العنوان رسالة المعذبات في سجون الطغاة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1982
مشاهدات 92
نشر في العدد 562
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 23-فبراير-1982
لقد كتبنا في العدد الماضي تحت عنوان «لقد بلغنا يا لهول ما بلغنا» فحوى رسالة وصلت من الأخوات المؤمنات اللاتي اعتقلن في سجون الطغاة ورفعن صرخاتهن إلى كل ذي ضمير حي من الغيورين على دينهم وعلى كرامة أمتهم وأعراضهم. ونحن ناشدنا ملوك ورؤساء وأمراء الدول العربية والإسلامية ألا يقفوا حيال هذا الأمر البالغ الخطورة موقف المتفرج، بل المطلوب منهم أن يقفوا موقفًا يرضي الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: ٨٨، ٨٩)
والآن بعد أن حصلنا على النص الكامل لهذه الرسالة التي سربت من داخل سجون الطغاة فإننا نقوم بنشرها ليطلع عليها المخلصون لدينهم وأمتهم ووطنهم؛ لكي يهبوا لنصرة المظلوم والضرب على يد الظالم وإيقاف أي تعاون أو أي دعم مهما كان نوعه للطغاة الذين انتهكوا حرمات الإسلام وداسوا المقدسات والقرآن الكريم وظلموا الناس وأزهقوا الأرواح البريئة. وإننا نطلب من المسؤولين في العالم العربي والإسلامي أن يتجاوبوا مع المسلمين المظلومين في أقطارهم، وأن يرفعوا التعتيم الإعلامي عما يفعله الطغاة ضد الإسلام والمسلمين في كل مكان لتصل الحقائق واضحة للشعوب.
إن الرسالة التي ننشر نصها الكامل والتي يتقطر القلب مما فيها لا بد أن تحدث ردود فعل المخلصين الغيورين بما يتناسب مع هول الموقف وفظاعة الجريمة، وإن ما في الرسالة لقليل من كثير مما حدث ويحدث في ذلك القطر المسلم المنكوب بحكامه الحاقدين على الإسلام والمسلمين طوال تاريخهم.
بسم الله الرحمن الرحيم
كم رسالة كتبناها، كتبناها بأناتنا، بدموعنا، بدمنا، أرسلناها مع الأثير، لعلها تلقى من يسمعها. لم نكن نستطيع إرسال حرف على ورق، فأرسلنا آهات واستصرخنا في دجي الليل.. ولكن من يسمعنا في ظلمتنا. ولما يتجاوز صوتنا جدرانًا سوداء، وقضبانًا حديدية، رحمنا ربنا، واستطعنا إرسال هذه السطور، نلقي فيها شعاعًا يعكس للعالم ما يجري لنا، نحن القابعات في أقبية السجون. تنهال علينا ألوان العذاب ليل نهار، ويأتينا الزبانية ثمالى متوحشين، ليتهم ظلوا يعذبوننا كما بدأوا بالسياط والكهرباء، ليتهم تركوا أختنا تلفظ أنفاسها بعد ما لاقته من العذاب ولم ينتزعوا منها عفتها، ليتنا متنا قبل هذا وكنا نسيًا منسيًا، قالتها مريم العذراء دون عذاب، دون وحوش بشرية، وفي أحشائها روح من ربها، فماذا نقول نحن؟ بماذا ندعو؟! نستصرخ العالم أن ينقذنا من عذابنا، ننادي بأعلى صوتنا بكل جوارحنا كل ذرة فينا تصرخ وتستغيث، كل قطرة دم، كل نبضة عرق، كل نفس يصعد ويهبط يصرخ وامعتصماه.. وامعتصماه.. نادت بها امرأة واحدة، فلبى لها رجال كثير ونحن هنا مئات يعذبن يقتلن كل لحظة بألف قتلة ولا يموتن.. ألا من معتصم.. ألا من معتصم.. ألا من مسلم ينصر نساء يسحقن.. رباه لمن النداء؟.. طال بنا البقاء، أيام وشهور.. وتتلوها الشهور، ودماء المجرمين تسرب في عروق جنين في أحشائنا.. ماذا نفعل؟..
رباه لم يجبنا أحد فارحمنا. لا نريد منكم أن تنقذونا، بل هدموا علينا السجون. افتوا لنا بقتل أنفسنا وقتل ما في بطوننا.. فلم نعد نقوى على ما بنا، لا ليل يقلنا ولا نهار ينير ظلمة حياتنا..
يا عالم استفيق، طال بك الرقاد. طال بك الرقاد ونحن لا نعرف الرقاد..
يا عالم استفيق، لك يوم تقف فيه بين يدي الله ليسألك ربك ماذا فعلت؟!.. ماذا فعلت لمن انتهك عرضها؟..
ماذا فعلت لمن فقدت وعيها من صدمات الكهرباء؟..
ماذا فعلت لمن علقت في السقف من قدميها بعد أن نزع عنها الحجاب، وتناثرت عنها الثياب، وضربت بقضيب ثقيل من حديد، فأسلمت وعيها لربها. لا تعلم كم من الساعات هي على هذه الحال؟..
ماذا فعلت يا أيها العالم المسلم وأختك هناك في دولاب طويت فيه، تنهال عليها السياط، تسيل دماؤها، تتورم أقدامها، تفقد صوابها ولا مغيث؟
ماذا فعلت لمن عذبوا زوجها على مرآها واستغاثت دماؤه فلم يجب أحد فانفجرت لتسيل على ثيابها؟..
ماذا فعلت لمن سيقت إلى المستشفى بين الموت والحياة بعد أن نهش لحمها ست وعشرون مفترسًا متوحشًا؟..
ماذا فعلت؟.. وماذا فعلت؟..
بماذا ستجيب؟!.. ومن أين لك أن تجيب وأنت ما تزال في الرقاد؟.. ألا يا عالم استفيق.. وانتشلنا من الحريق.. انتشلنا من الغريق.. فلقد جفت العروق.. ولا نهار ولا شروق.. في وحشة وادٍ سحيقٍ.. في ظلمةٍ بحر عميق.. ننادي.. نلتمس الطريق.. هل من بريق؟.. هل من بريق؟..
أخواتكم المعذبات
في سجون الطاغوت
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل