدالة والتنمية المغربي «النص والممارسة معًا» لا يزال بعيدًا عن اهتماماتنا العلمية والإعلامية في المشرق العربي، بالرغم من أن أهل المغرب لا يقابلون ذلك بابتعاد مماثل عن قضايانا وهمومنا في المشرق. ونحن نعتقد أن حزب العدالة والتنمية المغربي، يقدم نموذجًا جديرًا بالتأمل والدراسة، وثمة حاجة ماسة إليه للاستفادة به في بعض البلدان العربية المشرقية التي تشهد توترات مزمنة بين السلطة والحركات الإسلامية الراغبة في الانخراط في العمل السياسي السلمي وفقًا للقانون والدستور.

والخلاصة: أن المرجعية الإسلامية لحزب العدالة والتنمية هي التي تتيح له الإسهام بشكل إيجابي في إثراء نظرية حقوق الإنسان، وفي تفعيلها في الواقع عبر العمل السياسي، وكذلك في الإسهام مع بقية القُوَى والأحزاب السياسية في عملية التحول الديمقراطي والإصلاح، على أساس الممارسة السلمية لحقوق المواطنة من داخل الأطر الشرعية والقانونية، وهذا بالضبط ما تحتاج إليه كثير من بلدان المشرق العربي التي تمر بعمليات إصلاح سياسي وتحول ديمقراطي متعثر، مثلما هو متعثر في بلدان المغرب العربي.

الرابط المختصر :