; معركة الوجود بين القرآن والتلمود (الحلقة ٣) | مجلة المجتمع

العنوان معركة الوجود بين القرآن والتلمود (الحلقة ٣)

الكاتب الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1979

مشاهدات 72

نشر في العدد 443

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 01-مايو-1979

  • الوحي الإلهي:

يوقن اليهود أن الخطر الوحيد على مخططاتهم وأحقادهم هو «الدين» بما يمثله من عقائد وأخلاق، وتضحية وإيثار... إلخ، ومن ثم جعلوا هدفهم الأول نزع الإيمان من قلوب البشر، وشحنها بالشهوات والشبهات، وعبادة الذهب عجل بني "إسرائيل" القديم!

وقد نجحوا فعلًا في اكتساح النصرانية وتدمير قواعدها، ليس بسبب وسائلهم الشيطانية فقط، وإنما -أولًا- لانقطاع دين الكنيسة عن الوحي الإلهي، وأنوار النبوة الهادية!

ولكن القرآن العظيم لا يزال قمة شامخة للوحي الإلهي المعجز، ويتأبى على الطمس والتزييف، ويجعل من أتباعه القلعة الوحيدة في الأرض الآن القادرة على المقاومة باسم الإيمان، والمرشحة للمصادمة العالمية مع اليهود، بما تملك من کتاب مبين ومنهاج منير.

واليهود على يقين من هذا الأمر الخطير! بل تجاوز وعيهم لهذه الحقيقة وعي كافة زعماء العرب والمسلمين؛ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ(ص: 24).

فماذا فعلوا لتطويق «الخطر القرآني»؟!

  • مخططات الهدم والتدمير:

كانت خطوطها الأساسية تتلخص فيما يلي:

أولًا: عزل القرآن عن الحياة حتى يصبح كتابًا تاريخيًّا متحفيًا، لا يجاوز عجائز المساجد، أو سرادقات المآتم!

ثانيًا: إطلاق الحياة تركض على عكس ما رسم القرآن حتى تصبح عودته للحياة أمرًا مستحيلًا بقدر ما في الواقع من انفصال عنه!

ثالثًا: صياغة الفكر الجديد بحيث يصبح طلائع المثقفين أعداء له بلسان الحال أو المقال!

رابعًا: سحق الطلائع الواعية التي تمثل الخطر الأساسي في انبعاث قرآني يمشي بين الناس بتأثيره الغلاب.

وهذا يفسر لنا كثيرًا من الألغاز والطلاسم التي نراها على الساحة العربية.

يفسر لنا كيف استمات اليهود في إنشاء الأحزاب الشيوعية في مصر، وسوريا، والعراق، والمغرب... إلخ، بل كان كبار أثرياء اليهود هم الذين يمدونها بالتخطيط، والمطبوعات، والمال، والنساء على سواء..

ويفسر لنا -ثانيًا- سر موجات الانحلال المحمومة التي تتدفق على بلاد المسلمين عبر مخطط مرسوم يستخدم الأشرطة الماجنة، والأغاني والمسرحيات العفنة، و«الآداب» الساقطة «تمامًا كما تحدثت البروتوكولات».

ثم يفسر لنا -ثالثًا- تلك الضراوة الفاحشة في معاملة الحركات الإسلامية، التي تمثل رأس الحربة في قلب المخطط الشيطاني الزاحف!

ولقد دوخت هذه المنطقة عن عمد وإصرار طوال العقود الماضية، وضربت بألوان من الزيغ الاعتقادي، والزيف الفكري، والتهريج الدعائي حتى لا تهتدي إلى طريقها الأصيل، ولا ترد القضية إلى إطارها الإسلامي المتفرد!

