العنوان الحكم وظيفة ليس إلا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1986
مشاهدات 60
نشر في العدد 749
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 07-يناير-1986
تأملات تاريخية..
دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية- رضي الله عنه- فرآه يتصدر مجلسًا من مجالسه العامرة، وقد حف به رجال دولته وقادة جيشه، ووجوه قومه.. ورأى الناس يبالغون في إعظامه وإجلاله، فخشي عليه من ذلك أشد الخوف وبادره قائلًا: السلام عليك يا أجير المؤمنين.
فالتفت إليه الناس وقالوا: أمير المؤمنين.. يا أبا مسلم.
فلم يأبه لهم وقال: السلام عليك يا أجير المؤمنين.
فقال الناس: أمير المؤمنين.. يا أبا مسلم فلم يعرهم سمعه، ولم يرم نحوهم بطرفه وقال: السلام عليك يا أجير المؤمنين.
فلما هم الناس بمراجعته التفت إليهم معاوية وقال: دعوا أبا مسلم فهو أعلم بما يقول.
فمال أبو مسلم إلى معاوية وقال له: إنما مثلك- بعد أن ولاك الله أمر الناس- كمثل من استأجر أجيرًا وأوكل إليه أمر غنمه، وجعل له الأجر على أن يحسن رعيها، ويحفظ أبدانها، ويوفر أصوافها وألبانها، فإن هو قام بما عهد به إليه حتى تكبر الصغيرة، وتسمن العجفاء وتصح السقيمة أعطاه أجره وزاده وإن هو لم يحسن رعيها وغفل عنها حتى هلكت عجافها، وهزلت سمانها، وضاعت أصوافها وألبانها، منع عنه الأجر وغضب عليه وعاقبه.. فاختر لنفسك ما فيه خيرك وأجرك.
فرفع معاوية رأسه وكان مطرقًا إلى الأرض وقال:
جزاك الله عنا وعن الرعية خيرًا يا أبا مسلم، فما علمناك إلا ناصحًا لله
ولرسوله ولعامة المسلمين.
• هكذا فهم المسلمون الأوائل أن الحاكم مهما كانت صفته أميرًا أو ملكًا أو سلطانًا إنما هو موظف لخدمة الشعب.. فالرئاسة وظيفة، وهي تكليف لا تشريف ولا تعطي صاحبها أي ميزة عن باقي أفراد الرعية.
والأمر الآخر هو طالما أن هذا المنصب وظيفي فمن الواجب على الحاكم أن يؤديه على أكمل وجه فيوفر الخدمات للشعب دون محاباة أو تلاعب ودون تحكم أو طغيان وبذلك ينتزع الحاكم الحب من قلوب الرعية بالعدل الذي يسوي بين الناس، واليقظة التي تدفع الأخطار والتفاني الذي يجهد النفس ويمنع لذائذ الحياة، أما إن قصر في أداء الوظيفة فمن حق الرعية أن تحاسبه على تقصيره ورحم الله أبا بكر حين قال: إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني.
يضاف إلى ما سبق أن الرعية في الماضي امتلكت الجرأة لتخاطب الحاكم بحقيقة وظيفته لا من أجل التحقير والتصغير، وإنما من أجل النصح والإرشاد وكان الحكام بالمقابل يقدرون توجيهات الرعية ويتقبلون النصح بنفوس راضية وإن أخذ هذا النصح ألفاظًا مجردة من التعظيم والتفخيم.
إننا اليوم في أمس الحاجة إلى أمثال أبي مسلم في تقديم النصيحة وأمثال معاوية في قبولها لتتخلص أمتنا من مستنقع الطغيان والتملق والوصولية الذي تتخبط فيه والذي أوصلها إلى مهاوي الذل والقهر والاستعباد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل