; من الحياة.. أنت وغيرتها | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة.. أنت وغيرتها

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 30-ديسمبر-2006

مشاهدات 62

نشر في العدد 1733

نشر في الصفحة 61

السبت 30-ديسمبر-2006

في إحدى الدول الغربية، كان يعيش وزوجته وأولاده، في بيت تظلله مشاعر الحب، ويملؤه رحيق السعادة، ويسوده المودة والوئام.

كانت زوجته تحب أباها حبًا جمًا، وكان أبوها يعيش معها في الدولة ذاتها التي تقطن بها، بيد أن المسافة بينهما تقطعها «السيارة» في سويعات.

كانت في شدة حبها لأبيها تشعر به كالتوأم، برغم ما بينهما من البعد المكاني، وكان الأمر لافتًا وعجيبًا، إذا أصابه صداع أصابها الصداع ذاته في الوقت ذاته، وإذا آلمه «مغص» أو تقلصات شعرت بما يشعر به!!

وفي يوم من الأيام شعر الوالد بدوار، ثم فاضت الروح إلى خالقها، فالموت يأتي بغتة وليس بالضرورة أن يسبقه إنذار.

وصل الخبر إلى الزوج، فغدا في حيرة من أمره، وخشي أن يخبر زوجته الحبيبة بأبيها، وتتركه وحده في معترك الحياة، فيفقد حنانها وحبها وأنسها وكل شيء جميل في الحياة.

بعد تفكير عميق جاءته فكرة، لقد إعتمد الزوج على «العلاج بالصدمة»!! أن يبدأ بخبر أشد إيلامًا!! لتتقبل الزوجة الخبر الأقل إيلامًا؟! فماذا فعل؟.

قال لزوجته: ألا ترغبين في زيارة الوالد وقضاء يومين عنده؟

فرحت الزوجة ولم تتردد في الموافقة، وفي الصباح ركبا «السيارة»؟

وعندما وصلا إلى منتصف الطريق قال لزوجته: لقد تعاهدنا منذ أن تعارفنا على الصدق والصراحة، لذلك أصارحك برغبتي في أن تمكثي عند والدك أسبوعين أو أكثر، لأنني أحببت أنثى غيرك، وقد أعددنا كل شيء، لنتم الزواج بإذن الله بعد أيام!!! سامحيني لأني أحبها، ولا أستطيع فراقها، وأنا رجل ألتزم بديني، ولا أرضى لنفسي إلا الحلال...

ما إن سمعت الزوجة هذه الكلمات إلا وكأنها أصيبت بصاعقة، وزلزلت الأرض من تحت قدميها، واستغرقت في بكائها، وعلا صراخها ونحيبها، واغرورقت دموعها وانهمرت، وصارت كالمجنونة تشتم تارة، وتضرب تارة، وتولول تارة!!!

اقترب الموكب الحزين من بيت العائلة المكلومة، وهنالك حاول الزوج التخفيف عن زوجته بالتهدئة تارة، وبمحاولة لمسها تارة أخرى، وهي في نفور دائم منه، هنالك قال لها: اسمعي يا زوجتي، كنت أود أن تسألي قلبك فقط لتعلمي أنك محبوبتي، ولن أطيق أبدًا أن تعيشي لحظة ألم بسببي، حبيبتي ورفيقة دربي، ليست هناك أنثى في حياتي غيرك، وسأظل طوال حياتي وفيًا لك مخلصًا، على يقين مني أنني لو طفت المشارق والمغارب على أن أجد من يسعدني غيرك فلن أجد، ولكن جاءني خبر مؤلم ومحزن لك، وخشيت عليك وعلى نفسي إن أنا أخبرتك الخبر، ولكن الآن لا مفر من أن أخبرك الخبر.

 قالت الزوجة وما الخبر؟ فقال زوجها: لقد توفي والدك الحبيب، فسألي الله له الرحمة، فتنفست الصعداء، وانقطع بكاؤها، وخفت نحيبها، ومسحت دموعها، وابتسمت ابتسامة حزينة وهي تقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون، رحم الله والدي، المهم أنك لن تتزوج على»!!

هذا الموقف من واقع الحياة وليس خيالًا، وهو يجسد لنا طبيعة المرأة وغيرتها، وخاصة إذا حدثها زوجها عن إعجابه بأنثى أخرى يرغب في الزواج منها، سواء أكان ذلك من قبيل الجد أم المزاح.

والنساء في هذا الأمر سواء، لا فرق فيهن بين قوية الإيمان، وضعيفة الإيمان الفارق الوحيد هنا هو أن الأولى تتقبل الأمر على مضض وإحساس بنذالة الزوج المنكر للجميل، الذي لم يحفظ العشرة، ولم يكن وفيًا -هذا كله طبعًا من وجهة نظرها- أما الضعيفة الإيمان والدين فتذهب إلى أبعد من ذلك، إذ ترى أن هذه خيانة، وأن هذا الرجل عينه زائغة، غير عفيف، والأنثى التي تقبل أن تتزوجه زوجة ثانية هي خطافة رجال، وهدامة بيوت، وتنسى هذه المرأة الضعيفة الإيمان أن تسيء إلى مسلك نساء النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك نساء الصحابة -رضي الله عن الجميع- اللاتي تزوجن برجال متزوجين، ولعل ما شوه هذا الأمر هو سلوك الأزواج المعددين الذين عصفوا بالزوجة الأولى وأولادها، وظلموا ولم يعدلوا، لذا ينبغي للمرأة المسلمة أن تميز بين المبدأ الذي أباحه الشرع، وبين ما يمارسه الزوج المعدد دون التزام وعدل، كما يجب أن يعلم الجميع أن التعدد المنضبط الذي أباحه الشرع إنما أبيح لعلاج مشكلات كثيرة، وليعصم به ذويه من الخطأ والزلل والفاحشة، وبرغم ذلك كله فلا مفر من غيرة المرأة وإن كانت قوية الإيمان، وعلى الزوج أن يصبر ويستوعب.

 ما أريده هنا هو أن أبصر بني آدم من الأزواج بطبيعة بنات حواء من الزوجات، كي يستطيع الزوج أن يتفهم زوجته ويستوعبها، ويحسن معاملتها على غيرتها وعوجها.

لا عجب أن تغار الزوجة، فقد غارت أم المؤمنين عائشة، تقول -رضي الله عنها-: «استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة -رضي الله عنها- على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة وتذكره، فارتاع وقال اللهم هالة بنت خويلد، فغرت فقلت وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيرًا منها، فقال: ما أبدلني الله خيرًا منها: قد آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله الأولاد منها» «رواه البخاري ومسلم».

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة، وإني لم أدركها قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة فيقول: أرسلوها إلى أصدقاء خديجة، قالت: فأغضبته يومًا فقلت: خديجة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني رزقت حبها» «رواه مسلم».

الرابط المختصر :