وبينما كانت المزامير والإصحاحات -على بطلانها- تتلى في الشاطئ الآخر، ويتربى عليها «إخوان القردة والخنازير» -كما سماهم النبي صلى الله عليه وسلم- كان الإسلام العظيم يعزل عن عمد، وينحى عن الساحة في ضراوة، لذلك جاء حجم الهزيمة العربية هائلًا رهيبًا، وكان أبلغ دليل على أن الإسلام ضرورة حياة ومصير ووجود، فضلًا عن أصله الاعتقادي والتعبدي.

  • القفزة الرهيبة:

ولقد كانت القفزة الأخيرة على مصر عملًا مدروسًا یراد به استعجال النتائج قبل أن يستفيق «الإسلاميون» من جديد تحت مطارق الأحداث، فيأخذوا بأيديهم القرآنية زمام المبادأة، وحينئذ يضيع على اليهود جهد القرون، وكيد الأجيال.

ومن هنا سيعمل اليهود بكل قواهم لتوسيع الخرق الذي نقبوه في أسوارنا، وسيكون همهم الأكبر تلك الجذوة الكامنة، والتي لا يخشى التركيز على هدم قيم الإسلام، وبقاياه في الرءوس والنفوس، حتى تنطفئ اليهود شيئًا قدر خشيتهم منها؛ لأنها من نور الله عز شأنه.

إن قضيتهم الآن هي كسر الحواجز، وطمس الآثار والمعالم التي أقامها القرآن في نسيج النفس الإسلامية عن اليهود، حتى يضمنوا تنويم هذه الأمم، ثم تسخيرها لخدمتهم -كالحمير- على ما جاء في أحلام «التلمود»!

  • الرؤية الصحيحة:

ومن ثم كان لزامًا علينا أن نرد معركتنا مع اليهود إلى إطارها الوحيد الصحيح، باعتبارها صدام مبادئ لا مصالح، وقضية عقيدة ودين، ومسألة إيمان أو كفران، بقدر ما بين القرآن والتلمود من فوارق الغايات والأساليب.

ومن عجب أن القضية سحبت عمدًا إلى متاهات الألقاب والأوصاف الفارغة من سياسية، ووطنية، وقومية، حتى الاقتصادية والحضارية لتصرف القضية عن وصفها المتفرد، وليتوه الناس في ضباب الشعارات الزائفة، ثم تخور قواهم عن مواصلة الجهاد في قضايا تقبل المساومات! 

ولقد دأب اليهود على اتهام غيرهم «الجوييم» بالغفلة والبلادة، والعجز عن استشفاف المستقبل.. إلخ.

وإذا صح هذا في أمم الأرض جميعًا فلا يصح بالنسبة لنا نحن المسلمين بعد أن شرفنا الله تعالى بالقرآن، وجعله له نورًا يمشي به في الناس، وتبيانًا لكل شيء حتى معركتنا مع اليهود التي لم تكن تخطر على بال أحد من الناس قبل سبعين سنة فقط، يوم طردهم خليفة المسلمين، ورفض المساومة على شبر من أرض الإسلام، حتى فتح لهم الطريق ملاحدة الأتراك أمثال: أنور، ومصطفى كمال!

  • المعركة في ضوء القرآن:

وقد جاء القرآن العظيم بتفصيلات شاملة في هذا الباب، تصل إلى درجة بالغة من الإعجاز في هذه المعجزة الربانية الخالدة.

فالقرآن الكريم يكشف مكنونات النفس اليهودية، ويبلغ أغوارها الفكرية والعقلية، ويعري أخلاقهم الرهيبة، ووسائلهم الدنيئة، ونوعيتهم المفرطة في التعقيد والالتواء، المتشابهة في السوء عبر الأجيال!

بل يرسم القرآن العظيم السبل الناهضة لعلاجهم، وإبطال دسائسهم، ويشن عليهم حملة واسعة النطاق والآفاق هي أكبر وأوسع مدى من يهود الجزيرة العربية أو المعاصرين لنزوله، وذلك إرهاصًا وتأسيسًا لليوم الأكبر الذي يتفرد فيه أتباعه المخلصون بدحر أخطر مؤامرة تعرضت لها البشرية عبر تاريخها الطويل.

والمتأمل في حديث القرآن يلاحظ أمورًا على غاية الأهمية منها:

أولًا: العدل الرباني:

فالقرآن کلام رب العالمين، الذي لا يظلم ولا يحابي، ولا يتصور أن يتسرب إليه شائبة عنصر، أو شبهة خطأ، أو احتمال حيف.

لذلك فهو يثني على بني "إسرائيل" تارة، ويبلغ بهم ذروة شاهقة من الرضا والتقدير، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (الأعراف: 159).

ثم هو تارة أخرى تبلغ حملته عليهم حدًّا رهيبًا من التقريع والتوبيخ والذم، بل وينصبهم أمثولة الدهر والتاريخ كله على الشقاق، والالتواء، والمراء، والغدر، والكفر بالله ورسله؛ قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ، وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لولا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ...الآية (المائدة: 60- 64).

«من الضروري تأمل الآيات الكريمة وما قبلها في المصحف الشريف وخاصة مجموعة النقائص التي ساقها عنهم القرآن مثل: عبادة الطاغوت، والمسارعة في الإثم والعدوان، وأكل السحت، واتباعهم وصايا الأحبار والرهبان الذين صنعوا التلمود، ثم قولهم على الله تعالى قولًا عظيمًا... إلخ».

والسبب في هذا أن الله تعالى يعطي كل ذي حق أو باطل ما يستحقه: فهو يمدحهم إن أحسنوا وأطاعوا، ويذمهم إن عاندوا وشاقوا، وقالوا كلمتهم النكراء: «سمعنا وعصينا»!

وتبلغ درجة القرآن في الحالين مبلغهم هم من الإحسان والسوء، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (الكهف: 49).

ومن تمام عدل الله تعالى هنا أنه دائمًا يستثني من ذمهم القلة الصالحة -على ندرتها- فيقول سبحانه وتعالى عنهم: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ(المائدة: 13)، ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 59).

ومن هنا:

فلا يخدع أحد بأن القرآن قد مدح بني "إسرائيل" في بعض أحوالهم، أو بعض فتراتهم؛ وإنما أردنا التنبيه على هذا بذاته لتوقعي تمامًا بأن اليهود ومحترفي الفتاوى من عبيد الدنيا سيتخذون أمثال هذه الآيات الكريمة وسيلة لخداع المسلمين؛ تزييفًا لموقف القرآن الصارم من عبدة العجل، وأكلة الربا!

ثانيًا: الفيض القرآني:

فالمتتبع لدراسة «المعضلة اليهودية» في ضوء القرآن الكريم يلاحظ أنه لم يعالجها متعجلًا في نص أو نصين؛ وإنما جاء بفيض زاخر يتناولها من أقطارها، ويكشف كل خباياها وأبعادها بحيث يمكن القول بأنها من أكثر المسائل نصوصًا في القرآن بعد العقائد؛ فقد تحدث عنهم في السبع الطوال وما دونها من الميئن والمثاني والمفصل، وتحدث عنهم في الآية المفردة، وفي الجملة المتصلة من الآيات، وتناولهم في مكي القرآن ومدنية على سواء، وفي تاريخهم الأول، والمتكرر حتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بل وما سيأتي من أحوالهم باعتبارهم أمة واحدة تعمل على شاكلتها: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ(الأعراف: 58).

وسنتحدث عن ذلك بالتفصيل إن شاء الله تعالى في الصفحات التالية.

ثالثًا: التوقيت المعجز:

ذلك لأن القرآن العظيم بدأ منذ العهد المكي يهتك أستار اليهودية، 
ويضع أيدي المسلمين على مفاتيح هذه النفسية المعقدة، وتأصل التحريف والانحراف في أعماقها، ويكشف مساوئ تاريخهم المشين. 

وفي هذا العهد كان المسلمون مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، ولم يكن لهم باليهود احتكاك فكري أو مكاني يبرر هذا النقد العنيف، فكانت دواعي المصلحة -في تقدير البشر- توجب تأجيل هذا الهجر على اليهود، فلا يذكر إلا جانبهم الطيب في الصبر والثبات ليتأسى بهم المسلمون في مرحلة الاضطهاد المكي.

ومن جانب آخر لم يكن -في تقدير البشر- أي داع لفتح جبهة عداوة جديدة على المسلمين المستضعفين في وقت هم أغنى الناس عن هذا، بما هم فيه من المحنة والتعذيب والتكذيب.

بل هم أحوج الناس إلى جمع عواطف الناس حولهم، خاصة عواطف اليهود بما لهم من ثقل مادي وأدبي في الجزيرة، باعتبارهم أهل الكتاب الأول.

ولكن القرآن يصدر من مصدر أعلى وأعلم وأحكم، وقد أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض؛ ومن ثم جاء على خلاف تقديرات البشر القاصرة، وأخذ يندد باليهود تنديدًا عنيفًا في وقت مبكر من العهد المكي.

والسؤال هنا: لماذا هذه المباكرة العنيفة؟!

والجواب في إيجاز:

١- تربية الأمة الجديدة التي ستحمل أمانة الوحي في الأرض، وايقاظ مشاعرها حتى لا تضل كما ضل بنو «إسرائيل».

٢- التمهيد للمرحلة التالية من عداء اليهود للإسلام، والتي كانت غيبًا في علم الله تعالى، حتى يقطع الطريق على اليهود -وهم قوم بهت- فلا يتقولوا بأن محمدًا هو الذي يؤلف القرآن لأنه كان يمدحنا في مكة، ثم يهاجمنا في المدينة لخلافنا معه.

٣- بيان أن هذه القضية من قضايا الإيمان والامتداد، وليست من القضايا المرحلية التي تنتهي بانتهاء ظروفها وملابساتها، فيكون هذا تأسيسًا لمعنى ديني عميق في النفسية الإسلامية تجاه اليهود حتى يكونوا على أوفى حذر منهم دائمًا، فلا يصدقوا لهم قولًا، ولا يأمنوا لهم جانبًا، ولا يطمئنوا معهم إلى عهد، وقد علموا من تاريخهم كيف استضعفوا أنبياءهم، وأتعبوا رسلهم، وتطاولوا على ربهم، وعبدوا العجل، وفجروا في الأرض!

لقد أراد القرآن أن يمزج هذه المعاني مزجًا في نسيج النفسية الإسلامية بالنسبة إلى اليهود خاصة، لتظل ثابتة مستمرة المدى استمرار اليهود على طبيعتهم العوجاء، التي لا يتحولون عنها عبر الأجيال جميعًا. 

وهذا ضرب من إعجاز القرآن يتبدى للناس في هذا الزمان، وينهض في أوانه ليعمل عمله -بإذن الله- في تاريخ الأرض، وواقع الحياة؛ ذلك لأن اليهود هم المسئولون اليوم عن إفساد العالم، وإغراقه في لجة الانحلال الجنسي، وتسعير شهواته، وتدمير معتقداته وأخلاقه، ولم تعد في الأرض من قوة تكون مرشحة لمصادمتهم إلا قوة تنبعث من خلال هذا الكتاب الغلاب.

ويوم يبلغ الكتاب أجله سيعلم الناس جميعًا أنه لا سبيل إلى نجاة البشرية إلا تحت لوائه، وعلى هدى أنواره الربانية، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ(الأنفال: 7).

ملاحظة: نأسف للإخوة القراء لعدم التمكن من نشر هذه الحلقة الثالثة في العدد الماضي؛ وذلك لتأخر وصولها إلينا.

الرابط المختصر :